الفصل الثامن والثلاثون: الدعوة التي أطفأت الضوء
بعد انقطاع الخط…
جنّ جنون عمر.
اتصل مرة.
مرتين.
عشرًا.
لا رد.
خرج من غرفته كمن يطارده شيء لا يُرى، وعيناه مشتعلتان خوفًا، حتى وصل إلى الشقة التي انتقلت إليها بيسم.
وحين فتح له الباب…
وجدها.
حية.
سالمة.
لكن.....
مرهقة، شاحبة، وعيناها حمراوان من البكاء والسهر.
وكان الصوت الذي سمعته…
مجرد باب شرفة حرّكته الريح.
وقف أمامها طويلًا.
غاضبًا…
ومرتاحًا…
ومكسورًا…
ومشتاقًا.
كل المشاعر اجتمعت في صدر رجل واحد حتى أثقلته.
قال بصوت خشن:
"كنتِ ستقتلينني خوفًا."
خفضت بصرها.
"آسفة."
اقترب خطوة.
"هذه الكلمة لا تكفي."
رفعت عينيها إليه.....
فوجدت التعب في وجهه لأول مرة واضحًا إلى هذا الحد.
لحيته نمت قليلًا،
وجهه صار أنحف،
وعيناه… تحملان ليالي لم ينمها.
همست بانكسار:
"ماذا فعلت بك يا عمر؟"
ابتسم ابتسامة حزينة:
"أحببتك… هذا ما فعلته."
كادت تعود إليه في تلك اللحظة…
لكن الخوف شدّها من جديد.
فتراجعت خطوة صغيرة.
ولاحظها.
فهم الرسالة.
سكت…
ثم خرج.
لكن قلبه.....
بقي عند بابها.
بعد ذلك اليوم…
أصبحت بيسم أبعد.
لا رسائل.
لا مكالمات.
حتى وجودها في إسطنبول صار كأنه طيف بعيد.
أما عمر…
فبقي متشبثًا بها كما يتشبث الغريق بآخر ضوء.
كان يكتب لها:
"صباح الخير… فقط لأطمئن أنك بخير."
وفي الليل:
"مرّ اليوم ثقيلًا دونك."
ثم:
"لا أطلب عودة… فقط لا تقطعي الخيط كله."
لكن.....
الصمت كان جوابها الوحيد.
مرّت أسابيع.
ثم عاد عمر إلى الجزائر قبل انتهاء بعثته.
عاد جسدًا…
لكن قلبه ظلّ هناك، في مدينة ترك فيها امرأة أحبها حدّ الإنهاك.
عاد إلى بيته القديم،
إلى كتبه،
إلى صلاته الطويلة،
إلى سجوده الذي صار أطول.
حاول أن يجمع نفسه.
أن يرمم ما انكسر.
حتى جاء مساء.....
غيّر كل شيء.
كان جالسًا يقرأ، حين اهتز هاتفه.
إشعار برسالة.
من بيسم.
توقفت أنفاسه.
بعد هذا الغياب كله…
كتبت أخيرًا.
فتح الرسالة بيد مرتجفة…
فوجد صورة بطاقة أنيقة بلون عاجي.
وفي أعلاها:
دعوة زفاف
وتحتها.....
اسم العروس:
بيسم لطرش
…
توقفت الدنيا.
شعر لثانية أن قلبه نسي كيف ينبض.
قرأ الاسم مرة…
ثم ثانية…
ثم سقط بصره على اسم العريس....
لكن عينيه كانت ضبابيتين من الصدمة حتى لم يقرأه بوضوح.
أما الرسالة المرفقة، فكانت أقسى من السكين:
"أردت أن يصلك الخبر مني، لا من غيري.
سامحني يا عمر…
حاولت أن أقاتل قلبي، لكنه أتعبني.
وأهلي رأوا أن هذا خير لي.
ادعُ لي بالسعادة… كما كنت تدعو لي دائمًا.
...... بيسم"
وقع الهاتف من يده.
هذه المرة…
لم يلتقطه.
جلس ساكنًا.
ساكنًا جدًا.
حتى صار السكون مخيفًا.
ثم....
ضحك ضحكة قصيرة، مذهولة، موجوعة.
وقال لنفسه بصوت مبحوح:
"بيسم…؟
إلى هذا الحد؟"
ثم سكت.
وانكسرت دمعة واحدة.....
ثقيلة…
ساخنة…
صامتة.
تبعتها أخرى.
ثم انهار.
ليس بكاءً عاليًا....
بل انهيار رجل ظلّ قويًا طويلًا، حتى جاءت الضربة الوحيدة التي عرف أنها لا يحتملها.
وفي تلك الليلة…
لم يفتح مصحفه.
لم يرد على أحد.
لم يتكلم.
فقط ظلّ يحدق في دعوة زفاف تحمل اسم المرأة التي كان ينوي يومًا أن يطرق بابها بالحلال.
لكن…
في أسفل البطاقة، بخط صغير جدًا، شيء لم ينتبه له أولًا.
جملة واحدة بخط يدها:
"اقرأ اسم العريس جيدًا… يا فيلسوفي."
رفع البطاقة بيد مرتجفة…
ونظر إلى الاسم.
فاتسعت عيناه فجأة.
لأن الاسم كان:
العريس: عمر بن عبوري
…
سطور تائهة