رجل بقي واقفا✨️

رجل بقي واقفا✨️

17 0

الفصل الرابع والأربعون: رجلٌ بقي واقفًا

بعد رحيل بيسم…

لم ينكسر عمر دفعةً واحدة....

بل انطفأ ببطء.

صار البيت، الذي كان يومًا ممتلئًا بصوتها، مكانًا ثقيلًا بالصمت.

في كل زاوية.....

أثر منها.

فنجان كانت تحبه.

دفتر أسود قديم ما زالت أوراقه تحمل خط يدها.

وشاح نسيته على طرف كرسي.

ضحكة محفوظة في ذاكرة الجدران.

وكان ذلك كله…

يؤلمه.

ألمًا يفوق الوصف.

مرّت عليه ليالٍ شديدة القسوة.

ليالٍ شعر فيها أن الحزن أكبر من احتماله، وأن الحياة فقدت لونها ومعناها.

جلس كثيرًا وحده يسأل:

"كيف أكمل الطريق وهي ليست فيه؟"

وكان صدره يضيق من ثقل الفقد.

لكن.....

كلما عاد إلى غرفته، ورأى أبناءه نائمين بسلام، أو سمع أحدهم يناديه:

"بابا…"

كان قلبه يعود إلى مكانه.

ويفهم شيئًا واحدًا:

ما زال هناك من يحتاجه.

لم يكن ارتباطه بالحياة بعد ذلك سهلًا…

لكنه صار واضحًا:

أبناؤه.

أمانة بيسم الأخيرة.

قطعة منها بقيت تمشي على الأرض.

ومنذ ذلك اليوم…

اتخذ قرارًا صامتًا:

أن يعيش وفي قلبه وفاء لها،

وأن يربي أبناءهما كما كانت تحلم،

وأن يجعلهم يكبرون وهم يعرفون أمهم كما عرفها هو.....

نقية، مضيئة، محبة.

لم يعد يفكر في زواج جديد.

ليس لأنه أغلق باب قلبه قسرًا.....

بل لأنه كان يرى أن حب بيسم ترك فيه أثرًا لا يشبهه شيء.

وكان يقول في نفسه:

"بعض الأرواح إذا سكنت القلب… لا تزاحمها روح أخرى، بل تبقى دعاءً وذكرى ونورًا."

تحوّل عمر إلى أبٍ وأمٍ معًا.

في صباحات سطيف…

كان يوقظ أبناءه للصلاة برفق.

يحضر لهم فطورهم.

يمشط شعر ابنته الصغيرة بيدين ثقيلتين لا تجيدان ذلك كثيرًا، فيضحك الأطفال من محاولاته.

يشرح الدروس.

يحضنهم إذا بكوا.

وفي الليل.....

يحكي لهم عن أمهم.

لا عن مرضها…

بل عن جمال روحها.

يقول:

"أمكم كانت ترى النور في الأشياء الصغيرة."

"أمكم كانت تضحك من قلبها."

"أمكم كانت قوية… وقلبها واسع."

وكانت ابنته تسأله أحيانًا:

"هل ما زلت تحب ماما؟"

فيبتسم ابتسامة هادئة، فيها وجع وفيها امتنان، ويقول:

"الحب الصادق لا يصبح ماضيًا… بل يصير جزءًا منك."

وفي إحدى الليالي…

فتح عمر دفتر بيسم الأسود.

وجد في آخر صفحة سطرًا لم يكن قد انتبه له:

"إن سبقته إلى السماء، فليعش… لا لأجلي، بل لأجل الثمار التي تركناها معًا."

أغلق الدفتر…

ووضعه على صدره طويلًا.

ثم رفع رأسه إلى السماء وقال:

"اطمئني يا بيسم…

سأبقى واقفًا.

وسأربي أبناءنا كما تمنيتِ…

حتى يكبروا، ويروا فيّ شيئًا منك."

وفي تلك الليلة.....

لم يختفِ حزنه.

