وجه لم يره و قلب ازداد يقين✨️

وجه لم يره و قلب ازداد يقين✨️

18 0

الفصل الثالث والثلاثون: وجهٌ لم يره… وقلبٌ ازداد يقينًا

في إسطنبول…

مرّت الأيام الأولى كأنها حلم هادئ.

مدينة تشبه القصص القديمة؛

مآذن تعانق السماء،

بحر يلمع كصفحة زرقاء مفتوحة،

وشوارع تحمل بين حجارتها أصواتًا من قرون مضت.

وكانت أجمل ما في تلك الأيام.....

أن عمر وبيسم أصبحا يريان بعضهما في ضوء الحياة العادية، لا في ظل المدرسة فقط.

لا صفوف.

لا جرس حصة.

لا مقاعد تفصل بينهما.

بل صباحات تبدأ برسالة:

"صباح الخير يا بيسم، هل نمتِ جيدًا؟"

وأيام تمضي بين زيارة مكتبة قديمة، أو جلسة في حديقة مطلة على البوسفور، أو حديث طويل عن الكتب، والحياة، وأحلام المستقبل.

وكان عمر كل يوم يكتشف شيئًا جديدًا فيها:

طفولتها حين تفرح بأمر بسيط،

عمقها حين تتحدث عن الكتابة،

وإيمانها الصادق حين تسمع الأذان فتصمت تلقائيًا.

وكانت بيسم تكتشف فيه رجلًا آخر:

يضحك كثيرًا حين يرتاح،

يحب القهوة المُرّة صباحًا،

يشجع شبيبة القبائل بجنون طفولي،

ويقرأ القرآن في هدوء الفجر بصوت يجعل القلب يسكن.

وفي صباح يوم ممطر قليلًا…

حدثت اللحظة التي بقيت محفورة في ذاكرته.

كان السكن الذي يقيمان فيه، كما وصف لها، بيتًا عائليًا محترمًا تديره عائلة جزائرية طيبة.

وفي البهو الداخلي، خرجت بيسم على عجل لتأخذ كتابًا كانت قد نسيته في الصالون، ظنًا منها أن المكان فارغ.

ولأول مرة…

لم تكن كالعادة أنيقة و جميلة المظهر بل كانت تلك الطفلة التي تنهظ من نومها مبعثرة الشعر و منتفخة العينين ، لأنها كانت داخل البيت.

وفي اللحظة نفسها.....

دخل عمر من الباب الجانبي.

فتوقفت الدنيا.

وتوقف هو.

لا من صدمة…

بل من رهبة جمال بسيط، صادق، لم يكن يتخيله هكذا.

رآها كما لم يرها من قبل:

ملامحها كاملة بهدوئها الطبيعي،

وشعرها منسدلًا ببساطة مرتبة،

ووجهها بلا أي تصنع…

وجه بيسم الحقيقي الذي طالما أخفته عن العالم.

لكن أكثر ما أربكه.....

لم يكن شكلها…

بل أنها بدت مألوفة لقلبه، كأنه يعرفها هكذا منذ زمن.

رفعت عينيها نحوه.....

ثم شهقت بخجل، وأسرعت تغطي وجهها بطرف وشاح قريب.

احمر وجهها كله.

"يا الله… ظننت المكان فارغًا."

أما عمر…

فأنزل بصره فورًا باحترام، ثم قال بصوت خرج منخفضًا جدًا:

"سامحيني… لم أقصد."

ساد صمت مرتبك.

ثم قالت بخجل طفولي:

"كيف… كيف بدوت؟"

رفع نظره إليها للحظة قصيرة فقط....بقدر ما يسمح الأدب....

ثم قال جملة بقيت في قلبها عمرًا:

"بدوتِ… كما خلق الله الجمال حين يكون هادئًا."

حبست أنفاسها.

وأكمل بصوت أعمق:

"لكن ما يجعلني أحبك ليس وجهًا رأيته اليوم…

بل روحًا عرفتها منذ زمن، وكل يوم أزداد يقينًا بها."

فاضت عيناها بدموع دافئة.

لأن كلماته.....

لم تكن عن مظهر عابر…

بل عن جوهرها.

