الفصل الثامن: ما بين قبولٍ وخوف
ظل إصبع عمر فوق زر قبول طويلًا.
ثوانٍ فقط…
لكنها بدت له كأنها امتحان كامل بين قلبه وعقله.
ثم.....
أطفأ الهاتف.
ووضعه بعيدًا.
وقام فتوضأ.
صلى ركعتين طويلتين، جلس بعدهما ساكنًا، يمرر سبابته على طرف المصحف المفتوح أمامه دون أن يقرأ، كأن قلبه مشغول بشيء واحد:
بيسم.
الاسم نفسه صار يمر في داخله كما يمر اللحن في رأس من سمع موسيقى لا تُنسى.
وفي النهاية…
عاد إلى هاتفه.
وقبل الطلب.
في غرفتها، كانت بيسم مستلقية على بطنها فوق السرير، شعرها مبعثر حولها، والدفتر الأسود مفتوح قرب الوسادة.
وحين ظهر إشعار:
"ابن السبيل قبل طلب المتابعة."
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة جدًا… لكنها كانت صادقة على نحو أدهشها.
دخلت إلى حسابه.
لم يكن فيه شيء كثير.
صور قليلة جدًا:
سماء بعد الفجر.
صفحات من كتاب.
مسبحة خشبية قرب نافذة.
صورة ظل لرجل يقرأ قرب مصباح خافت....من دون أن يظهر وجهه.
وتعليق قديم شدها:
"بعض الأشياء جميلة لأنها بعيدة…
فإذا اقتربنا منها، خفنا أن نفسدها."
قرأت الجملة، وشعرت بقلبها ينقبض.
هذه ليست مجرد كتابة.
هذه روح تعرف الألم.
في اليوم التالي…
كان عمر أكثر صمتًا من المعتاد.
وفي حصة الفلسفة، كان يشرح عن الحرية والاختيار، لكن ذهنه لم يكن كله مع الدرس.
لأن بيسم كانت تنظر إليه بطريقة مختلفة.
لا كطالبة إلى أستاذها.
بل كأنها تقرأ شيئًا خلف ملامحه.
كأنها تبحث عن رجل تعرفه… ولا تعرف من أين.
وفي منتصف الحصة، رفعت يدها.
قال بهدوء:
"نعم يا بيسم."
سألته:
"أستاذ…
هل يمكن للإنسان أن يعيش بشخصيتين؟
واحدة يراها الناس…
وأخرى لا تظهر إلا حين يكون وحده؟"
ارتفعت عيناه إليها.
السؤال ضربه مباشرة.
أما هي…
فكانت تحدق فيه كما لو أنها تنتظر ارتجافة في وجهه.
قال بعد صمت قصير:
"ليس بالضرورة شخصيتين…
أحيانًا يكون الإنسان وجهًا واحدًا، لكن الناس لا يرون منه إلا الجانب الذي يسمح لهم برؤيته."
كتبت بيسم الجملة.
ثم ابتسمت لنفسها ابتسامة غامضة.
لأنها شعرت.....لسبب لا تفهمه....أن ابن السبيل كان سيقول الجواب نفسه.
بنفس الطريقة.
بنفس الهدوء.
بعد انتهاء الحصص، بقيت بيسم وحدها في القاعة الفنية ترتب لوحات المعرض.
كان الضوء البرتقالي للمساء ينسكب من النوافذ العالية، يجعل المكان أشبه بلوحة قديمة.
دخل ريان يحمل إطارًا خشبيًا كبيرًا.
قال مبتسمًا:
"ساعديني في رفع هذا."
اقتربت منه.
وبينما كانا يثبتان اللوحة، اختل توازن الإطار فجأة وكاد يسقط عليها.
في لحظة.....
ظهر عمر من الباب، أمسك بالإطار قبل أن يرتطم بها، وسحبها خطوة للخلف بحركة سريعة حاسمة، محافظًا على مسافة مناسبة لكنها كافية لإبعاد الخطر.
وقف الزمن لثانية.
كانت بيسم قريبة جدًا…
قريبة لدرجة أنها سمعت اضطراب أنفاسه.
وشمت رائحة نظيفة خفيفة تشبه المطر والورق القديم.
أما عمر…
فكان ينظر إليها بنظرة خرجت من قلبه قبل أن يسيطر عليها:
خوف.
قلق.
وشيء أعمق… لم يسمّه.
قال بصوت منخفض، متوتر قليلًا:
"هل أنت بخير؟"
هزّت رأسها ببطء.
لكنه لم يترك النظر فورًا هذه المرة.
وثبتت عيناه على عينيها لحظة أطول مما ينبغي.
لحظة…
كادت تقول كل شيء.
ثم دخل ريان بينهما بصوته:
"الحمد لله أنك كنت هنا، أستاذ."
تراجع عمر فورًا، كأن أحدًا أيقظه.
أصلح وقفته.
واستعاد بروده المعتاد.
ثم غادر دون كلمة أخرى.
لكن بيسم…
في تلك الليلة، كتبت إلى ابن السبيل رسالة واحدة فقط:
"اليوم… نظرتُ في عيني رجل، وشعرت أنني رأيتك."
قرأ عمر الرسالة…
وشعر لأول مرة بخوف حقيقي.
لأن اللعبة التي ظنها مجرد كلمات…
صارت تقترب من الحقيقة.
سطور تائهة