الفصل السادس: اسمٌ مستعار
بعد الأمسية، صار الصمت بين عمر وبيسم أكثر ضجيجًا من الكلام.
في القسم، كان يشرح كعادته، بصوته الهادئ العميق، لكن عينيه ..... على الرغم منه ..... كانتا تبحثان عنها سريعًا ثم تهربان.
وكانت بيسم، لأول مرة، لا تتعمد إثارة الأسئلة، ولا ترسم على هامش دفترها كثيرًا، بل تكتفي بالنظر من النافذة طويلًا، كأنها تنتظر شيئًا لا تعرف اسمه.
أما في الداخل…
فكان كل واحد منهما يكتب ما لا يستطيع قوله.
كانت بيسم تملك حسابًا أدبيًا صغيرًا على أحد مواقع التواصل، باسم مستعار:
"بنتُ الحبر"
تنشر فيه خواطرها ورسوماتها ومقاطع قصيرة تعزفها على البيانو.
لم تكن مشهورة، لكنها كانت صادقة…
والصدق دائمًا يجد من يصغي إليه.
وفي ليلة مطيرة، نشرت كلمات كتبتها بعد منتصف الليل:
"أخشى الرجال الذين يشبهون الصمت؛
لأنني كلما اقتربت من صمتهم…
سمعت داخلي يصرخ."
بعد دقائق، وصلها تعليق من حساب مجهول اسمه:
"ابن السبيل"
كتب:
"ليس كل صمت فراغًا،
بعض الصمت امتلاءٌ يخشى أن يفيض."
قرأت بيسم العبارة مرتين.
ثم ثلاثًا.
شيء فيها لمس قلبها بطريقة غريبة.
ردّت:
"وكيف نعرف إن كان الامتلاء نورًا… أم حزنًا؟"
جاءها الرد بعد لحظات:
"من أثره علينا.
النور يطمئن، والحزن يرهق…
وأحيانًا يجتمعان في قلب واحد."
ابتسمت دون أن تشعر.
لأول مرة منذ أيام… ابتسمت بصدق.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان عمر يغلق هاتفه ببطء.
لم يكن يعرف لماذا علّق أصلًا.
هو، الذي لا يحب الاختلاط الافتراضي، ولا يقضي وقتًا طويلًا على هذه المنصات، وجد نفسه يتابع كلمات مجهولة كتبتها فتاة باسم "بنت الحبر".
شيء في كتابتها أربكه.
كانت تكتب كأنها تعرفه.
أو تعرف شيئًا يشبهه.
ولم يكن يعلم…
أنه يحاور بيسم نفسها.
الأيام التالية، صار بين "ابن السبيل" و"بنت الحبر" حديث صغير كل ليلة.
لا أسماء.
لا أعمار.
لا صور.
فقط كلمات.
عن الكتب.
عن الخوف من التعلق.
عن الوحدة التي تبدو اختيارًا لكنها قد تكون هروبًا.
عن الصلاة حين يضيق القلب.
وعن الفن حين يعجز الكلام.
وفي كل مرة كانت بيسم تكتب:
"أنت غريب… كأنك رجل من زمن آخر."
كان عمر يقرأ العبارة، ويشعر بشيء دافئ ومؤلم في آن.
ثم يرد:
"وأنتِ… كأنك سؤال لا يريد العقل الإجابة عنه، لأن القلب سبق وفعل."
وفي الواقع…
دخل رجل جديد إلى حياة بيسم من باب لم يتوقعه عمر.
طالب جامعي اسمه ريان، جاء إلى النادي الثقافي للمساعدة في تنظيم معرض فني.
كان مرحًا، ذكيًا، قريبًا من عالم بيسم: يحب الأدب، الموسيقى، والرسم.
بدأ يظهر قربها كثيرًا.
يضحك معها.
يحمل لوحاتها.
ويمشي معها في الساحة وهو يناقشها في الكتب.
وكان عمر يرى.
يرى بصمت.
لكن في صمته هذه المرة…
كانت هناك غيرة واضحة كجرح حديث.
ذات يوم، وبينما كان يشرح درسًا، لمح من النافذة ريان يميل نحو بيسم ليهمس لها بشيء… فضحكت.
توقفت الكلمات في حلقه للحظة.
ثم كتب على السبورة بعنف خفيف أكثر مما اعتاد.
حتى انكسرت قطعة الطباشير بين أصابعه.
سكت القسم كله.
أما قلبه…
فكان يقول شيئًا لم يجرؤ على الاعتراف به:
"لا أحب قربه منها."
وفي تلك الليلة…
كتبت بيسم إلى ابن السبيل:
"هل الغيرة دائمًا دليل حب؟"
وجلس عمر طويلًا أمام الشاشة…
لا يعرف كيف يجيب.
سطور تائهة