الفصل الرابع والثلاثون: الظلّ الذي سبق النور
في إسطنبول…
بعد أيام الصفاء، بدأت بيسم تلاحظ شيئًا غريبًا في عمر.
لم يكن تغيّرًا واضحًا…
بل شقوقًا صغيرة في هدوئه المعتاد.
أحيانًا، وهو يضحك معها،
ينطفئ فجأة، كأن فكرة سوداء مرّت في ذهنه.
أحيانًا، حين يرن هاتفه،
ينظر إلى الشاشة… ثم يرفض المكالمة، وملامحه تصبح حجرًا.
وأحيانًا.....
في الليل، تختفي رسائله ساعات طويلة، ثم يعود بكلمة مقتضبة:
"كنت مشغولًا، سامحيني."
لكن شيئًا في صوته…
لم يكن انشغالًا.
كان خوفًا.
وفي مساء ممطر…
كانا في مكتبة قديمة قرب البوسفور، يتصفحان كتبًا مترجمة.
بينما كانت بيسم غارقة في رف الروايات…
سقط شيء من جيب معطف عمر.
بطاقة قديمة.
انحنت تلتقطها…
ثم تجمّدت.
الصورة لِـ عمر، نعم.....
لكن ليس عمر الذي تعرفه.
وجه أصغر سنًا، أكثر حدّة، عينان قاسيتان، وندبة خفيفة قرب حاجبه لم تكن تراها الآن إلا إذا دققت.
وتحت الصورة…
اسم لم تعرفه:
عمر بن عبوري
قسم التحقيقات الخاصة
رفعت عينيها ببطء.
"عمر… ما هذا؟"
تجمّد مكانه.
ورأت لأول مرة.....
الخوف الحقيقي في عينيه.
ليس خوف رجل انكشف سره…
بل خوف رجل يخشى أن تفقده المرأة الوحيدة التي أحبها.
أخذ البطاقة ببطء.
وجلس.
مرهقًا فجأة، كأن سنوات هبطت فوق كتفيه.
ثم قال بصوت منخفض:
"كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي…
وكنت أدعو الله ألا تعرفي بهذه الطريقة."
جلست أمامه.
قلبها يخفق، لكن عينيها بقيتا ثابتتين.
"اعرف ماذا؟"
رفع رأسه إليها…
وكان في نظرته حزن قديم جدًا.
"أنا لم أكن دائمًا الرجل الذي تعرفينه."
سكت قليلًا.
ثم قال:
"قبل التعليم…
قبل الفلسفة…
قبل أن أعود إلى ديني كما أنا اليوم…
كنت أعمل في قسم تحقيقات خاص، أتعقب شبكات خطيرة: فساد، تهريب، وجرائم منظمة."
اتسعت عيناها.
لكنها بقيت صامتة.
فأكمل:
"رأيت من ظلمة البشر ما جعل قلبي قاسيًا.
كذبت كثيرًا في عملي، خدعت مجرمين لأوقع بهم، دخلت عوالم سوداء… حتى بدأت تلك العوالم تدخل إليّ."
خفض رأسه.
"ثم… مات شخص بريء بسبب ملف كنت أعمل عليه."
ارتجف صوته.
"ومن يومها، انهار شيء في داخلي."
سقط صمت ثقيل بينهما.
صوت المطر وحده كان حاضرًا.
ثم قال:
"تركت كل شيء.
تبت.
عدت إلى القرآن.
إلى الصلاة.
إلى العلم.
وحاولت أن أبني نفسي من جديد."
رفع عينيه إليها، وفيهما خوف طفل هذه المرة:
"ثم دخلتِ أنتِ حياتي…
لأول مرة شعرت أن الله ربما لم يغلق باب الرحمة في وجهي."
كانت بيسم ساكنة.
لا من صدمة.....
بل لأنها رأت فجأة شيئًا لم تره من قبل:
كل ذلك الوقار…
بُني فوق حطام رجل قديم.
كل ذلك النور…
خرج من ظلام سبقَه.
قالت بهدوء:
"هذا هو ماضيك الأسود؟"
نظر إليها بصمت.
فقالت:
"كنت أخشى أن يكون شيئًا يجعلني أخاف منك…
لكن ما سمعته جعلني أحترمك أكثر."
اتسعت عيناه.
أكملت:
"أتعرف ما أراه؟
رجلًا سقط… ثم نهض لله.
وهذا عندي أشرف من رجل لم يُختبر أصلًا."
شعر بشيء ينكسر في صدره.....
شيء كان ثقيلًا منذ سنوات.
لكن…
قبل أن يرد.....
رنّ هاتفه.
هذه المرة نظر إلى الشاشة…
وشحب وجهه.
اسم واحد ظهر:
سليم.
همست بيسم:
"من هذا؟"
رفع نظره إليها…
وفي عينيه عاد ذلك الظل القديم.
ثم قال جملة جعلت الهواء يبرد:
"شبح من الماضي…
كنت أظنه مات."
سطور تائهة