لكنه صار يحمله بطريقة مختلفة:

لا كحجر يسحقه…

بل كأثر حبٍّ عظيم علّمه كيف يبقى، وكيف يرعى من يحب، وكيف يواصل الطريق رغم الفقد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

على هامش الصمت

المؤلف سطور تائهة
2026/05/06 مستمرة
قائمة الفصول (47)
الفصل 0: نبذة عن الرواية ✨️
2026/05/06
الفصل 1: الفتاة التي تضحك كثيرا✨️
2026/05/06
الفصل 02: البرود الذي يشبه الحريق ✨️
2026/05/07
الفصل 03: حين خانه لسانه✨️
2026/05/07
الفصل 04: ملا يقال✨️
2026/05/07
الفصل 05: الهمس الذي صار إسما✨️
2026/05/07
الفصل 06: إسم مستعار ✨️
2026/05/07
الفصل 07: الجواب الذي خافه✨️
2026/05/07
الفصل 08: مابين قبول و خوف✨️
2026/05/07
الفصل 09: حين صار الشك مرآة✨️
2026/05/07
الفصل 10: حين سقط الإسم المستعار✨️
2026/05/07
الفصل 11: الطفلة المختبئة و الرجل الذي يغار من الشاشة✨️
2026/05/07
الفصل 12: الأبيض الملكي و الفيلسوف الكتالوني✨️
2026/05/07
الفصل 13: حديث بين جدارين و حديث بين قلبين ✨️
2026/05/07
الفصل 14: ليل طال حتى الفجر ✨️
2026/05/07
الفصل 15: صباح بطعم السهر ✨️
2026/05/07
الفصل 16: السؤال الذي فضحه✨️
2026/05/07
الفصل 17: حمى و حجّة صغيرة✨️
2026/05/07
الفصل 18: رسالة صوتية عند الظهيرة✨️
2026/05/07
الفصل 19: شيء يشبه الغياب✨️
2026/05/07
الفصل 20: وجهان جديدان✨️
2026/05/07
الفصل 21: حين خرج ماكان مخفيا✨️
2026/05/07
الفصل 22: صباح بوجه آخر✨️
2026/05/07
الفصل 23: سؤال خرج من قلبه✨️
2026/05/07
الفصل 24: حين خرج الوقار من صمته✨️
2026/05/07
الفصل 25: رحلة و مسافة تضيق ✨️
2026/05/07
الفصل 26: تحت قوس قديم✨️
2026/05/07
الفصل 27: أواخر الأشياء و أوائلها✨️
2026/05/07
الفصل 28: الأيام التي تركض✨️
2026/05/07
الفصل 29: الأيام الأثقل من الإمتحان✨️
2026/05/07
الفصل 30: نجاح ولقاء أول ✨️
2026/05/07
الفصل 31: مصادفة تشبه النداء✨️
2026/05/07
الفصل 32: يوم السفر و الطلب الذي أربك قلبها✨️
2026/05/07
الفصل 33: وجه لم يره و قلب ازداد يقين✨️
2026/05/07
الفصل 34: الظل الذي سبق النور✨️
2026/05/07
الفصل 35: حين دخل الخوف بين قلبين✨️
2026/05/07
الفصل 37: الرسالة التي كسرت ماتبقى
2026/05/07
الفصل 36: بيت خرجت منه الحياة✨️
2026/05/07
الفصل 38: الدعوة التي أطفأت الضوء✨️
2026/05/07
الفصل 39: هل هي النهاية أم الباب الذي فتح أخيرا✨️
2026/05/07
الفصل 40: مابعد كلمة ''نعم''
2026/05/07
الفصل 41: أسبوع لكنه ثقيل✨️
2026/05/07
الفصل 42: سر بيسم و الليل الذي كشف كل شيء✨️
2026/05/07
الفصل 43: الرسالة الأخيرة إلى الكتالوني ابن السبيل✨️
2026/05/07
الفصل 44: رجل بقي واقفا✨️
2026/05/07
الفصل 45: الغفوة الأخيرة قرب من أحب✨️
2026/05/07
الفصل 46: الرسالة الأخير للفيلسوف الوقور✨️
2026/05/07

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة