الفصل التاسع عشر: شيءٌ يشبه الغياب
مرّ يومان.
غابت بيسم فيهما عن الصف.
ويومان… بالنسبة إلى عمر، كانا أطول مما يجب.
اكتشف خلالهما حقيقة صغيرة ومزعجة:
أنه اعتاد وجودها في تفاصيل يومه أكثر مما كان يظن.
اعتاد أن تقع عيناه على مقعدها أولًا.
اعتاد أن يرى قلمها الملون بين أصابعها.
اعتاد أن يلتقط ابتسامتها العابرة حين يقول شيئًا يظنه جادًا بينما تراه هي مضحكًا.
والآن.....
كان المقعد فارغًا.
وهذا الفراغ… كان واسعًا على نحو مؤلم.
أما في الليل، فكانت أحاديثهما تمتد أكثر من قبل.
لأن المرض، بطريقة غريبة، جعل بيسم أكثر صدقًا وعفوية، وجعل عمر أكثر لينًا ودفئًا.
في مساء اليوم الثاني، أرسلت له صورة لكوب شاي بالزعتر والعسل، وبجانب الكوب دفترها الأسود.
وكتبت:
"وصفة أمي السحرية."
رد:
"وهل نجحت؟"
"قليلًا."
ثم أضافت:
"لكنني اشتقت للفلسفة."
ابتسم.
"للفلسفة… أم لأستاذ الفلسفة؟"
تأخرت في الرد…
ثم كتبت:
"لا أحب الأسئلة الخبيثة حين أكون مريضة."
ضحك.
"إذن فهمت الجواب."
"وقح."
"فيلسوف."
"وقح وفيلسوف."
وبين المزاح، سألها:
"ما أول شيء ستفعلينه حين تعودين؟"
جاءه الرد سريعًا:
"سأنام في الحصة الأولى لأنني ما زلت متعبة."
"بيسم."
"أمزح."
"أشك."
"حسنًا… سأدخل، وأبحث عنك بعيني أولًا."
توقفت أنامله.
ثم كتب:
"وهل ستجدينني؟"
"دائمًا."
قرأ الجملة مرارًا.
وشعر بقلبه يهدأ بطريقة غريبة، كأن كلمة بسيطة وضعت السكينة في صدره.
في اليوم الثالث…
عادت بيسم.
لكنها لم تعد وحدها.
دخلت القسم متأخرة قليلًا، وخلفها امرأة في منتصف الأربعينيات، بملامح طيبة وهيبة هادئة...
أمها، جاءت لتطمئن الإدارة على ابنتها بعد وعكة قوية.
حين رآها عمر واقفة عند الباب…
توقف قلبه لثانية.
ليس خوفًا من شيء خاطئ…
بل لأن الواقع فجأة صار أكثر قربًا، أكثر جدية.
ورأى في ملامح أمها شيئًا من بيسم:
العينين،
طريقة الوقوف،
والابتسامة الهادئة.
ألقت الأم تحية مهذبة، وشكرته أمام الإدارة لاحقًا على اهتمامه بابنتها حين مرضت، فقد أخبرتها بيسم أنه كان لطيفًا معها في ذلك اليوم.
ولما سمع عمر هذا…
نظر إلى الأرض قليلًا.
في قلبه دعوة صامتة:
"اللهم، إن كان في هذا الأمر خير… فاجعله يأتيك نظيفًا، واضحًا، حلالًا، بلا كسر قلب، ولا خطأ طريق."
وفي الليل…
كتبت بيسم:
"أمي قالت عنك اليوم:
«يبدو رجلاً محترمًا جدًا»."
ابتسم.
"والدتك صاحبة نظر ثاقب."
"متعجرف."
"واقعي."
ضحكت.
ثم كتبت بعد صمت:
"تعرف… لأول مرة، شعرت أن عالميْن اقتربا من بعضهما:
عالمي الذي أعيش فيه…
والعالم الذي أنت فيه."
قرأ الرسالة ببطء.
ثم كتب:
"وهل أخافكِ هذا؟"
"لا."
توقف.
"وماذا شعرتِ؟"
تأخر ردها طويلًا…
ثم وصل:
"شعرت… أنني لا أريد أن تكون مجرد حديث ليلي."
وساد صمت ثقيل…
جميل…
ومخيف.
لأن تلك الجملة....
كانت بداية سؤال كبير جدًا… لا يمكن تأجيله طويلًا.
سطور تائهة