الفصل السابع والعشرون: أواخر الأشياء… وأوائلها
مرّت الأيام بعد الرحلة أسرع مما أراد قلبا عمر وبيسم.
كأن الزمن، حين يجد شيئًا جميلًا، يقرر أن يركض.
دخلت المدرسة فصلها الأخير من العام، وبدأت ملامح النهاية تظهر في كل شيء:
أوراق المراجعة.
العدّ التنازلي للامتحانات.
الطلاب الذين صاروا أكثر توترًا… وأكثر حنينًا للمقاعد التي كانوا يشتكون منها طوال العام.
ولأن هذا كان آخر عام لبيسم…
صار كل شيء يحمل طعمًا غريبًا:
طعم النهاية.
أما بيسم…
فكانت تعيش بين شعورين متناقضين:
فرحة قريبة بالتخرج،
وحزن خفي لأن هذا يعني.....
أنها لن تراها كل صباح:
هيبة عمر وهو يدخل القسم،
صوته حين يشرح،
نظراته الخاطفة التي لا يراها أحد سواها،
وأوراقه الصغيرة المطوية التي يتركها عند طرف دفترها.
في آخر ورقة تركها لها، كتب:
"أكره فكرة أن أبحث عن مقعدك قريبًا… فلا أجدك."
وضعت الورقة على قلبها طويلًا.
ثم كتبت له ليلًا:
"وأنا أخاف أن أستيقظ يومًا دون أن أعرف أنك مررت من هنا."
قرأ الرسالة…
وشعر لأول مرة أن الحب جميل، لكنه موجع أيضًا.
ومع اقتراب الامتحانات، صار عمر أكثر قربًا منها بطريقة حذرة، نبيلة.
لا كلام يلفت النظر.
لا تصرف يفتح بابًا لظنون الناس.
لكن.....
كان يطمئن على مراجعتها.
يرسل لها مراجع فلسفية مفيدة.
ويكتب أحيانًا في آخر الرسالة:
"خذي بالأسباب… والباقي توكلي فيه على الله."
وكانت تلك الجملة وحدها تبعث الطمأنينة في قلبها.
وفي آخر حصة فلسفة…
دخل عمر القسم بهدوء مختلف.
ليس هدوءه المعتاد…
بل هدوء رجل يعرف أن شيئًا عزيزًا يوشك أن يغادر يومياته.
كتب على السبورة:
النهايات التي تبدأ
قرأ الطلاب العبارة بدهشة.
ثم بدأ حديثًا لم يكن درسًا تمامًا…
كان شيئًا بين الحكمة والوداع.
قال:
"بعض الأماكن نظن أننا سنمكث فيها طويلًا… ثم نكتشف أنها كانت محطة، لا منزلًا.
وبعض الوجوه تمرّ في حياتنا، فتترك أثرًا لا يمحوه الزمن."
كان يتحدث للجميع…
لكن قلبه كان يخاطب واحدة فقط.
ثم قال:
"إن صادفتم في حياتكم شخصًا جعلكم نسخة أجمل من أنفسكم…
فاحمدوا الله عليه، حتى لو لم يبقَ قربكم كما تشتهون."
هنا.....
شعرت بيسم أن عينيها امتلأتا.
خفضت رأسها سريعًا.
لكن عمر رآها.
ورأى الدمع الذي تحاول إخفاءه.
فأكمل بصوت أخف:
"والحب الحقيقي… لا يفسد صاحبه، بل يهذبه، يرفعه، ويقربه من الخير."
ثم نظر إليها.....ثانية واحدة فقط.....وقال:
"فإن وجدتموه… فكونوا أهلًا له."
كانت الرسالة واضحة لها وحدها:
كبري كما يليق بقلبك… وسآتيك بالحلال حين يحين الوقت.
وفهمتها.
وفاضت عيناها أكثر.
بعد انتهاء الحصة، خرج الجميع…
إلا بيسم.
بقيت وحدها ترتب كتبها ببطء شديد، كأنها تؤخر الوداع.
ثم سمعت صوته:
"بيسم."
التفتت.
كان واقفًا عند الباب، وحدهما لأول مرة منذ أيام.
قال بصوت هادئ:
"هذه المرحلة ستنتهي… لكن لا تجعلي خوف النهاية ينسيكِ جمال ما كان."
اقتربت خطوة.
وعيناها دامعتان:
"وأنت؟
ماذا سأفعل مع اشتياقي لك؟"
أغمض عينيه لحظة…
ثم قال بصدق رجولي عميق:
"اصبري…
وأنا أيضًا سأصبر.
حتى يأتي يوم أطرق فيه بابك من بابه الصحيح."
شهقت أنفاسها.
"وإذا طال الوقت؟"
ابتسم ابتسامة هادئة، ثابتة:
"الأشياء التي تستحق… ننتظرها."
ثم مد يده…
لا ليمسك يدها....
بل ليعطيها شيئًا صغيرًا.
مصحفًا صغيرًا بغلاف أخضر داكن.
وفي الصفحة الأولى، بخطه الأنيق، كتب:
"إلى بيسم…
الفتاة التي أعادت إلى قلبي ضحكته،
إن فرّقتنا الأيام، فالله جامع القلوب على خير إن صدقت النوايا."
لم تستطع الكلام.
فقط أخذته…
وضمته إلى صدرها.
وغادرت…
وقلبها يعرف أن هذه ليست نهاية قصة حب.
بل بداية انتظار جميل…
لشيء سيأتي بالحلال، أو لا يأتي.....لكن أثره سيبقى نورًا في العمر كله.
سطور تائهة