الفصل التاسع والعشرون: الأيام الأثقل من الامتحان
انتهت الامتحانات…
لكن التعب لم ينتهِ.
بل بدأ نوع آخر من الإرهاق:
الانتظار.
ذلك الانتظار الذي لا يُرى، لكنه ينهش الأعصاب ببطء.
بعد آخر يوم من البكالوريا، خرجت بيسم من مركز الامتحان وهي تشعر كأن روحها سبقتها إلى البيت من شدة الإنهاك.
لم تكن تعرف:
هل كتبت جيدًا؟
هل خانها التوتر؟
هل كانت بعض الإجابات صحيحة؟
هل أخطأت في شيء مصيري؟
كل سؤال كان حجرًا جديدًا فوق صدرها.
وفي المساء، كتبت له:
"انتهى كل شيء… لكنني لا أشعر بالراحة."
رد بعد دقائق:
"لأن قلبك ما زال داخل القاعة."
ابتسمت رغم توترها.
"كيف تعرفني هكذا؟"
"لأنني صرت أقرأك كما أقرأ كتابًا أحب صفحاته."
أغمضت عينيها، وارتاح قلبها قليلًا.
ثم كتبت:
"اشتقت لك."
قرأ الرسالة…
وظل ينظر إليها طويلًا.
ثم كتب بصدق بسيط:
"وأنا أكثر مما ينبغي."
ومع فراغ الأيام، عاد الاشتياق يضغط عليهما بقوة.
لا قسم يجمعهما.
لا حصة فلسفة.
لا أوراق مطوية.
لا نظرات خاطفة بين الطاولات.
فقط شاشة هاتف…
وصوت يأتي أحيانًا، ثم يرحل.
وفي إحدى الليالي، بينما كانا يتحدثان، سألت بيسم فجأة:
"إذا نجحت… ودخلت الجامعة… هل ستتغير؟"
فهم ما تقصده.
هل سيبهت حبك؟
هل سأصبح ذكرى مدرسية جميلة فقط؟
فقال:
"اسمعيني جيدًا…
ما شعرت به نحوك لم يكن نزوة عابرة، ولا ميلًا هشًا.
أنتِ دخلتِ قلبي من باب لن يغلق بسهولة."
سكت قليلًا، ثم أضاف:
"لكنني أريدك أن تكبري أكثر…
أن تري العالم، أن تنضجي، أن تختاري بقلب واعٍ لا بقلب مبهور.
وإذا عدتِ إليّ بعد ذلك بنفس اليقين… فسأأتيكِ من بابك."
امتلأت عيناها بالدموع.
هذا ما كانت تحبه فيه.....
أنه يحبها… دون أن يسرق مستقبلها.
ثم جاء يوم النتائج.
يوم لا يشبه الأيام.
البيوت كلها في توتر.
الأمهات يكثرن الدعاء.
الطلاب بين خوف وأمل.
أما بيسم…
فكانت يدها ترتجف وهي تمسك هاتفها، تنتظر ظهور النتيجة.
كتبت له:
"أنا خائفة."
جاء الرد سريعًا:
"أنا معكِ."
"قلبي سيقف."
"لن يقف… لكنه سيطير فرحًا بإذن الله."
ثم....
ظهرت النتيجة.
نظرت بيسم…
ثم اتسعت عيناها.
وضعت يدها على فمها.
وانفجرت باكية.
لكن هذه المرة....
لم تكن دموع خوف.
كانت دموع انتصار.
نجحت.
وبمعدل عالٍ.
اتصلت به فورًا.
وحين فتح الخط، لم تستطع الكلام من شدة بكائها.
فقال وهو يبتسم في الطرف الآخر:
"قوليها."
ضحكت بين دموعها:
"نجحت يا عمر…"
أغمض عينيه…
وحمد الله من قلبه، كما لو أن النجاح نجاحه هو.
ثم قال بصوت امتلأ فخرًا:
"كنت أعلم.
كنت أعلم أنك ستفعلينها يا بيسم."
"أنا سعيدة… لكن أول شخص أردت إخباره… كان أنت."
ابتسم ابتسامة لا يراها أحد.
ثم قال:
"وهذا يكفيني."
لكن بيسم همست بعدها بجملة جعلت قلبه يتوقف لحظة:
"لا… ليس هذا فقط ما يكفيني.
أريد أن أراك."
وساد صمت.
لأن هذه المرة....
لم يعد بينهما صف، ولا مدرسة، ولا حجة لقاء عابر.
بل لقاء حقيقي…
خارج كل ما عرفاه.
سطور تائهة