الفصل الثاني والعشرون: صباحٌ بوجهٍ آخر
في صباح اليوم التالي…
دخل عمر المدرسة، لكن شيئًا فيه كان مختلفًا إلى حدّ أربك الجميع.
ليس اختلافًا ظاهرًا في اللباس......
القميص المرتب، الساعة نفسها، الخطوات الهادئة نفسها......
بل شيء في وجهه.
خفّة لم تكن فيه من قبل.
نور داخلي صغير جعل ملامحه أكثر دفئًا.
حتى سلامه الصباحي خرج ألين:
"السلام عليكم."
وردّ عليه الجميع…
لكن بعضهم تبادل نظرات مستغربة.
لأن عمر......ذلك الرجل الذي اعتادوا هيبته وهدوءه
.......
كان يبدو… سعيدًا.
سعادة واضحة، صافية، يصعب إخفاؤها.
في غرفة الأساتذة، كان الأمر أوضح.
قال ياسين مازحًا وهو يحتسي قهوته:
"خيرًا يا عمر؟
تبدو كرجل ربح قضية ضد الحياة."
ابتسم عمر.
ابتسم فعلًا، من غير تلك الابتسامة الخاطفة المعتادة.
ابتسامة كاملة، جميلة، نادرة…
حتى آمنة رفعت عينيها إليه بدهشة صغيرة، ثم ابتسمت هي الأخرى وهي تلاحظ هذا الجانب غير المألوف منه.
أما عمر…
فكان أخف من الهواء.
لأنه نام الليلة الماضية وهو يحمل في قلبه حقيقة واحدة فقط:
بيسم تحبه.
وكان هذا كافيًا ليجعل الدنيا تبدو أقل ثقلًا.
أما بيسم…
فكانت حالتها أشد غرابة.
منذ أن دخلت المدرسة، وهي تتصرف كمن يحمل سرًا يلمع في عينيه ويخاف أن يراه الناس.
كلما سمعت اسمه…
ارتبك قلبها.
كلما تخيلت جملته:
"لأنني أحبك يا بيسم."
اشتعل وجهها حرارة.
وحين علمت أن حصته ستكون الأولى…
كادت تموت من التوتر.
دخل عمر القسم.
وبشكل غريزي، رفعت كل الرؤوس نحوه…
إلا رأس واحدة.
بيسم.
كانت تنظر إلى دفترها بتركيز مصطنع شديد، كأن الكون كله مكتوب في الصفحة البيضاء أمامها.
لا يمينًا.
لا يسارًا.
فقط إلى الأسفل.
لاحظ عمر فورًا.
ورغم محاولته الجدية…
تسللت ابتسامة صغيرة إلى طرف فمه.
ثم أكبر قليلًا.
ثم....حين تذكر اعترافها.....ضحك ضحكة خافتة دافئة أثناء وضع كتبه على المكتب.
فسكت الصف كله.
لأن عمر… يضحك؟
علانية؟
قال أحد الطلاب هامسًا لصاحبه:
"من هذا؟ وماذا فعلوا بأستاذ الفلسفة؟"
وكتم الصف ضحكة.
أما بيسم…
فكادت تختنق من الخجل وهي تعرف السبب.
بدأ الدرس.
لكن عمر لم يكن نفسه.
خفيف المزاح على غير عادته.
يبتسم أكثر.
بل إنه حين أخطأ طالب في جواب بسيط، قال مازحًا:
"هذه إجابة تحتاج إعادة نظر… وإعادة ميلاد ربما."
فضحك الصف كله.
حتى ياسين الذي كان مارًا قرب الباب التفت بدهشة:
"من هذا الرجل المرح؟"
وفي وسط الدرس…
مر عمر بين الطاولات كعادته.
وحين وصل قرب بيسم، همس بصوت منخفض جدًا لا يسمعه غيرها:
"ألن تنظري إليّ؟"
ارتجفت أصابعها.
همست وهي تنظر للدفتر:
"لا."
"ولماذا؟"
"لأن عينيّ ستفضحانني."
توقفت أنفاسه لحظة.
ثم همست بسرعة:
"وأخاف أن تفضحك أنت أيضًا."
شعر بقلبه يبتسم من الداخل.
ثم.....بحركة صغيرة لا يلاحظها أحد.....وضع ورقة مطوية عند طرف دفترها، وأكمل سيره.
فتحتها في خفية.
وجدت بخطه:
"لقد فضحني وجهي منذ أن دخلت."
وفي الأسفل:
"وأنتِ… جميلة حين تخجلين."
أغلقت الورقة فورًا، ووضعتها على قلبها، وكأنها تخاف أن يراها أحد.
أما وجهها…
فصار أحمر كغروب دافئ.
لاحظت زميلتها قربها، وهمست:
"بيسم… هل أنت بخير؟ وجهك مشتعل."
همست بيسم مرتبكة:
"حرارة بسيطة."
لكن الحقيقة…
لم تكن حرارة مرض.
بل حرارة قلب صار يحمل سرًا صغيرًا جميلًا....
اسمه:
عمر.
سطور تائهة