الفصل الثالث والعشرون: سؤال خرج من قلبه
في الحصة التالية، دخل عمر القسم وفي يده كتاب صغير وبعض الأوراق.
عاد شيء من وقاره المعتاد،
لكن ذلك الضوء الخفيف في عينيه… بقي.
كتب على السبورة بخطه الأنيق:
الحب بين العقل والوجدان
ما إن قرأت بيسم العنوان…
حتى شعرت أن قلبها سقط فجأة في صدرها.
خفضت بصرها فورًا.
"يا رب… ليس اليوم."
استدار عمر نحو الصف وبدأ يشرح:
"الفلاسفة اختلفوا في تعريف الحب؛
هل هو ميل؟
أم انجذاب؟
أم حالة وعي يرى فيها الإنسان العالم بصورة مختلفة؟"
كان يتحدث بثبات…
لكن عينيه.....على رغم منه.....كانتا تعودان إليها.
إلى بيسم تحديدًا.
إلى تلك التي صارت كلمة الحب، في ذهنه، تحمل وجهها وحدها.
ثم قال:
"هناك من يرى أن الحب الحقيقي لا يجعل الإنسان أعمى… بل أكثر بصيرة.
يرى عيوب الآخر… ثم يختاره رغمها."
رفعت بيسم عينيها نحوه لحظة…
فالتقت عيناهما.
وكان في النظرة ما يكفي ليجعلها تخفض رأسها بسرعة.
ثم بدأ يطرح أسئلة على الصف.
"كيف يعرف الإنسان أنه يحب؟"
أجوبة كثيرة:
"حين يشتاق."
"حين يغار."
"حين يفكر كثيرًا."
"حين يخاف أن يخسره."
كان يسمع…
لكن شيئًا في داخله كان يدفعه نحو سؤال آخر.
ودون أن يشعر....
استدار نحوها.
وقال اسمها:
"بيسم."
ارتبكت.
"نعم؟"
قال.....بصوت هادئ، لكنه خرج أعمق مما قصد:
"أنتِ تجيدين الكتابة…
لكن هل تجيدين الحب؟"
ساد الصمت.
صمت كامل.
حتى الأقلام توقفت.
واتسعت عينا بيسم.
أما عمر…
فقط بعد أن قالها، أدرك وقع السؤال.
وشعر أنه ربما تجاوز حدود السؤال المدرسي إلى شيء شخصي جدًا.
لكن التراجع صار مستحيلًا.
أكمل بصوت أخف:
"أقصد… كيف تعرفين الحب؟"
ابتلعت ريقها.
كل العيون عليها.
وعيناه هو… أكثر من الجميع.
رفعت رأسها ببطء.
ونظرت إليه.....لثانية واحدة فقط....ثم قالت:
"أعرفه…
حين يصبح شخص واحد قادرًا على تغيير مزاج يوم كامل."
ساد صمت.
تابعت، وصوتها يرتجف قليلًا:
"حين أسمع شيئًا جميلًا… فأفكر مباشرة:
يجب أن أخبره."
أنزل عمر بصره للحظة.
لأنه عرف…
أنها تتحدث عنه.
لكنها أكملت:
"وحين أغضب منه…
أبقى غاضبة، ومع ذلك لا يتوقف قلبي عن الميل إليه."
ضحك بعض الطلاب بخفة إعجابًا بصراحتها الأدبية.
أما عمر…
فكان قلبه يخفق بعنف.
ثم قالت الجملة الأخيرة.....وعيناها فيه:
"وأعرف الحب…
حين أخاف أن تفضحني عيناي كلما نظرت إلى وجهه."
…
ساد صمت ثقيل.
جميل.
مربك.
وفي تلك اللحظة…
لم تستطع بيسم أن تنزل عينيها.
ولا عمر استطاع أن يشيح بنظره.
ثوانٍ طويلة…
كأن القسم كله اختفى، وبقيت نظرة بين قلبين يعرفان.
ثم قطع الصمت صوت ياسين من الباب......وكان يمر صدفة:
"أظن أن درس الفلسفة اليوم صار رواية."
فضحك الصف كله.
وانكسر التوتر.
لكن قلب عمر…
كان يردد في سره:
"إن كانت هذه ليست امرأة كتبت لي… فلا أدري ما الكتابة."
سطور تائهة