الفصل الخامس والأربعون: الغفوة الأخيرة قرب من أحب
مرّت السنوات…
ثقيلة في البداية،
ثم أسرع مما ظن عمر.
كبر الأطفال الذين كان يوقظهم للفجر، ويحكي لهم عن أمهم قبل النوم…
وصاروا رجالًا ونساءً يحمل كل واحد منهم شيئًا من بيسم وشيئًا من عمر.
ابنه الأكبر.....ريان....صار طبيبًا مختصًا في الأورام، لأنه قال يومًا:
"أمي رحلت بمرض لم نستطع منعه… أريد أن أحارب ما أخذها منّا."
وكان يحمل هدوء أبيه، ورقة قلب أمه.
أما ابنته.....يُسرى.....فصارت كاتبة ورسّامة، تجمع بين الكلمات واللون كما كانت بيسم تفعل.
نشرت رواية أولى سمتها:
"الكتالوني ابن السبيل"
الكتالوني ابن السبيل
وكانت رواية لا تذكر أسماء صريحة…
لكن كل من قرأها شعر أن فيها حبًا حقيقيًا عاش ومضى وبقي أثره.
أما الابن الأصغر.....سليم.....فصار أستاذ فلسفة، مثل أبيه، لكنه أكثر ضحكًا وخفة، وكان يبدأ أول درس له كل عام بسؤال:
"هل الحب فكرة… أم قدر؟"
فيضحك الطلبة، بينما هو يبتسم لأنه يعرف جوابًا لم يقله.
أما عمر…
فقد نال منه الكبر.
شعره اشتعل شيبًا.
ظهره انحنى قليلًا.
خطواته صارت أبطأ.
لكن عينيه.....
بقي فيهما ذلك العمق الذي أحبته بيسم.
ثم جاء المرض.
مرض شديد، أضعف جسده شيئًا فشيئًا.
وحين أحس أن أجله اقترب…
رفض أن يبقى بين جدران المستشفى.
طلب شيئًا واحدًا فقط:
"خذوني إليها."
وفي صباح هادئ…
ذهب إلى قبر بيسم في سطيف.
كان يحمل وردة بيضاء ومصحفًا صغيرًا....نفس المصحف الذي أهداه لها يوم وداع المدرسة.
جلس قرب قبرها طويلًا.
ثم مد يده، ولمس التراب برفق…
كأنه يربّت على يدها.
وقال بصوت هادئ، متعب، لكنه مملوء حبًا:
"السلام عليكِ يا بيسم…
تأخرت عليك كثيرًا."
ابتسم ابتسامة ضعيفة.
"لكنني أتيت."
نظر إلى السماء قليلًا، ثم بدأ يحدثها كما كان يفعل في لياليهما القديمة:
"ريان… أصبح طبيبًا، كما كان يتمنى أن ينقذ كل أم في العالم.
يُسرى… كتبتك في كتاب دون أن تدري.
وسليم… صار يعلّم الحب والفلسفة، لكنه يشجع شبيبة القبائل بجنون مثلي."
ضحك ضحكة قصيرة، خرجت متعبة لكنها صادقة.
ثم قال:
"أما أنا…
فقد اشتقت لكِ اشتياقًا لا تصفه السنون.
كل صباح كان ناقصًا دون صوتك.
كل عيد كان ناقصًا دون فرحتك.
وكل نجاح لأولادنا كنت ألتفت فيه لأقول لكِ:
أرأيتِ؟ لقد نجحنا…
ثم أتذكر أنك لستِ هنا بعيني… لكنك كنتِ هنا في كل شيء."
سقطت دمعة بطيئة على التراب.
"سامحيني لأنني وصلت متأخرًا يوم مرضك…
تلك الحسرة بقيت تؤلمني حتى الشيب."
أغمض عينيه قليلًا.
ثم همس:
"أحببتك أولًا كفتاة تلمع عيناها في درس عن الحب…
ثم كزوجة…
ثم كأم لأولادي…
ثم كذكرى…
ثم كدعاء…
وحتى اليوم…
أحبك كما لو أن قلبي لم يعرف غيرك."
تعب.
فاستلقى قرب القبر، واضعًا رأسه على الأرض، كما لو أنه أراد أن يكون أقرب إليها.
نسيم خفيف مرّ على المكان.
وأغفى…
غفوة هادئة.
على شفتيه ابتسامة صغيرة.
وفي يده الوردة البيضاء.
ولم يستيقظ بعدها.
رحل كما عاش سنواته الأخيرة.....
وفي قلبه اسم واحد:
بيسم.
وفي جنازته…
وقف أبناؤه حوله، ودفنوه قرب قبر أمهم، كما أوصى.
وعلى شاهدة قبره، كتب ريان:
"هنا يرقد عمر عبوري…
رجل أحب امرأة واحدة بإخلاص،
وربّى ثمار ذلك الحب بأمانة،
ثم عاد إليها حين انتهى الطريق."
وبين القبرين…
كبرت شجرة زيتون صغيرة.
وكان أهل المكان يقولون:
"كل ربيع، تزهر الشجرة مرتين…
كأن روحين ما زالتا تتحدثان تحت التراب."
سطور تائهة