الفصل الرابع عشر: ليلٌ طال حتى الفجر
تحت ضوءٍ خافت، وفي مدينة بدأت تغفو ببطء، ظلّ هاتفا عمر وبيسم مضاءين حتى ساعة متأخرة.
كان الحوار تلك الليلة مختلفًا.
أخف.
أصدق.
وأقرب إلى روحين جلستا قرب نافذة مفتوحة، تتحدثان بلا أقنعة.
كتبت بيسم:
"هل تسمح لي بسؤال غريب؟"
ردّ عمر:
"منكِ، كل الأسئلة الغريبة متوقعة."
"هل كنت يومًا مراهقًا طبيعيًا؟ أم خرجت إلى الدنيا وأنت تحمل كتاب فلسفة ومصحفًا ووجهًا جادًا؟"
ضحك بصوت مسموع.
ثم كتب:
"كنت طفلًا مشاغبًا على فكرة."
توقفت أصابعها.
"كاذب."
"أقسم."
"ماذا كنت تفعل؟"
"كنت أتسلق الأشجار، وألعب الكرة في الأزقة حتى المغرب، وأعود بثياب متسخة ووجه بريء جدًا يوحي أنني لم أفعل شيئًا."
"لا أصدق الوجه البريء هذه."
"هذه حقيقة تاريخية."
ضحكت.
ثم كتبت:
"كنت أظنك وُلدت وقورًا."
"الوقار جاء متأخرًا… بعد أن أتعبت أمي."
سكتت قليلًا.
ثم كتبت:
"أحب هذا الجزء منك."
…
ارتبك.
كل مرة تقول شيئًا بسيطًا، يصل إليه بعمق أكبر مما ينبغي.
كتب:
"وأنتِ؟"
"كيف كانت طفولتك؟"
جاءه الرد بعد لحظة:
"مليئة بالقصص.
كنت أكلم لعبتي كأنها حقيقية، وأرسم على الجدران، وأكتب رسائل لنفسي المستقبلية وأخفيها في الكتب.
وكنت إذا حزنت… أصعد للسطح وأنظر للسماء وأتخيل أن النجوم تسمعني."
قرأ الرسالة مبتسمًا بحنان لم يشعر به منذ زمن.
كتب:
"الطفلة ذات الثمانية أعوام ما زالت فيكِ."
"نعم… وأخاف أن تختفي يومًا."
"لا أظنها ستفعل."
"كيف تعرف؟"
"لأنها جزء مما يجعلكِ… أنتِ."
وقفت بيسم عند هذه الجملة طويلًا.
ثم كتبت:
"تعرفني جيدًا، أليس كذلك؟"
ظل يحدق في الشاشة.
ثم كتب بصدق:
"أعرف ما تسمحين لي بمعرفته…
لكنه يكفي لأدرك أنكِ روح نادرة."
وضعت يدها على قلبها.
جملة كهذه، من عمر تحديدًا، ليست بسيطة.
مرت ساعة أخرى.
ثم أخرى.
تحدثا عن الكتب.
عن أكثر الأشياء التي تخيفهما.
عن الوحدة.
عن الموت.
عن الدعاء الذي يكرره كل واحد منهما سرًا.
ثم.....عند الثالثة فجراً.....كتبت بيسم فجأة:
"هل أخبرك بسر؟"
"تفضلي."
"أحيانًا… عندما تدخل القسم، أرفع رأسي قبل الجميع، كأن قلبي يعرف خطواتك."
ارتجفت أنامله.
قرأها أكثر من مرة.
ثم كتب:
"وهل أخبرك بسر أنا أيضًا؟"
"نعم."
"أبحث عن مقعدك بعيني أول ما أدخل… حتى حين أقنع نفسي أنني لن أفعل."
توقفت أنفاسها.
ثم كتبت:
"عمر…"
ولأول مرة…
كتبت اسمه مجردًا، بلا "أستاذ".
قرأ الاسم وحده…
وشعر بشيء دافئ جدًا يجتاح صدره.
رد:
"نعم يا بيسم؟"
"أخاف."
"من ماذا؟"
"من أن أحب شيئًا جميلًا… ثم لا يكون لي."
أغمض عينيه.
هذه الجملة أصابته في مكان هش.
كتب بعد صمت طويل:
"والأشياء الجميلة ليست دائمًا لتُملك…
بعضها يكفي أنها مرّت بنا وأضاءت شيئًا فينا."
قرأتها.
ثم كتبت:
"لا يعجبني جوابك."
ابتسم بحزن.
"أعرف."
"لأنني لست من النوع الذي يكتفي بالنور من بعيد."
سكت.
ثم.....وقبل أذان الفجر بدقائق.....وصلتها رسالة منه:
"قومي صلي ركعتين الآن… وادعي بما في قلبك.
ففي هذا الوقت، الدعاء أقرب."
ابتسمت.
قامت فعلًا.
وصلّت.
وفي سجودها…
همست باسم لم تظن أنها ستهمس به يومًا:
"اللهم… إن كان عمر خيرًا لي… فقرّبه من قلبي بالحلال، وإن لم يكن… فارزقني قوة النسيان."
وفي مكان آخر…
كان عمر ساجدًا أيضًا.
وقلبه يردد دعاءً يشبه دعاءها كثيرًا…
من غير أن يعلم.
سطور تائهة