الفصل السابع عشر: حمّى… وحجّة صغيرة
في تلك الليلة، بعد جملته:
"أغار من العالم كله… لأنه يراكِ أكثر مني."
نامت بيسم وقلبها ممتلئ بدفء جميل…
لكنها استيقظت على جسد متعب، وصداع ثقيل، وحرارة ترتفع ببطء كأن نارًا صغيرة تستقر تحت جلدها.
نظرت إلى المرآة.
وجه شاحب قليلًا.
عينان مرهقتان.
همست لنفسها:
"مجرد تعب… وسيزول."
ولأنها عنيدة بطبيعتها......
ولأنها أرادت أن تراه.....
ذهبت.
في الصف، لم تكن بيسم كما يعرفها الجميع.
لا قلم يدور بين أصابعها.
لا ملاحظات على الهامش.
لا نظرات يقظة.
كانت ساكنة أكثر من اللازم.
تسند رأسها إلى يدها، وعيناها نصف مغمضتين، وشفاهها جافة قليلًا.
دخل عمر، وألقى السلام، ثم بدأ الدرس.
لكن منذ الدقيقة الأولى…
شعر أن شيئًا ليس صحيحًا.
عينه.....كعادتها.....بحثت عنها تلقائيًا.
وحين وجدها…
عقد حاجبيه.
بيسم نائمة تقريبًا فوق دفترها.
وجهها محمر على غير عادته، وأنفاسها أثقل، حتى أنها لم ترفع رأسها حين نادى على أحد الطلاب.
واصل الشرح دقيقة… ثم دقيقتين…
لكنه لم يستطع.
اقترب من طاولتها بهدوء.
قال بصوت منخفض لا يسمعه إلا القريبون:
"بيسم."
لم ترد.
كرر أهدأ:
"بيسم."
رفعت رأسها بصعوبة.
وحين وقعت عيناه على عينيها…
فهم فورًا.
تعب.
حمّى.
قال بنبرة حازمة يغلّفها قلق واضح:
"أنتِ مريضة."
هزّت رأسها نفيًا بكسل:
"لا… فقط لم أنم جيدًا."
رفع حاجبه قليلًا.
ثم.....من غير تفكير.....مد ظهر يده إلى جبينها سريعًا ليتأكد، لمسة خاطفة بريئة، لكنها كانت كافية ليشعر بحرارتها المرتفعة.
سحب يده فورًا، واستقام، وملامحه تغيّرت.
"حرارتك مرتفعة.
اجمعي أغراضك واذهبي للبيت."
همست:
"أستطيع البقاء."
رد بنبرة لا تقبل نقاشًا:
"هذه ليست مناقشة فلسفية… اذهبي وارتاحي."
ضحك بعض الطلاب بخفة.
أما بيسم…
فجمعت أغراضها ببطء، وقبل أن تخرج، رفعت نظرها إليه للحظة.
وفي عينيه قرأت شيئًا واضحًا:
قلقًا صادقًا جدًا.
ما إن أغلقت الباب خلفها…
حتى مرت دقيقة واحدة فقط.
ثم.....
رن هاتف عمر فجأة.
نظر إليه، ثم قال للصف:
"تابعوا قراءة النص… لدي اتصال مهم."
وخرج مسرعًا.
لكن الحقيقة…
أنه هو من فعّل الرنين قبل دقائق، ووضع تنبيهًا لنفسه حجةً للخروج إن احتاج.
ولم يحتجها إلا الآن.
وجد بيسم جالسة وحدها على مقعد قرب الممر الخارجي، تمسك رأسها بيدها، تنتظر أن تأتي سيارة تقلّها.
اقترب بخطوات سريعة، ثم أبطأ قبل أن يصل.
جلس على المقعد المقابل، محافظًا على مسافة محترمة.
لكن صوته خرج دافئًا، قلقًا، بلا أقنعة:
"منذ متى وأنتِ هكذا؟"
رفعت عينيها المتعبتين إليه.
ثم قالت بصوت واهن:
"منذ الصباح… لكنني أردت المجيء."
"لماذا؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة، شاحبة:
"لأن حصتك اليوم."
توقفت أنفاسه لحظة.
خفض بصره، كأنه تلقى كلمة أثقلت قلبه بحنان مؤلم.
ثم قال بنبرة أخف:
"هذا تهور."
"هذا اشتياق."
قالتها ببساطة…
بصدق مريض لا يملك طاقة للمراوغة.
رفع عينيه إليها.
وللمرة الأولى، بدا وجه عمر عاجزًا تمامًا أمامها.
أخرج من حقيبته قارورة ماء صغيرة، وناولها إياها.
"اشربي."
ثم أضاف، بصوت خفيض جدًا:
"ولا تعودي تفعلين هذا بنفسك… لأنني أقلق عليك أكثر مما ينبغي."
شربت قليلًا.
ثم قالت بنصف ابتسامة:
"أحب حين تقلق."
تنهد، وهز رأسه مستسلمًا.
"وأنا لا أحب أنكِ تعرفين تأثيرك علي."
سكتا لحظة…
نسيم خفيف يمر، وصوت بعيد لطلاب يضحكون في الساحة.
ثم مالت بيسم رأسها على الجدار خلفها، وأغمضت عينيها من شدة التعب.
وبصوت خافت جدًا قالت:
"لو نمت الآن… أيقظني حين أصلح."
ابتسم بحزن لطيف.
ثم قال:
"ارتاحي فقط… والباقي على الله."
ولأول مرة…
نامت بيسم دقائق قصيرة على ذلك المقعد، ورأسها مائل قليلًا، بينما بقي عمر جالسًا قربها، يراقب الطريق… ويطمئن أنها بخير.
لا كأستاذ فقط......
بل كرجل صار قلبه متعلقًا بها أكثر مما خطط له يومًا.
سطور تائهة