الفصل الخامس: الهمس الذي صار اسمًا
بعد حادثة الساحة، لم تعد ثانوية الأمير عبد القادر كما كانت.
لم يتغير شيء ظاهرًا:
الجدران القديمة نفسها،
صوت الجرس نفسه،
ضحكات الطلاب نفسها.
لكن تحت هذا كله…
كان هناك شيء جديد يتحرك بين الممرات: الهمس.
همسات تبدأ باسم بَيْسَمْ لطرش…
وتنتهي باسم عمر عبوري.
"رأيته يجري نحوها…"
"ترك الحصة كاملة."
"حتى وجهه كان خائفًا."
"أقسم أنني لم أرَه ينظر إلى أحد كما ينظر إليها."
وكانت بَيْسَمْ تسمع.
كل كلمة تصلها كانت تجعل قلبها ينكمش، ليس لأنها كرهت الفكرة…
بل لأنها لم تكرهها كما ينبغي.
وهذا أخافها.
صارت تتجنبه.
في القسم، لا ترفع يدها كثيرًا.
في الممر، إذا لمحته من بعيد، غيرت طريقها.
في النادي الأدبي، صارت تمكث أقل.
حتى ضحكتها…
خفتت قليلًا.
ولاحظ عمر ذلك.
بل شعر به كأن أحدًا انتزع من المدرسة لونًا لم يكن يعلم أنه اعتاده.
صار يفتقد صوتها في الممرات.
يفتقد أسئلتها الغريبة في القسم.
حتى دفتر الرسم الذي كانت تحمله كظلٍّ لها، لم يعد يراه كثيرًا.
لكنه لم يقترب.
كان يراقب المسافة تكبر بينهما، ويقنع نفسه أن هذا أفضل.
أصح.
أهدأ.
فلماذا كان يشعر وكأنه يخسر شيئًا لا يملك حقًا فيه أصلًا؟
وفي مساء خريفي بارد، قررت إدارة الثانوية إقامة أمسية ثقافية في قاعة النشاطات القديمة: شعر، موسيقى، ولوحات فنية من أعمال الطلاب.
كانت بَيْسَمْ من المشاركين الرئيسيين.
لوحة، ونص أدبي، ومقطوعة بيانو.
حضر عمر فقط لأنه طُلب منه الإشراف.
جلس في الصف الخلفي، بعيدًا عن الأنظار.
دخلت بَيْسَمْ إلى المسرح بثوب بسيط بلون الليل، وشعرها مربوط على هيئة فوضى جميلة، تحمل في يدها أوراقًا مطوية.
وقفت أمام الميكروفون.
كانت صامتة لثوانٍ.
ثم بدأت تقرأ نصًا من كتابتها:
"قالوا لي: لا تقتربي من الأبواب المغلقة.
لكنني خُلقت وفي يدي مفتاح الفضول.
ثم رأيت بابًا لم يكن مغلقًا… بل كان خائفًا أن يُفتح.
بابًا يشبه رجلاً…
هادئًا كصلاة الفجر،
غامضًا كدعاء لم يُكشف،
وجميلاً بطريقة لا يراها إلا من أطال النظر…"
توقفت.
رفعت عينيها.
ونظرت ..... وسط مئات الوجوه .... مباشرة نحو آخر القاعة.
إليه.
ثم أكملت بصوت أكثر خفوتًا:
"وأخاف… أنني أطلت النظر."
تجمّد عمر في مكانه.
شعر أن الكلمات نُزعت من صدره ووُضعت على لسانها.
ثم جلست أمام البيانو.
وضعت أصابعها على المفاتيح.
وعزفت.
لحنًا حزينًا، عذبًا، مفعمًا بشيء يشبه الحنين إلى شيء لم يحدث بعد.
شيء في صدر عمر انكسر بهدوء.
ولأول مرة منذ سنوات…
خرج قبل أن ينتهي الحفل.
هرب.
لا منها…
بل من نفسه.
لكن حين وصل إلى البيت، وجد شيئًا عند باب شقته.
ورقة مطوية.
بداخلها رسم.
كان رسمًا له… من الخلف، واقفًا وحده في مسجد فارغ، والضوء ينسكب عليه من نافذة عالية.
وفي الأسفل كتبت:
"من يختبئ في نور الله… لماذا يبدو حزينًا حين يبتسم؟"
لم يكن عليها اسم.
لكنّه عرف.
أغمض عينيه طويلًا.
ثم همس بصوت خافت، متعب:
"يا بَيْسَمْ… ماذا فعلتِ بقلبي؟"
سطور تائهة