الفصل الرابع والعشرون: حين خرج الوقار من صمته
كان النهار يميل إلى العصر، والسماء فوق القصبة بلونٍ ذهبيّ هادئ، حين خرج الطلاب من البوابة في ضجيجهم المعتاد.
ضحكات.
خطوات مسرعة.
أحاديث متقاطعة.
أما بيسم…
فكانت تمشي وحدها قليلًا، تحمل دفتر رسمها الأسود إلى صدرها، وسماعاتها في يدها، غارقة في أفكارها كعادتها.
حتى قطع طريقها صوت لم تحبه منذ أول مرة سمعته:
"بيسم."
رفعت رأسها.
كان شابًا من الحي، اسمه مراد، معروف بخفةٍ ثقيلة وظنّ سيئ بأن الإلحاح نوع من الرجولة.
اقترب أكثر مما ينبغي وقال بابتسامة مستفزة:
"أراكِ تتجاهلينني كثيرًا… وهذا ليس جميلًا."
تراجعت خطوة صغيرة، وملامحها بردت فورًا.
"مراد، من فضلك… دعني أمر."
لكنه أصرّ:
"دقيقة فقط. كل مرة تهربين. هل أنا مخيف إلى هذه الدرجة؟"
قالت بحزم:
"لا، لكنني لا أريد الحديث. وهذا كافٍ."
كان صوتها واضحًا، محترمًا، لكنه حاسم.
إلا أن مراد ضحك باستخفاف وقال:
"أم أنكِ مشغولة بذلك الأستاذ الوقور؟"
تجمّدت.
اتسعت عيناها.
شعرت أن قلبها سقط في صدرها.
"ماذا قلت؟"
ابتسم ابتسامة خبيثة:
"الناس ترى أكثر مما تظنين."
اشتعل غضبها فجأة.....
ذلك النوع النادر من الغضب الذي يأتي حين يمسّ أحدهم شيئًا تحرسه بروحها.
قالت بصوت ارتفع دون أن تشعر:
"انتبه لكلامك."
ضحك:
"أم ماذا؟"
"أم أنك تتجاوز حدودك."
ثم أضافت، وعيناها ثابتتان:
"ومن الرجولة أن تفهم كلمة لا حين تُقال لك."
ساد صمت قصير.
الكلمات أصابته في غروره.
فاقترب خطوة وقال بحدة:
"تتكلمين كثيرًا...."
وقبل أن يكمل…
جاء صوت هادئ، لكنه حمل شيئًا جعل الهواء نفسه يبرد:
"وتكلمت أنت أكثر مما ينبغي."
التفت الجميع.
عمر.
واقف على بعد خطوات، ملامحه ساكنة على نحو مخيف، وهدوء عينيه هذه المرة لم يكن سلامًا…
بل غضبًا مضبوطًا.
اقترب بخطوات ثابتة.
وقف إلى جانب بيسم، لا أمامها ولا خلفها.....بل في موضع يقول: أنا هنا.
ثم نظر إلى مراد وقال بصوت منخفض واضح:
"حين تقول لك فتاة: لا أريد الحديث… ينتهي الحديث."
ابتلع مراد ريقه.
هيبة عمر وحدها كانت كافية، لكن شيئًا آخر كان في صوته.....شيء لا يُجادل.
حاول مراد التماسك:
"كنت أمزح فقط."
رد عمر فورًا:
"الاحترام لا يُمزح فيه."
ثم أضاف:
"وأما الخوض في سمعة الناس… فذلك باب لا تفتحه إلا إذا رضيت أن تُسأل عن نفسك أولًا."
خفض مراد بصره.
تمتم بشيء غير مفهوم، ثم انسحب سريعًا.
ما إن ابتعد…
حتى شعرت بيسم أن ساقيها فقدتا شيئًا من قوتهما.
لم تكن خائفة من مراد بقدر ما كانت مرتجفة من ذكر اسم عمر بتلك الطريقة.
نظر إليها عمر فورًا.
واختفى غضبه كما يختفي المطر.
صار صوته لينًا:
"هل أنتِ بخير؟"
هزّت رأسها، لكن عينيها امتلأتا بالدموع فجأة.
ليس ضعفًا.....
بل من شدة ما شعرت بالأمان قربه.
همست:
"حين ذكر اسمك… غضبت."
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بهدوء عميق:
"وأنا حين رأيتك منزعجة… نسيت كل هدوئي."
سقطت دمعة خفيفة من عينها، فابتسم بأسف لطيف.
ناولها منديلًا من جيبه وقال:
"أنتِ تبكين كثيرًا يا بيسم."
ضحكت وسط دموعها:
"وأنت تنقذني كثيرًا يا عمر."
خفض بصره لحظة…
ثم قال جملة جعلت قلبها يرتجف:
"لو استطعت… لأبعدت عنكِ كل ما يزعجك."
رفعت عينيها إليه.
وفي تلك اللحظة.....
مرت سيارة قربهما، وكان بداخلها ياسين وآمنة.
شاهدا المشهد من بعيد:
بيسم واقفة بعينين دامعتين.
عمر قربها، صوته لين، ونظرته مليئة بشيء لا يشبه مجرد الاهتمام.
نظر ياسين إلى آمنة وقال بابتسامة خفيفة:
"أظن أننا دخلنا قصة حب مكتوبة قبل وصولنا."
ابتسمت آمنة بهدوء، وفي عينيها فهم ناضج:
"بل دخلنا قصة… يحاول صاحباها عبثًا إخفاء الشمس فيها."
أما عمر وبيسم…
فلم يكونا يعلمان أن سرهما الصغير…
صار أقل سرية من قبل.
سطور تائهة