الفصل الرابع والأربعون: رجلٌ بقي واقفًا
بعد رحيل بيسم…
لم ينكسر عمر دفعةً واحدة....
بل انطفأ ببطء.
صار البيت، الذي كان يومًا ممتلئًا بصوتها، مكانًا ثقيلًا بالصمت.
في كل زاوية.....
أثر منها.
فنجان كانت تحبه.
دفتر أسود قديم ما زالت أوراقه تحمل خط يدها.
وشاح نسيته على طرف كرسي.
ضحكة محفوظة في ذاكرة الجدران.
وكان ذلك كله…
يؤلمه.
ألمًا يفوق الوصف.
مرّت عليه ليالٍ شديدة القسوة.
ليالٍ شعر فيها أن الحزن أكبر من احتماله، وأن الحياة فقدت لونها ومعناها.
جلس كثيرًا وحده يسأل:
"كيف أكمل الطريق وهي ليست فيه؟"
وكان صدره يضيق من ثقل الفقد.
لكن.....
كلما عاد إلى غرفته، ورأى أبناءه نائمين بسلام، أو سمع أحدهم يناديه:
"بابا…"
كان قلبه يعود إلى مكانه.
ويفهم شيئًا واحدًا:
ما زال هناك من يحتاجه.
لم يكن ارتباطه بالحياة بعد ذلك سهلًا…
لكنه صار واضحًا:
أبناؤه.
أمانة بيسم الأخيرة.
قطعة منها بقيت تمشي على الأرض.
ومنذ ذلك اليوم…
اتخذ قرارًا صامتًا:
أن يعيش وفي قلبه وفاء لها،
وأن يربي أبناءهما كما كانت تحلم،
وأن يجعلهم يكبرون وهم يعرفون أمهم كما عرفها هو.....
نقية، مضيئة، محبة.
لم يعد يفكر في زواج جديد.
ليس لأنه أغلق باب قلبه قسرًا.....
بل لأنه كان يرى أن حب بيسم ترك فيه أثرًا لا يشبهه شيء.
وكان يقول في نفسه:
"بعض الأرواح إذا سكنت القلب… لا تزاحمها روح أخرى، بل تبقى دعاءً وذكرى ونورًا."
تحوّل عمر إلى أبٍ وأمٍ معًا.
في صباحات سطيف…
كان يوقظ أبناءه للصلاة برفق.
يحضر لهم فطورهم.
يمشط شعر ابنته الصغيرة بيدين ثقيلتين لا تجيدان ذلك كثيرًا، فيضحك الأطفال من محاولاته.
يشرح الدروس.
يحضنهم إذا بكوا.
وفي الليل.....
يحكي لهم عن أمهم.
لا عن مرضها…
بل عن جمال روحها.
يقول:
"أمكم كانت ترى النور في الأشياء الصغيرة."
"أمكم كانت تضحك من قلبها."
"أمكم كانت قوية… وقلبها واسع."
وكانت ابنته تسأله أحيانًا:
"هل ما زلت تحب ماما؟"
فيبتسم ابتسامة هادئة، فيها وجع وفيها امتنان، ويقول:
"الحب الصادق لا يصبح ماضيًا… بل يصير جزءًا منك."
وفي إحدى الليالي…
فتح عمر دفتر بيسم الأسود.
وجد في آخر صفحة سطرًا لم يكن قد انتبه له:
"إن سبقته إلى السماء، فليعش… لا لأجلي، بل لأجل الثمار التي تركناها معًا."
أغلق الدفتر…
ووضعه على صدره طويلًا.
ثم رفع رأسه إلى السماء وقال:
"اطمئني يا بيسم…
سأبقى واقفًا.
وسأربي أبناءنا كما تمنيتِ…
حتى يكبروا، ويروا فيّ شيئًا منك."
وفي تلك الليلة.....
لم يختفِ حزنه.
لكنه صار يحمله بطريقة مختلفة:
لا كحجر يسحقه…
بل كأثر حبٍّ عظيم علّمه كيف يبقى، وكيف يرعى من يحب، وكيف يواصل الطريق رغم الفقد.
سطور تائهة