الفصل الخامس عشر: صباحٌ بطعم السهر
حين أذن الفجر، كان كل من عمر وبيسم قد ودّعا الليل وفي قلبيهما شيء جديد…
شيء لا يشبه ما كان بينهما من قبل.
ليس لأن الكلمات صارت أوضح فقط.....
بل لأن الأرواح، حين تتكلم حتى الفجر، تترك في بعضها أثرًا لا يزول بسهولة.
في الصباح، دخل عمر القسم بعينين تحملان أثر السهر، لكنه بدا ..... على غير عادته .....أخفّ.
هدوءه نفسه كان ألين.
أما بيسم…
فكانت تقاوم النوم بكل ما أوتيت من قوة، تسند خدها إلى يدها، والقلم بين أصابعها يدور ببطء، وعيناها نصف مفتوحتين.
بدأ عمر يشرح درسًا عن الإرادة والوعي، لكن عينيه ......على رغم منه ..... وقعتا عليها.
كانت تقاوم التثاؤب كطفلة.
ثم كتبت شيئًا في دفترها، ودفعت الدفتر قليلًا للأمام، كأنها تتركه ظاهرًا عمدًا.
مرّ بين الطاولات بعد دقائق، وألقى نظرة خاطفة.
وجد مكتوبًا على الهامش:
"أنا نائمة واقفة بسببك."
وفي الأسفل رسمت وجهًا غاضبًا صغيرًا.
كاد يضحك.
لكنه تماسك.
وأكمل الشرح بصوت ثابت، بينما قلبه يبتسم.
بعد لحظات، مر ثانية قرب طاولتها، ووضع ورقة صغيرة فوق دفترها ومشى دون أن يلتفت.
فتحتها في خفية.
وجدت بخطه:
"ومن قال لكِ أن تسهري حتى الفجر؟"
وفي الأسفل:
"هذا عقاب منطقي."
ابتسمت، ثم كتبت ردًا سريعًا:
"أنت السبب."
مر قربها مرة ثالثة، لمح الرد، وأخذ القلم من فوق طاولتها للحظة، وكتب تحتها:
"وأنا أيضًا لم أنم جيدًا."
حين قرأت الجملة…
تسارع قلبها.
لسبب سخيف جدًا، فكرة أنه سهر مثلها جعلت النهار كله يبدو أجمل.
بعد الظهر، كتب لها:
"هل ندمتِ على حديث البارحة؟"
ردت فورًا:
"أبدًا."
"ولا على صراحتك؟"
"خفت منها… لكن لم أندم."
صمت قليلًا.
ثم كتب:
"وأنا كذلك."
ثم.....ولأول مرة.....كتب شيئًا جعله يعيد قراءة رسالته قبل أن يرسلها:
"أحببت أن أعرفك… أكثر مما توقعت."
قرأت بيسم الرسالة، وشعرت أن قلبها صار خفيفًا، مضيئًا، مرتبكًا، سعيدًا… دفعة واحدة.
كتبت:
"وأنا أحببت النسخة التي أعرفها منك…
الرجل الوقور الذي يغار من لاعب كرة، ويتجادل دفاعًا عن برشلونة، ويأكل المقروط سرًا، ويخاف أن يقول كلمة تؤذي قلبًا."
ابتسم.
ثم كتب:
"وتلك النسخة… ترتاح لكِ."
لكن بينما كان الضوء ينمو بينهما…
كان هناك شيء آخر ينمو بصمت:
حديث الناس.
الطلاب لاحظوا النظرات الخاطفة.
الابتسامات الصغيرة التي لا يمنحها عمر لأحد.
والهدوء المختلف في بيسم، ذلك الهدوء الذي يشبه فتاة تحمل سرًا جميلًا في قلبها.
وبين الهمسات…
بدأ اسم ريان يعود إلى الصورة، لا كإعجاب هذه المرة، بل كصديق مقرّب من بيسم يرافقها كثيرًا في الأنشطة المدرسية.
وفي إحدى الاستراحات، لمح عمر من بعيد ريان يعطي بيسم علبة صغيرة مغلفة.
أخذتها وهي تضحك.
ثم شكرته.
وقف عمر مكانه…
وشعر بذلك الشعور القديم يعود.
ذلك الانقباض الغيور، الصامت، الثقيل.
لكنه هذه المرة… لم يكن تجاه لاعب بعيد.
بل تجاه رجل يقف قربها حقًا.
وفي الليل، حين فتحت بيسم هاتفها، وجدت أول رسالة منه منذ مدة… قصيرة جدًا:
"من أعطاكِ الهدية اليوم؟"
وقرأت في السؤال ما لم يُكتب:
غيرة.
سطور تائهة