الفصل السادس و الأربعون : الرسالة الأخيرة للفيلسوف الوقور
من عمر عبوري… إلى أبنائي، وإلى هذه الحياة
وجدها أبناؤه مطوية داخل مصحفه الصغير، بين صفحتين كان يقرأهما كثيرًا.
وكان خطه قد صار مرتجفًا من الكبر…
لكنه بقي جميلًا، وقورًا، يشبهه.
كتب فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أبنائي…
إلى قطعة قلبي التي تركتها لي أمكم أمانة،
إلى ريان، ويُسرى، وسليم…
إذا كنتم تقرؤون هذه الرسالة، فهذا يعني أن أباكم قد سبقكم بقليل، كما سبقَتني أمكم من قبل.
فلا تبكوا كثيرًا…
فإن العمر مهما طال، هو سفر قصير، وأجمل ما فيه أن نصل إلى الله بقلوب سليمة.
يا أبنائي…
لقد كنت أبًا يجتهد، ويخطئ، ويتعلم، ويقوم من عثراته، لكنني....والله....ما قصّرت في محبتكم يومًا، ولا نمت ليلة إلا ودعوت لكم بالخير والهداية والسكينة.
إن سألتم يومًا:
ما أعظم ما تعلّمه أبوكم من الحياة؟
فسأقول لكم:
أن الدين نور إذا دخل القلب، أصلح ما أفسدته الدنيا.
وأن الكلمة الطيبة صدقة، لكنها أحيانًا تنقذ روحًا كاملة.
وأن الصبر، وإن كان مرًّا، يثمر سلامًا لا يُشترى.
وأن الحب الحقيقي لا يفسد الإنسان… بل يهذبه، إن كان قائمًا على الرحمة والتقوى.
وأوصيكم بأمكم خيرًا في دعائكم…
فوالله، ما عرفت امرأة أنقى قلبًا منها.
كانت لي سكينةً حين اضطربت الدنيا، ورحمةً حين اشتدّت عليّ الحياة، وذكرى جميلة حين غابت.
إن وجدتم فيّ خيرًا… ففيه أثرٌ منها.
يا ريان…
إذا وقفت أمام مريض يرجو الحياة، فتذكّر أن وراءه قلبًا يخاف فقده، فارفق به.
يا يُسرى…
اكتبي، وارسمي، واملئي العالم نورًا. لا تسمحي للحزن أن يصير هوية، اجعليه حكمة.
يا سليم…
علّم الناس الفكر، لكن لا تنسَ أن القلوب لا تُقنعها الحجج وحدها، بل يلمسها الصدق والرحمة.
وإن أحببتم يومًا…
فأحبّوا بصدق، واصبروا، ولا تجعلوا الكِبر أو الخوف يهدم ما بناه الود.
أما لهذه الحياة…
يا دنيا…
أخذتِ مني كثيرًا، وأعطيتِني كثيرًا.
أوجعتِني حتى ظننت أنني هلكت، ثم منحتِني وجوهًا أحببتها حتى امتلأ قلبي شكرًا.
علمتِني أن الفقد لا يقتل دائمًا… أحيانًا يصنع من الإنسان روحًا أعمق، وأقرب إلى الله.
فإن ذُكرتُ يومًا، فلا تقولوا:
كان رجلًا حزينًا.
بل قولوا:
كان رجلًا أحب، وصبر، وربّى، وبقي وفيًّا حتى آخر الطريق.
وأخيرًا…
إذا زرتم قبري، فلا تقفوا طويلًا عند التراب…
ارفعوا أيديكم إلى السماء، وادعوا لي ولأمكم بالرحمة، ثم عودوا إلى الحياة وعيشوها بما يرضي الله.
واعلموا أنني رحلت مطمئنًا… لأنني تركت خلفي أبناءً يشبهون أجمل ما أحببت.
محبكم إلى آخر نفس…
أبوكم، عمر عبوري
"اللهم اجمعني بمن أحببت على خيرٍ عندك."
سطور تائهة