الفصل الثاني: البرود الذي يشبه الحريق
في صباح اليوم التالي، دخل عمر عبوري إلى ثانوية الأمير عبد القادر بقلب أكثر اضطرابًا مما بدا على ملامحه.
أما وجهه…
فكان كما هو دائمًا:
هادئًا،
مغلقًا،
لا يشي بشيء.
لكنه اتخذ قرارًا في طريقه إلى المدرسة:
أن يضع مسافة واضحة.
أن يلتزم بحدوده كأستاذ.
وأن لا يسمح لقلبه أن يخلط بين الإعجاب الإنساني وواجبه ومسؤوليته.
في حصة الفلسفة، كانت بَيْسَمْ لطرش تجلس في الصف الثالث قرب النافذة، والقلم بين أصابعها يدور بلا وعي.
كان يشرح مفهوم الحقيقة بين العقل والشعور.
قال بصوته العميق الهادئ:
"أحيانًا، أكثر ما يربك الإنسان… ليس ما يشعر به، بل ما يعجز عن تفسيره."
رفعت بَيْسَمْ يدها.
أومأ لها.
قالت، وعيناها تحملان ذلك البريق الغريب الذي يشبه سؤالًا أكبر من الكلمات:
"أستاذ…
ماذا لو فهم الإنسان شعوره جيدًا… لكنه رفضه؟
هل يصبح أقوى… أم أكثر هشاشة؟"
ساد الصمت.
السؤال أصاب مكانًا لم يكن يريد الاقتراب منه.
نظر إليها لحظة
ثم أشاح ببصره نحو السبورة.
وقال بهدوء محسوب:
"ليس كل ما يشعر به المرء يجب أن يتبعه.
أحيانًا… القوة تكون في ضبط النفس، لا في الاستسلام لما يريده القلب."
كتبت بَيْسَمْ جوابه.
ثم، على هامش دفترها، كتبت جملة صغيرة:
"إذن لماذا بدا صوته حزينًا؟"
بدأت تلاحظه أكثر.
كيف ينسحب سريعًا من الأحاديث الطويلة.
كيف يختفي وقت الاستراحة ليجلس وحده في زاوية هادئة يقرأ.
كيف أن عينيه.... رغم هدوئهما......تخفيان تعبًا قديمًا.
ولاحظت شيئًا آخر…
حين كانت تتحدث مع زملائها بحرية، كان يبدو أكثر صمتًا من المعتاد، ثم ينشغل فجأة بأي شيء آخر، كأن شيئًا داخله يطلب منه المغادرة.
لم تفهم السبب.
لكنه أثار فضولها.
ليس كإعجاب عابر بوسامة رجل هادئ
بل كفضول كاتبة وجدت شخصية لا تستطيع قراءتها.
في المساء، جلست أمام البيانو في بيتها القديم في الجزائر العاصمة، وعزفت لحنًا هادئًا.
ثم فتحت دفترها الأسود وكتبت:
"هناك رجال يشبهون المدن القديمة؛
كل باب فيهم مغلق،
لكن خلف كل باب… حياة كاملة."
ثم كتبت اسمًا واحدًا:
عمر عبوري
وتوقفت.
حدقت في الاسم طويلًا.
ثم شطبته بسرعة، كأنها ارتكبت سرًا.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان عمر في المسجد بعد صلاة العشاء.
جلس وحده، يقرأ، ثم أغلق المصحف ونظر طويلًا إلى الفراغ.
كان يعرف شيئًا واحدًا بوضوح:
أن بَيْسَمْ موهبة مشرقة، وروح مفعمة بالحياة، وتلميذة تحت مسؤوليته التعليمية....وهذا يفرض عليه حدودًا لا يساوم عليها.
لكن ما حيّره…
أنه كلما حاول أن ينزعها من تفكيره، عادت كجملة ناقصة لا يستطيع إنهاءها.
فهمس لنفسه:
"يا رب… ارزقني الحكمة، قبل أن يسبقني قلبي إلى ما لا ينبغي."
وفي اليوم التالي…
وصلت إلى المدرسة إشاعة صغيرة، من تلك الإشاعات التي تنتشر بسرعة في الممرات كأن الجدران نفسها تهمس بها:
أن بَيْسَمْ لطرش شوهدت مساء الأمس في أحد شوارع الجزائر العاصمة القديمة، تسير مع شاب مجهول، يضحكان معًا كما لو أنهما يعرفان بعضهما منذ زمن.
قيل إنه طالب جامعي.
وقيل إنه قريب لها.
وقيل... كعادة الناس.....ما هو أكثر من الحقيقة نفسها.
حين سمع عمر عبوري الهمس عرضًا في غرفة الأساتذة، ظل وجهه ساكنًا كما هو.
لكن يده شدّت على فنجان القهوة قليلًا… حتى ارتجف سطحه.
ثم نهض بهدوء، وغادر المكان دون كلمة.
وفي الساحة، لمحها من بعيد…
كانت تضحك كعادتها مع صديقاتها، تحمل دفترها الأسود، وتبدو خفيفة كأن الدنيا لم تمسّ قلبها يومًا.
نظر إليها طويلًا.
ثم صرف بصره بسرعة، كأن النظر نفسه صار امتحانًا.
وفي صدره، استقر شعور ثقيل لم يرده…
ولم يستطع إنكاره.
أما بَيْسَمْ، فلم تكن تعلم أن إشاعة سخيفة، ربما لا أساس لها، أيقظت في قلب رجل هادئ… عاصفة صامتة.
سطور تائهة