الفصل الحادي والعشرون: حين خرج ما كان مخفيًا
ظلّت الرسالتان معلّقتين بين بيسم وعمر طويلًا:
"تحدثت طويلًا مع الأستاذ ياسين… يبدو لطيفًا جدًا."
و:
"تبدو منسجمًا مع الأستاذة آمنة."
في البداية…
ظنّ كل واحد منهما أن الآخر يمزح.
ثم جاءت الردود قصيرة.
باردة.
حادّة قليلًا.
وذلك كان أسوأ ما يمكن أن يحدث لهما؛
لأن الأرواح القريبة حين تبرد فجأة… تجرح.
كتب عمر:
"إذا كان لطيفًا إلى هذا الحد، فهذا جيد لك."
قرأت بيسم الرسالة، وشعرت بشيء يلسع صدرها.
كتبت:
"ولماذا جيد لي؟"
"لأن بينكما انسجامًا واضحًا."
رفعت حاجبيها بدهشة ممزوجة بغضب.
"تراقبني إذن؟"
"أرى ما يراه الجميع."
"وماذا يرى الجميع؟"
تأخر رده…
ثم كتب:
"أنه يراكِ كثيرًا."
قلبها التقط ما وراء الكلمات:
غيرة.
لكنها كانت مجروحة أيضًا.
فكتبت:
"وأنت؟
ألا ترى كيف تنظر إليك آمنة؟"
جاءه الرد سريعًا هذه المرة:
"آمنة زميلة محترمة."
"وياسين أستاذ محترم أيضًا."
"أنا لم أضحك معها بتلك الطريقة."
توقفت أصابع بيسم.
ثم كتبت بغضب:
"وأنا لم أفعل شيئًا خاطئًا!"
"لم أقل ذلك."
"لكنك تقصد."
"أنا فقط…"
توقف.
لم يكمل.
كتبت:
"أنت فقط ماذا يا عمر؟"
قرأ السؤال…
وشعر أن كل الحذر الذي بناه بدأ يتشقق.
كتب:
"أنا فقط لا أحب أن أراكِ قريبة من رجل ينظر إليكِ بتلك الطريقة."
شهقت بصمت.
ثم كتبت بسرعة، وقلبها يخفق:
"ولماذا؟"
صمت طويل…
ثم ظهرت رسالته، كلمة كلمة، كأن كل حرف خرج من قلبه بصعوبة:
"لأنني أغار."
ارتجفت أنفاسها.
كتبت:
"من ياسين فقط؟"
جاء الرد:
"منه… ومن ريان… ومن كل رجل يراكِ ويبتسم لك… ومن العالم كله أحيانًا."
وضعت يدها على قلبها.
ثم كتبت، والدموع تلمع في عينيها:
"ولماذا؟
قلها كاملة هذه المرة."
طويلًا…
طويلًا جدًا…
ثم وصلتها رسالة واحدة فقط:
"لأنني أحبك يا بيسم."
توقفت الدنيا للحظة.
قرأت الجملة مرة…
ثم مرة…
ثم انهارت دمعة ساخنة على شاشة هاتفها.
لكن قبل أن ترد....
وصلتها رسالة ثانية، أسرع، مضطربة، كأن صاحبها أدرك فجأة ثقل ما قال:
"وهذا هو السر الذي أخفيته عن نفسي قبلك.
أحبك بطريقة أخافتني.
أحب ضحكتك، روحك، جنونك الطفولي، رسمك، حتى جدالك حول ريال مدريد.
أحبك… ولذلك كنت أحاول أن أبقي هذه النار تحت الرماد."
وفي الطرف الآخر…
كانت بيسم تبكي وتضحك في آن.
ثم كتبت:
"أخيرًا قلتها…
لأنني كنت أموت بصمت وأنا أحبك أيضًا."
أغمض عمر عينيه.
شعر أن قلبه....الذي قاوم طويلًا....انهار أخيرًا أمام الحقيقة.
لكن الحقيقة…
لم تكن هذه وحدها.
لأن بيسم كتبت بعدها:
"هناك سر آخر يجب أن تعرفه."
فتح الرسالة بسرعة.
"ياسين… ابن خالي."
…
تجمّد.
قرأها مرة.
ثم ثانية.
ثم وضع يده على وجهه، وضحك ضحكة مذهولة مخنوقة.
كل تلك الغيرة…
كل ذلك الاحتراق…
على ابن خالها.
ثم وصلته رسالتها الأخيرة:
"وأما آمنة… فهي أخت زوجة أخي."
ساد صمت…
ثم كتب عمر:
"لقد جعلتِ مني أضحوكة فلسفية."
ضحكت بيسم وسط دموعها.
وردّت:
"وأنت جعلتني أعترف أولًا دون أن أشعر."
وفي تلك الليلة…
لم يعد بينهما سر كبير مخفي.
بقي فقط....
ماذا بعد الحب؟
سطور تائهة