الفصل الخامس والثلاثون: حين دخل الخوف بين قلبين
بعد اسمٍ واحد.....
سليم.....
لم تعد بيسم كما كانت قبل دقائق.
لم يكن السبب أنها خافت من عمر…
بل لأنها أدركت فجأة أنها لا تعرف كل شيء عنه.
الرجل الذي رأته مصحفًا وهدوءًا وصلاةً وصوتًا دافئًا عند الفجر…
كان يحمل خلفه أبوابًا مغلقة، ومفاتيح صدئة، وظلالًا لم ترها.
ولأول مرة.....
دخل قلبها خوف جديد:
"ماذا لو عاد ذلك الماضي؟"
"ماذا لو كان هذا الخطر حقيقيًا؟"
"ماذا لو كنت نقطة ضعف تُستعمل ضده؟"
"وماذا لو… أحببت رجلًا لا يزال يطارده شيء مظلم؟"
في الأيام التالية…
ابتعدت قليلًا.
ليس ابتعاد كره.....
بل ابتعاد ارتباك.
ردودها صارت أقصر:
"الحمد لله."
"أنا بخير."
"مشغولة اليوم."
لا رسائل طويلة.
لا مزاح عن الكرة.
لا "اشتقت لك".
لا تسجيلات صوتية تملؤها الضحكات.
وكان عمر يشعر بكل حرف ناقص.
بل بكل دفءٍ ناقص.
وفي أحد الأيام، كان ينتظرها في المكتبة الصغيرة التي اعتادا اللقاء فيها.
مرت ساعة.
ثم ساعتان.
لم تأتِ.
وصلته رسالة منها:
"آسفة… لا أظنني أستطيع اللقاء اليوم."
قرأها مرات.
ثم كتب:
"هل أخطأت في حقك؟"
طالت المدة…
ثم جاء ردها:
"لا.
لكنني خائفة يا عمر."
شعر كأن شيئًا حادًا غاص في صدره.
كتب فورًا:
"مني؟"
"لا… منك قليلًا… ومن كل ما لا أعرفه أكثر."
أغمض عينيه.
لأنه فهم.
الحقيقة التي أخفاها طويلًا.....
وصل ثمنها الآن.
وفي الليل…
طلب منها لقاءً أخيرًا للحديث.
وافقت، بعد تردد.
التقيا في حديقة هادئة مطلة على البوسفور.
جلست بيسم على الطرف البعيد من المقعد.
حتى المسافة بينهما…
كانت تتكلم.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بصوت منخفض:
"أهذا ما أصبحنا عليه؟
مقعد واحد… ومسافة باردة؟"
خفضت بصرها.
"أنا أحاول أن أفهم."
"وماذا فهمتِ؟"
رفعت عينيها، وفيهما دموع محتبسة:
"فهمت أن الرجل الذي أحببته يحمل حربًا في صدره… وأنا لا أعرف حجمها."
ساد الصمت.
ثم همست:
"أخاف أن أستيقظ يومًا… فأجدك اختفيت."
خفض رأسه.
لأن هذا......
كان احتمالًا يعرفه.
قال بهدوء مؤلم:
"ولهذا السبب بالذات… لم أرد أن تدخلي قلبي."
انكسرت نظرتها.
"لكنني دخلته."
رفع عينيه إليها، وكان فيهما ألم رجل يحارب نفسه:
"وأصبحتِ أغلى ما فيه."
سقطت دمعة من عينها.
"إذن لماذا أشعر أنك بعيد؟"
قال الحقيقة:
"لأنني أخاف أن يؤذيك قربي."
سكتت طويلًا…
ثم قالت الجملة التي جعلت قلبه يهبط:
"أظن… أننا نحتاج أن نبتعد قليلًا."
لم يتحرك.
لكن شيئًا داخله تهشّم بصمت.
"قليلًا؟"
"حتى أفهم قلبي… وحتى تواجه أنت ماضيك."
ابتسم ابتسامة حزينة جدًا.
"أتعلمين؟
كنت مستعدًا لمواجهة العالم كله…
إلا فكرة أن أعود لغرفة لا تنتظرني فيها رسالتك."
فاضت عيناها.
وقفت بسرعة…
لأنها لو بقيت، لعادت إليه.
ثم قالت وهي تبكي:
"أنا لا أتركك… أنا فقط أهرب من خوفي."
ومشت.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم اختفت في زحام المدينة.
أما عمر…
فبقي وحده على المقعد، تحت ليل إسطنبول، ينظر إلى الماء المظلم.
ولأول مرة منذ عرفته بيسم.....
بكى.
بصمت رجل لا يبكي عادة…
لكن قلبه، هذه المرة، انكسر فعلًا.
سطور تائهة