وفي تلك الليلة، كتبت في دفترها الأسود:

"اليوم رآني كما أنا، بلا ستار بين ملامحي والعالم…

لكنه لم يحدّق في وجهي،

بل نظر إلى قلبي أولًا.

وهنا فقط فهمت:

بعض الرجال إذا أحبوا امرأة، أحبّوها بما يرضي الله… لا بما يرضي شهوة عابرة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

على هامش الصمت

المؤلف سطور تائهة
2026/05/06 مستمرة
قائمة الفصول (47)
الفصل 0: نبذة عن الرواية ✨️
2026/05/06
الفصل 1: الفتاة التي تضحك كثيرا✨️
2026/05/06
الفصل 02: البرود الذي يشبه الحريق ✨️
2026/05/07
الفصل 03: حين خانه لسانه✨️
2026/05/07
الفصل 04: ملا يقال✨️
2026/05/07
الفصل 05: الهمس الذي صار إسما✨️
2026/05/07
الفصل 06: إسم مستعار ✨️
2026/05/07
الفصل 07: الجواب الذي خافه✨️
2026/05/07
الفصل 08: مابين قبول و خوف✨️
2026/05/07
الفصل 09: حين صار الشك مرآة✨️
2026/05/07
الفصل 10: حين سقط الإسم المستعار✨️
2026/05/07
الفصل 11: الطفلة المختبئة و الرجل الذي يغار من الشاشة✨️
2026/05/07
الفصل 12: الأبيض الملكي و الفيلسوف الكتالوني✨️
2026/05/07
الفصل 13: حديث بين جدارين و حديث بين قلبين ✨️
2026/05/07
الفصل 14: ليل طال حتى الفجر ✨️
2026/05/07
الفصل 15: صباح بطعم السهر ✨️
2026/05/07
الفصل 16: السؤال الذي فضحه✨️
2026/05/07
الفصل 17: حمى و حجّة صغيرة✨️
2026/05/07
الفصل 18: رسالة صوتية عند الظهيرة✨️
2026/05/07
الفصل 19: شيء يشبه الغياب✨️
2026/05/07
الفصل 20: وجهان جديدان✨️
2026/05/07
الفصل 21: حين خرج ماكان مخفيا✨️
2026/05/07
الفصل 22: صباح بوجه آخر✨️
2026/05/07
الفصل 23: سؤال خرج من قلبه✨️
2026/05/07
الفصل 24: حين خرج الوقار من صمته✨️
2026/05/07
الفصل 25: رحلة و مسافة تضيق ✨️
2026/05/07
الفصل 26: تحت قوس قديم✨️
2026/05/07
الفصل 27: أواخر الأشياء و أوائلها✨️
2026/05/07
الفصل 28: الأيام التي تركض✨️
2026/05/07
الفصل 29: الأيام الأثقل من الإمتحان✨️
2026/05/07
الفصل 30: نجاح ولقاء أول ✨️
2026/05/07
الفصل 31: مصادفة تشبه النداء✨️
2026/05/07
الفصل 32: يوم السفر و الطلب الذي أربك قلبها✨️
2026/05/07
الفصل 33: وجه لم يره و قلب ازداد يقين✨️
2026/05/07
الفصل 34: الظل الذي سبق النور✨️
2026/05/07
الفصل 35: حين دخل الخوف بين قلبين✨️
2026/05/07
الفصل 37: الرسالة التي كسرت ماتبقى
2026/05/07
الفصل 36: بيت خرجت منه الحياة✨️
2026/05/07
الفصل 38: الدعوة التي أطفأت الضوء✨️
2026/05/07
الفصل 39: هل هي النهاية أم الباب الذي فتح أخيرا✨️
2026/05/07
الفصل 40: مابعد كلمة ''نعم''
2026/05/07
الفصل 41: أسبوع لكنه ثقيل✨️
2026/05/07
الفصل 42: سر بيسم و الليل الذي كشف كل شيء✨️
2026/05/07
الفصل 43: الرسالة الأخيرة إلى الكتالوني ابن السبيل✨️
2026/05/07
الفصل 44: رجل بقي واقفا✨️
2026/05/07
الفصل 45: الغفوة الأخيرة قرب من أحب✨️
2026/05/07
الفصل 46: الرسالة الأخير للفيلسوف الوقور✨️
2026/05/07

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة