الفصل التاسع والثلاثون: هل هي النهاية… أم الباب الذي فُتح أخيرًا؟
ظلّ عمر يحدّق في البطاقة طويلًا…
مرة،
مرتين،
عشر مرات.
الاسم لم يتغير.
العريس: عمر بن عبوري
جلس، ثم وقف، ثم جلس مرة أخرى…
كأن عقله يرفض أن يصدق ما تراه عيناه.
أسرع إلى هاتفه، واتصل.
هذه المرة.....
ردّت بيسم من أول رنة.
لكنها لم تتكلم.
فقط كان يسمع أنفاسها المرتبكة.
أما هو، فقال بصوت مبحوح:
"ما هذا؟"
وجاءه صوتها…
صوتٌ خافت، مبتسم، باكٍ في الوقت نفسه:
"دعوة زفاف."
قال، وقلبه يكاد يخرج من صدره:
"بيسم… هل تمزحين؟"
ضحكت ضحكة صغيرة تعرف طريقها إلى قلبه:
"هل أنا من النوع الذي يمزح في شيء كهذا؟"
"لكن… كيف؟"
سكتت لحظة، ثم قالت:
"حين ابتعدت، كنت أهرب من خوفي… لا منك.
عدت إلى الجزائر وأنا أظن أنني سأشفى منك، لكنني اكتشفت شيئًا واحدًا فقط…"
"ماذا؟"
"أنني كلما دعوت الله أن ينزعك من قلبي… دعوت بعدها أن يسامحني، لأنني كنت أكذب.
لم أستطع.
لم أرد أصلًا."
أغمض عينيه…
وشعر أن شيئًا ميتًا فيه عاد ينبض.
ثم أكملت:
"حكيت لأمي كل شيء."
شهق:
"كل شيء؟"
"كل شيء… إلا ما لا يليق قوله.
قلت لها إن هناك رجلًا أحبني بما يرضي الله، وخاف الله فيّ أكثر من خوفه على قلبه، وإنني إن تزوجت… فلن يكون غيره."
ساد صمت ثقيل…
ثم قالت بخجل:
"وأمي قالت:
إن كان كما تقولين… فليأتِ من الباب."
ارتجفت أنفاسه.
"بيسم…"
"أبي أيضًا وافق بعد أن سأل عنك، وعرف من أنت اليوم… لا من كنت."
خفض رأسه…
والدموع هذه المرة كانت دموع امتنان.
يوم الزفاف
جاء اليوم.
في قاعة هادئة في سطيف، تزيّنت الأنوار، وامتلأ المكان برائحة الورد ودفء الأهل.
نساء يزغردن.
أطفال يركضون.
رجال يتبادلون السلام والدعوات الطيبة.
أما عمر…
فكان واقفًا بثوب بسيط أنيق، لكن قلبه مضطرب كفتى صغير.
ياسين اقترب منه وربت على كتفه:
"من كان يصدق؟
من درس فلسفة الحب… انتهى عريسًا في درس عملي."
ابتسم عمر لأول مرة من قلبه منذ شهور.
ثم دخلت بيسم…
فصمت المكان في عينيه.
لم يرَ الزينة.
لم يسمع الأصوات.
رآها فقط.
هادئة…
مضيئة…
وفي عينيها تلك اللمعة نفسها التي لمحها أول مرة في حصة فلسفة بعيدة.
لكنها اليوم.....
لم تكن تلميذته.
كانت المرأة التي اختارها قلبه، ورضيها دينه، واطمأنت لها روحه.
اقتربت منه بعد العقد، وعلى وجهها حياء جميل.
قالت بخفوت:
"هل هذه النهاية يا عمر؟"
نظر إليها طويلًا…
ثم ابتسم ابتسامة الرجل الذي خرج من العتمة إلى النور، وقال:
"لا يا بيسم…
هذه أول صفحة تُكتب بالحلال."
ثم مال نحوها قليلًا وهمس:
"لكن عندي سؤال مهم."
رفعت حاجبها:
"ما هو؟"
قال بجدية مصطنعة:
"بعد الزواج… هل ستبقين مع ريال مدريد… أم ستتوبين إلى برشلونة؟"
شهقت ضاحكة:
"مستحيل."
ابتسم:
"إذن بدأ أول خلاف زوجي."
ضحكت....
تلك الضحكة التي أعادت الحياة إلى قلبه أول مرة.
وفي آخر الليل…
فتحت بيسم دفترها الأسود، وكتبت آخر سطر:
"ظننت أن الحب طريق من ورد…
فكان طريقًا من خوف، وصبر، ودموع، ودعاء.
لكنه حين وصل… وصل نقيًا كما تمنّيت.
لا لأننا أحببنا…
بل لأن الله حفظ الحب حتى جاء أوانه."
النهاية… أم بداية حياة جديدة؟
سطور تائهة