الفصل السابع: الجواب الذي خافه
ظلّت رسالة بيسم معلّقة أمام عيني عمر طويلًا:
"هل الغيرة دائمًا دليل حب؟"
قرأها مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم وضع هاتفه جانبًا، ونهض من مكانه كأن السؤال صار ثقيلًا على صدره.
فتح نافذته.
كان الليل ساكنًا، إلا من صوت بعيد لأذان العشاء المتأخر من مسجد صغير في الحي، وصوت ريح خفيفة تمر بين الأشجار.
مرّر يده على وجهه ببطء.
سؤال بسيط…
لكنه أصابه في قلبه مباشرة.
عاد إلى الهاتف أخيرًا، وكتب من حساب ابن السبيل:
"ليست كل غيرة حبًا.
قد تكون خوفًا…
أو تعلقًا…
أو شعورًا خفيًا بأن شخصًا ما صار يعني لك أكثر مما ينبغي."
قرأت بيسم الرد، وحدّقت فيه طويلًا.
ثم كتبت:
"وإذا كان أكثر مما ينبغي… ماذا نفعل؟"
أغلق عمر الشاشة.
لم يجب.
لأنه… لم يعرف.
في اليوم التالي، دخل القسم بهدوئه المعتاد، لكن شيئًا ما في ملامحه كان أكثر صرامة من قبل.
أما بيسم، فكانت شاردة.
منذ بدأت الحديث مع ابن السبيل، صارت تشعر بشيء غريب:
ألفة.
راحة.
إحساس بأنها تُفهَم.
وكان هذا يخيفها… لأن كلماته تشبه شخصًا تعرفه.
صوته الداخلي يشبهه.
هدوءه يشبهه.
حتى طريقته في الحديث عن الصلاة والطمأنينة والحيرة… تشبهه.
تشبه عمر.
هزّت رأسها سريعًا، كأنها تطرد الفكرة.
"مستحيل."
بعد الحصة، وبينما كانت بيسم تخرج من القاعة، لحق بها ريان.
قال مبتسمًا:
"بيسم، المعرض الفني بعد يومين، وما زلتِ لم تختاري اللوحة الرئيسية. تعالي، أريك فكرة."
وافقت على مضض.
سارا معًا إلى القاعة الفنية.
وفي الممر الطويل، كان عمر قادمًا من الجهة المقابلة.
رفع عينيه… فرآهما.
ريان يتحدث بحماس، وبيسم تستمع، تبتسم ابتسامة صغيرة، وتحمل لوحتها بين ذراعيها.
توقفت خطواته للحظة.
شيء داخله انقبض.
لكن هذه المرة… لم يكن غضبًا فقط.
كان شيئًا أشد مرارة:
إحساس ثقيل بأنه خارج عالمها.
أن هناك رجالًا يشبهونها أكثر.
يضحكون كما تضحك، ويتحدثون كما تحب، ويفهمون عالم الفن الذي تعيش فيه.
أما هو…
فقط رجل يحمل قلبًا مرتبكًا وصمتًا كثيرًا.
خفض بصره ومشى دون أن ينظر ثانية.
لكن بيسم انتبهت.
ورأت شيئًا لم تره من قبل:
في عينيه…
حزنًا خاطفًا.
حزن رجل خسر شيئًا قبل أن يملكه.
في تلك الليلة، نشرت بيسم رسمًا جديدًا في حساب بنت الحبر.
كان رسمًا لرجل يقف بعيدًا تحت المطر، ظهره للناس، لكن يده فوق قلبه كأنه يمسك شيئًا يؤلمه.
وكتبت تحته:
"أحيانًا، أكثر الناس هدوءًا… هم أكثرهم ضجيجًا من الداخل."
وصلها تعليق من ابن السبيل بعد دقائق:
"وأحيانًا… يختارون الصمت، لأن الكلام قد يهدم ما يحاولون حمايته."
ارتجف قلبها.
ثم كتبت بسرعة، دون تفكير:
"من أنت؟
أشعر أنني أعرفك."
قرأ عمر الرسالة…
وشحب وجهه قليلًا.
في اللحظة نفسها، دخل إشعار جديد على هاتفه:
طلب متابعة من حساب: بنت الحبر.
ظل يحدّق فيه طويلًا.
لو قبل…
سيقترب منها أكثر.
ولو رفض…
سيخسر ذلك الجزء الوحيد من نفسه الذي صار يتكلم بحرية معها.
وأصابعه…
كانت معلّقة فوق زر قبول.
سطور تائهة