الفصل السابع والثلاثون: الرسالة التي كسرت ماتبقى
طوال الليل…
بقي عمر ممسكًا هاتفه كالغريق الذي ينتظر خشبة نجاة.
كل دقيقة تمرّ كانت عمرًا.
كل إشعار صغير كان يجعل قلبه يقفز، ثم يسقط حين يكتشف أنه ليس منها.
حتى…
عند الثالثة فجرًا.....
أضاءت الشاشة:
بيسم… تكتب
توقفت أنفاسه.
جلس مستقيمًا.
عيناه امتلأتا بشيء يشبه الرجاء.
ثم وصل الرد.
قرأه.....
فتجمّد.
"قرأت رسائلك كلها.
وبكيت على كل واحدة.
لكنني اتخذت قراري يا عمر…
يجب أن نبتعد.
لا لأني توقفت عن حبك.....وهذا لن يحدث بسهولة...
بل لأنني أحببتك حتى صار خوفي عليك، ومنك، ومعك، أكبر من قدرتي على الاحتمال.
أنا متعبة…
وقلبي لم يعد يحتمل هذا الثقل.
أرجوك… دعني أرحل."
…
سقط الهاتف من يده على الفراش.
لا من الصدمة.....
بل لأن يديه فقدتا قوتهما.
قرأ الرسالة مرة ثانية.
ثم ثالثة.
كل مرة كانت الجملة نفسها تمزقه:
"دعني أرحل."
لكن هذه المرة.....
لم يكن هادئًا.
لم يكن الفيلسوف الوقور.
كان رجلًا خائفًا، موجوعًا، يغرق.
اتصل بها فورًا.
لأول مرة…
ردّت.
جاء صوتها ضعيفًا، متعبًا، فيه بكاء قديم لم يجف:
"ألو…"
وما إن سمع صوتها…
خرج صوته حادًا، موجوعًا، صادقًا على نحو لم تعرفه منه:
"ما هذا الذي كتبته؟"
سكتت.
ثم همست:
"الحقيقة."
قال بانفعال مكتوم:
"هذه ليست حقيقة.....هذا هروب."
ارتجفت أنفاسها:
"سمّه ما شئت… لكنني لم أعد أستطيع."
وقف من مكانه.
بدأ يمشي في الغرفة كأسد جريح.
"لا تستطيعين ماذا؟
أن تصبري؟
أن تثقي بي؟
أم أن تحبيني حين صار الحب ثقيلًا؟"
شهقت:
"لا تقلها هكذا!"
رفع صوته لأول مرة معها:
"إذن كيف أقولها يا بيسم؟!
كنتِ تقولين: اشتقت لك.
تقولين: أنت أماني.
تقولين: لن أتركك.
والآن، عند أول عاصفة، تفتحين يدك وتتركينني أسقط؟"
انهمرت دموعها.
"أنا لا أتركك لأنني لا أحبك…
بل لأنني أحبك جدًا!"
قال بمرارة:
"الحب الذي يهرب عند الخوف… ليس حبًا أعرفه."
تلك الجملة…
أصابتها في قلبها.
صمتت ثوانٍ.
ثم جاء صوتها مكسورًا:
"ظلمتني."
أغمض عينيه.
لكنه كان غاضبًا، مجروحًا، والخوف عليها يزيد النار اشتعالًا.
قال:
"وأنتِ؟
ماذا فعلتِ بي؟
خرجتِ من البيت دون أن تنظري خلفك.
تركتِ رسائلي بلا رد.
جعلتِني أعيش أسبوعًا كاملًا كالميت…
ثم ترسلين لي قرارًا نهائيًا كأنني فصل في كتاب وانتهى؟"
بكت بصوت واضح هذه المرة.
"كنت أحارب نفسي كل يوم…"
"وكان يجب أن تحاربي معي، لا ضدي."
سكتت.
لأنها…
لم تجد جوابًا.
ثم قال، بصوت هادئ فجأة.....وذلك الهدوء كان أخطر من غضبه:
"أجيبي بصدق…
هل توقفتِ عن حبي؟"
شهقت:
"لا."
"هل تحبين غيري؟"
"لا."
"هل ما زلتِ حين تسمعين شيئًا جميلًا تريدين أن تخبريني؟"
بكت وهي تهمس:
"نعم…"
خفض رأسه.
ثم قال بصوت متعب جدًا:
"إذن لا تلبسي خوفك ثوب الرحيل."
ارتجف قلبها.
لكنه أكمل:
"لكن اسمعيني جيدًا يا بيسم…
إن اخترتِ الرحيل فعلًا، فارحلي عن يقين، لا عن ذعر.
لأنك إن خرجتِ من حياتي بهذه الطريقة… ستأخذين معكِ الرجل الذي كنته."
سقطت كلماته عليها ثقيلة كالحجارة.
ثم.....
سمعا معًا صوتًا غريبًا خلفها.
خشخشة باب.
حركة في الغرفة.
تجمد صوت بيسم:
"…عمر؟"
انتفض.
"ماذا هناك؟"
جاءها همس مرتجف:
"أظن…
أظن أن هناك أحدًا في شقتي."
وانقطع الخط.
سطور تائهة