الفصل الرابع: ما لا يُقال
للحظة قصيرة…
وقف عمر عبوري مكانه، يحدّق في بَيْسَمْ كمن يرى أثر جرح أحدثه بيده دون قصد.
كانت منكفئة على نفسها فوق المقعد الحجري في الساحة الخلفية لـ ثانوية الأمير عبد القادر، كتفاها يرتجفان، وأنفاسها متقطعة على نحو موجع، وأصابعها تضغط على طرف سترتها كأنها تتشبث بشيء يمنعها من السقوط.
اقترب بسرعة، ثم أبطأ قبل أن يصل إليها.
ليس ترددًا…
بل انتباهًا لحدوده ومسؤوليته؛ أراد أن يطمئن عليها من غير أن يربكها أكثر.
جثا قليلًا أمام المقعد، محافظًا على مسافة مناسبة، وصوته ...... لأول مرة ...... خرج فاقدًا لذلك البرود المعتاد:
"بَيْسَمْ… انظري إليّ."
لم ترفع رأسها.
دمعة سقطت على يدها المرتجفة.
قال بصوت أخفض، يحمل قلقًا صادقًا:
"اسمعيني.
خذي نفسًا ببطء… معي.
شهيق… ثم زفير… بهدوء."
حاولت.
فشلت.
ثم حاولت مرة أخرى.
كان صوته ثابتًا، هادئًا، كأنه يمسك اضطرابها بكلماته.
شيئًا فشيئًا…
بدأ صدرها يهدأ.
بدأت أنفاسها تنتظم.
لكن دموعها لم تتوقف.
رفعت رأسها أخيرًا.
كانت عيناها حمراوين، وفيهما انكسار صغير لم يره فيها من قبل.
قالت بصوت مختنق:
"أنا… لم أفعل شيئًا."
عقد عمر حاجبيه.
تابعت بسرعة، كأنها تدافع عن نفسها أمام محكمة:
"ذلك الشاب… ابن خالتي.
كنت فقط أمشي معه.
لماذا يتحدث الناس وكأنني…"
خانها صوتها.
أشاحت وجهها.
"ولماذا… لماذا قلت ذلك أمام الجميع؟"
هنا
شعر عمر أن الكلمات كلها صارت ثقيلة.
لأول مرة، لم يجد فلسفة يختبئ وراءها.
قال بصراحة نادرة:
"لأنني أخطأت."
التفتت إليه ببطء.
وتابع:
"ما قلته لم يكن عدلًا.
وكان يجب أن أكون أهدأ… وأحكم."
صمت لحظة.
ثم قال جملة خرجت منه بلا تخطيط:
"أنا لا أحب أن يُظلم اسمك."
تجمّد الهواء بينهما.
هو نفسه أدرك ما قال… متأخرًا.
تصلبت ملامحه قليلًا.
فصحح سريعًا:
"أقصد… لا أحب الظلم لأي طالب عندي."
لكن التصحيح جاء ضعيفًا.
لأن نبرة الجملة الأولى… كانت أصدق من أن تُخفى.
حدقت فيه بَيْسَمْ طويلًا.
ثم، رغم دموعها، خرجت منها ضحكة صغيرة متعبة:
"أنت سيء جدًا في الكذب، أستاذ عمر."
رفع عينيه إليها.
وللمرة الأولى منذ عرفها…
ابتسم.
ابتسامة قصيرة جدًا.
خافتة جدًا.
لكنها كانت حقيقية.
ورأتها.
فرأت معها شيئًا آخر
ذلك الرجل الذي ظنّته جدارًا باردًا…
كان في داخله دفء هائل يخشاه أكثر مما يخشاه أي شيء.
من بعيد، عند نافذة الطابق الأول، كان بعض الطلاب يراقبون المشهد بدهشة:
الأستاذ عمر عبوري، الرجل الذي لا يخرج عن هدوئه، ترك حصته في منتصف الدرس، وركض عبر المدرسة… فقط لأنه سمع أن بَيْسَمْ ليست بخير.
ومنذ تلك اللحظة…
بدأت همسات جديدة تدور في الممرات.
همسات أخطر من الإشاعة الأولى.
أما عمر…
فكان يعلم أن ما يخشاه حقًا لم يعد همس الناس
بل قلبه.
سطور تائهة