الفصل الحادي والأربعون: أسبوعٌ فقط… لكنه ثقيل
في مساءٍ هادئ من أمسيات سطيف…
كان البيت يغرق في دفء بسيط:
ضحكات الأطفال في الغرفة المجاورة،
رائحة الشاي بالنعناع،
وأوراق رسم مبعثرة على الطاولة لأن ابنتهما الصغيرة كانت تصرّ أن ترسم "بابا وهو يقرأ كتابًا كبيرًا جدًا".
أما بيسم…
فكانت جالسة قرب النافذة، تمشط شعر ابنتها الصغرى بأصابع حانية، بينما تراقب عمر من بعيد.
تعرفه جيدًا الآن.
تعرف صمته حين يفكر.
تعرف نظرة عينيه حين يخفي أمرًا.
تعرف حتى تنفسه حين يتهيأ لقول شيء لن يعجبها.
رفعت حاجبها وقالت:
"قل ما عندك."
رفع رأسه بدهشة:
"أصبحتِ تقرئينني أسرع مما أقرأ نفسي."
ابتسمت بخفة:
"تكلم."
تنهد.
ثم قال:
"جاءني عرض عمل مؤقت."
"أين؟"
"في بجاية."
توقفت يدها قليلًا.
وأصغت أكثر.
أكمل:
"دورة مكثفة لطلبة البكالوريا… أسبوع فقط.
تنظيم ومرافقة نفسية ودروس مراجعة في الفلسفة والمنهجية."
ابتسم ابتسامة صغيرة:
"شيء أحبه… وأشعر أن فيه نفعًا."
هزّت رأسها.
"وستذهب."
لم تكن سؤالًا.
بل حقيقة قالتها امرأة تعرف زوجها.
خفض عينيه قليلًا وقال:
"لن أذهب دون رضاك."
ضحكت ضحكة حزينة:
"يا عمر… أنا زوجتك، لا سجّانتك."
ثم أضافت بخفوت:
"اذهب."
قالت الكلمة…
لكن قلبها لم يقلها.
منذ زواجهما، لم يفترقا إلا أيامًا معدودة.
عمر لم يكن مجرد زوج في البيت.....
كان روحه الدافئة:
صوته في الفجر وهو يقرأ القرآن.
خطواته الثقيلة الهادئة في الممر.
جداله مع الأطفال حول تشجيع برشلونة.
نظرته إليها حين يظن أنها لا تراه.
كل ذلك.....
كان بيتها الحقيقي.
فكيف يرحل أسبوعًا؟
في تلك الليلة…
دخل غرفتهما فوجد بيسم تطوي له ثيابه للسفر.
لكنها كانت تطويها ببطء شديد…
كأنها تطيل الوقت عمدًا.
اقترب منها من الخلف، ووضع ذقنه برفق قرب رأسها وقال:
"أراك حزينة."
ابتسمت دون أن تنظر إليه:
"لا."
قال همسًا:
"كاذبة."
سكتت.
ثم وضعت القميص من يدها فجأة، والتفتت إليه وعيناها ممتلئتان:
"أنا أغار حتى من المدن التي تأخذك مني، فكيف لا أحزن؟"
توقف قلبه لحظة.
هذه المرأة…
ما زالت تحبه بنفس لهفة الفتاة الأولى.
مسح دمعة كادت تنزل وقال:
"أسبوع فقط."
همست:
"في الحب… الأسبوع طويل."
ابتسم بحنان.
ثم قال:
"سأعود قبل أن يشتد اشتياقك."
رفعت حاجبها:
"لقد اشتد."
ضحك ضحكته الجميلة القديمة....التي لم تفقد أثرها فيها أبدًا.
أما الأطفال…
فكانوا أشد حزنًا.
ابنه الأكبر قال بجدية:
"من سيشرح لي الفلسفة إذا احترت؟"
وابنته الصغيرة تعلقت بثوبه:
"لا تذهب."
أما المشاغب الصغير فسأل:
"هل في بجاية فريق من الناس يشجعون شبيبة القبائل؟"
فضحك الجميع رغم الحزن.
وفي فجر يوم الرحيل…
أوصلته بيسم إلى الباب.
كان يحمل حقيبته، وهي تحمل قلبًا ثقيلًا.
وقفت أمامه، تصلح ياقة قميصه كما تفعل دائمًا.
ثم قالت بصوت خافت:
"انتبه لنفسك… وكل جيدًا… ونَم جيدًا… ولا تسهر كثيرًا."
ابتسم:
"أوامر أخرى؟"
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت الجملة التي هزّت قلبه:
"عد سريعًا…
فالبيت بدونك مجرد جدران."
اقترب منها، وقبّل جبينها قبلة هادئة مليئة بالامتنان.
ثم همس:
"وأنتِ… بيتي أينما كنت."
خرج…
لكن حين التفت من آخر الممر، وجدها لا تزال واقفة عند الباب…
تبتسم له…
وفي عينيها حزن زوجة تخفي ألم الفراق الجميل.
ولم تكن تعرف.....
أن بجاية لن تمنحه أسبوع عمل عادي…
بل ستفتح بابًا جديدًا من أبواب الماضي الذي ظن أنه أغلقه.
سطور تائهة