الفصل الثامن عشر: رسالة صوتية عند الظهيرة
بقي عمر قرب بيسم حتى جاءت السيارة التي أقلّتها إلى البيت.
لم يقترب أكثر مما ينبغي،
ولم يطل النظر أكثر مما يجب،
لكنه وقف هناك حتى اطمأن أنها جلست بأمان، وأغلقت الباب، وتحركت السيارة.
وقبل أن تنطلق تمامًا…
رفعت بيسم يدها قليلًا من خلف الزجاج ولوّحت له بإرهاق طفولي.
ولوّح لها بخفة.....حركة صغيرة جدًا.... ثم عاد أدراجه.
لكن شيئًا منه…
غادر معها.
طوال اليوم، كان ذهنه شاردًا.
في القسم، أخطأ مرة في شرح فكرة يعرفها عن ظهر قلب.
وفي المكتب، فتح كتابًا ولم يقرأ منه سطرًا واحدًا.
حتى قهوته بردت كما هي.
كل ما كان يفكر فيه:
"هل انخفضت حرارتها؟"
"هل أكلت شيئًا؟"
"هل نامت؟"
"هل ما زالت متعبة؟"
وحين عاد إلى بيته، حاول أن يتمهل، ألا يبدو قلقه ظاهرًا.
صبر ساعة.
ثم ساعة أخرى.
وفي النهاية…
كتب لها:
"كيف حالك؟"
لا رد.
مرّت عشر دقائق.
ثم عشر أخرى.
شعر بانقباض خفيف.
حتى ظهر إشعار:
رسالة صوتية من بيسم ...... 0:12
فتحها فورًا.
جاءه صوتها متعبًا، ناعمًا، مبحوحًا قليلًا من الحمى، لكنه يحمل ذلك الشغب الذي يعرفه:
"أنا حية… فقط أبدو كبطاطا مسلوقة."
تجمد لحظة…
ثم ضحك.
ضحك بصوت عالٍ حتى أراح شيئًا ثقيلًا في صدره.
ثم أعاد الرسالة.
ثم أعادها مرة ثالثة…
فقط ليسمع صوتها.
ردّ عليها كتابة:
"هل البطاطا المسلوقة أخذت دواءها؟"
وصله الرد سريعًا:
"أخذته."
"وأكلتِ؟"
"قليلًا."
"وقستِ الحرارة؟"
"يا إلهي… أنت تحولت إلى أمي."
ابتسم.
ثم كتب:
"بل أنا رجل قلق."
قرأت الجملة…
وشعرت بدفء ينساب في صدرها رغم الحمى.
كتبت:
"سأخبرك بسر؟"
"تفضلي."
"حين وضعت يدك على جبيني صباحًا… نسيت للحظة أنني مريضة."
توقفت أنفاسه.
قرأ الرسالة ببطء.
ثم كتب:
"بيسم…"
"مم؟"
"لا تقولي أشياء تجعلني أشتاق لرؤيتك أكثر."
أغمضت عينيها مبتسمة.
ثم سجّلت رسالة صوتية ثانية.
هذه المرة أطول قليلًا.
صوتها خافت، صادق، نصف نائم:
"أتعرف ما الغريب؟
في طفولتي، حين أمرض، كنت أتمنى فقط أن يبقى أحد بقربي حتى أنام… لا ليفعل شيئًا، فقط ليبقى.
اليوم، حين جلست قرب المقعد الخارجي… شعرت بشيء يشبه ذلك الأمان.
لذلك… شكرًا."
ظل عمر ساكنًا بعد انتهاء الرسالة.
قلبه امتلأ بشيء عميق، مؤلم في جماله.
ثم....لأول مرة....فعل شيئًا لم يفعله معها من قبل.
أرسل رسالة صوتية.
صوته خرج منخفضًا، هادئًا، دافئًا بطريقة لم تسمعها منه من قبل:
"لا شكر بيننا على شيء كهذا.
وأريدك أن تسمعي مني بوضوح…
حين تتعبين، أنا أقلق.
حين تغيبين، ينقص شيء من يومي.
وحين رأيتك مريضة صباحًا… تمنيت لو استطعت أن آخذ عنك التعب نفسه.
فارتاحي الآن… هذا أمر."
استمعت بيسم للرسالة…
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم وضعت الهاتف على قلبها.
وهمست للغرفة الفارغة:
"صوته أجمل مما تخيلت…"
ثم نامت…
وللمرة الأولى منذ بدأت الحمى.....
نامت مطمئنة.
سطور تائهة