الفصل السادس والثلاثون: بيتٌ خرجت منه الحياة
في صباحٍ رماديّ من صباحات إسطنبول…
حملت بيسم حقيبتها.
لم تكن كبيرة…
لكنها كانت ثقيلة بما يكفي لتحمل قلبًا مرتبكًا.
العائلة الجزائرية التي كانت تستضيفها حاولت أن تثنيها:
"يا ابنتي، إلى أين وحدك؟ هنا أنت بين أهلك."
لكنها ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
"أحتاج فقط إلى بعض المسافة… حتى أرتب نفسي."
لم تقل الحقيقة كاملة:
إنها تهرب من رجل تحبه حدّ الخوف.
في الطابق العلوي…
كان عمر واقفًا خلف باب غرفته.
يسمع حركة الحقيبة تُسحب على الأرض.
يسمع خطواتها.
يسمع صوت الباب الخارجي يُفتح…
ثم يُغلق.
ثم....
صمت.
ذلك الصمت الذي يتركه شخص حين يأخذ معه شيئًا لا يُرى.
جلس على طرف سريره طويلًا.
عيناه على الباب.
كأن عقله ما زال ينتظر أن تطرق وتقول بخجلها المعتاد:
"نسيت شيئًا."
أو:
"لا أستطيع الرحيل."
لكن لا شيء حدث.
فقط الفراغ.
ومنذ ذلك اليوم…
بدأ عمر يذبل ببطء.
ليس ذبول جسد…
بل ذبول روح.
عاد الرجل الصامت…
لكن هذه المرة، لم يكن صمت وقار.
كان صمت انطفاء.
لم يعد يخرج كثيرًا.
لم يعد يقرأ كما كان.
حتى مصحفه، الذي كان يفتحه كل فجر، صار يبقى مغلقًا ساعات قبل أن يفتحه بيد ثقيلة ويهمس:
"اللهم اربط على قلبي."
كان يأكل قليلًا.
وينام أقل.
والليل....
صار عدوّه الأكبر.
لأن الليل كان وقت بيسم.
وقت الرسائل الطويلة.
وقت المزاح حول برشلونة وريال مدريد.
وقت صوتها حين تضحك بلا حذر.
والآن…
الليل فارغ.
بارد.
موحش.
كتب لها أول رسالة:
"هل وصلتِ بخير؟"
لا رد.
بعد ساعات:
"فقط طمئنيني عليك."
لا رد.
في منتصف الليل:
"أنا لا أطلب منك العودة… فقط قولي إنك بخير."
لا رد.
ثم اتصل.
رن الهاتف…
ثم انقطع.
اتصل مرة أخرى…
رفضت المكالمة.
وفي الثالثة…
أغلقته.
نظر إلى الشاشة طويلًا.
ثم وضع الهاتف جانبًا.
وشعر لأول مرة أن العالم أضيق من صدره.
أما بيسم…
فكانت تقرأ كل رسالة.
كل كلمة.
كل رجاء مكتوم.
وتبكي بصمت.
لكنها لم ترد.
لأنها كانت تعرف.....
لو ردّت…
لعادت.
ولو عادت…
لعاد خوفها.
وكان قلبها يعيش حربًا لا يراها أحد.
مرّت أيام.
ثم أسبوع.
ثم أكثر.
وفي إحدى الليالي…
كان عمر جالسًا وحده قرب نافذة غرفته.
لحيته طالت قليلًا.
عيناه غائرتان من السهر.
وجهه صار شاحبًا.
حتى ضحكته الجميلة التي عرفتها بيسم…
اختفت كأنها لم تكن.
رنّ هاتفه فجأة.
قفز قلبه.
فتحه بسرعة.
لكن الاسم لم يكن بيسم.
كان:
سليم.
هذه المرة، أجاب.
جاءه صوت رجل بارد:
"أخيرًا ردّ الفيلسوف."
قال عمر بصوت خشن:
"ماذا تريد؟"
ضحك الآخر:
"أريد فقط أن أخبرك… أن الماضي لا يرحل، يا عمر."
قبض على الهاتف بقوة.
"اقتربتَ مني… فاصنع ما شئت.
لكن إن اقتربتَ منها....."
قاطعه صوت سليم:
"إذن هي حقيقية؟
كنت أشك فقط… والآن تأكدت."
…
تجمّد عمر.
أدرك أنه أخطأ.
ذكرها بصوته.
خوفه فضحها.
ثم قال سليم بهدوء مخيف:
"الآن… أصبحت مهتمًا بمعرفة من هي بيسم."
انقطع الاتصال.
وقف عمر فجأة.
ولأول مرة فهم شيئًا مرعبًا:
ابتعاد بيسم لم يكن نهاية الألم… بل ربما كان بداية الخطر.
رفع هاتفه بيد مرتجفة…
وكتب لها رسالة واحدة فقط:
"بيسم، أرجوكِ ردي.
هذه المرة الأمر ليس عني… بل عنكِ."
وفي الطرف الآخر…
كانت بيسم تحدق في الرسالة…
وقلبها يسقط ببطء.
لأنها شعرت....
أن الظلام الذي خافت منه…
وجد بابه إليها أخيرًا.
سطور تائهة