الفصل السادس والعشرون: تحت القوس القديم
حين وصلوا إلى جميلة الأثرية، بدا المكان كأنه صفحة من زمن آخر.
أعمدة شاهقة.
حجارة دافئة تحت شمس خفيفة.
ممرات قديمة تحفظ وقع أقدام من مرّوا قبل قرون.
وكان في المكان شيء غريب…
هيبة صامتة.
كأن التاريخ نفسه يخفض صوته هناك.
انشغل الطلاب بالتصوير والضحك والركض بين الآثار.
ياسين صار يشرح قصة كل حجر بطريقة مسرحية جعلت الجميع يلتفون حوله.
آمنة كانت تقود مجموعة صغيرة بهدوئها المعتاد.
أما بيسم…
فانسحبت قليلًا وحدها، تحمل دفترها الأسود، ووقفت تحت قوس حجري قديم ترسم ظله على الأرض.
الريح حرّكت طرف تنورتها قليلًا، وشعاع شمس خفيف سقط على صفحة الرسم.
وفي تلك اللحظة…
وقف عمر غير بعيد.
ينظر.
لا إلى القوس.
ولا إلى المكان.
إليها.
ثم قال بصوت منخفض:
"كنت أعرف أنني سأجدك هنا."
التفتت.
ولوهلة…
نسي كل منهما أن يتنفس.
بعيدًا عن الضجيج، بعيدًا عن المدرسة، بعيدًا عن الجدران التي كانت دائمًا تفصل بينهما…
بدوا أقرب من أي وقت مضى.
قالت بخفة:
"كيف عرفت؟"
اقترب خطوتين فقط، ثم توقف محافظًا على مسافة محترمة.
"لأن الأماكن الهادئة تحبك… وأنت تحبينها."
ابتسمت.
ثم رفعت دفترها:
"كنت أرسم هذا القوس."
مد يده:
"أريني."
ناولته الدفتر.
نظر إليه طويلًا.
لم تكن مجرد رسمة.
كانت في زاوية الصفحة هيئة رجل واقف تحت ظلّ قوس، رأسه مائل قليلًا، وفي وقفته سكينة تعرفها العين.
عرف نفسه فورًا.
رفع نظره إليها.
"هذا أنا."
لم تنكر.
بل احمر وجهها وقالت بخجل:
"خرج وحده."
ابتسم ابتسامة عميقة، فيها شيء من الدهشة الجميلة.
"إذن أنا أسكن رسوماتك أيضًا."
همست:
"أنت تسكن أشياء أكثر مما تعرف."
توقفت أنفاسه.
ثم حدث شيء صغير…
لكنه بقي عالقًا في قلبهما.
بينما كانت بيسم تخطو للخلف، تعثرت قدمها بحجر بارز.
وفي لحظة خاطفة.....
مال جسدها.
لكن يد عمر أمسكت معصمها بسرعة، واليد الأخرى ثبتت كتفها برفق حتى لا تسقط.
سكنت الدنيا.
كانت قريبة جدًا.
قريبة على نحو جعل الهواء ثقيلًا.
عيناها رفعتا نحوه…
وعيناه نزلتا إليها…
ولثانية طويلة، لم يكن هناك تاريخ، ولا مدرسة، ولا فرق سن، ولا خوف…
فقط قلبان يعرفان.
قال بصوت خفيض جدًا:
"لو سقطتِ… لسقط قلبي قبلك."
ارتجفت أنفاسها.
وهمست:
"إذن أمسك بي جيدًا."
كادت الكلمات تذيب آخر جدار في صدره.
لكن.....
"أهااا!"
جاء الصوت فجأة.
ابتعدا بسرعة.
وكان ياسين واقفًا بعيدًا، يبتسم ابتسامة واسعة، وخلفه آمنة تهز رأسها ضاحكة.
قال ياسين:
"كنت أبحث عنكما… لكن يبدو أنني دخلت مشهدًا من رواية."
غطت بيسم وجهها خجلًا.
أما عمر، فعاد فجأة إلى وقاره المعتاد وقال بجدية مصطنعة:
"كانت ستسقط."
رفع ياسين حاجبه:
"طبعًا.
وتحت القوس القديم تحديدًا.
واليد تمسك المعصم بهذه الطريقة تحديدًا."
حتى آمنة ضحكت.
وقالت بهدوئها اللطيف:
"اطمئن يا عمر… السر لم يعد سرًا عند من يفهم النظر."
نظر عمر إلى الأرض…
ثم....لأول مرة أمام أحد.....ابتسم دون دفاع.
ابتسامة رجل تعب من إخفاء شيء جميل.
أما بيسم…
ففي طريق العودة، فتحت دفترها.
وفي الصفحة نفسها، تحت رسم القوس…
كتبت:
"في مكان شهد على حب قديم منذ قرون… كاد قلبي يعترف بصوت أعلى من التاريخ."
سطور تائهة