شيء يشبه الغياب✨️

شيء يشبه الغياب✨️

18 0

الفصل التاسع عشر: شيءٌ يشبه الغياب

مرّ يومان.

غابت بيسم فيهما عن الصف.

ويومان… بالنسبة إلى عمر، كانا أطول مما يجب.

اكتشف خلالهما حقيقة صغيرة ومزعجة:

أنه اعتاد وجودها في تفاصيل يومه أكثر مما كان يظن.

اعتاد أن تقع عيناه على مقعدها أولًا.

اعتاد أن يرى قلمها الملون بين أصابعها.

اعتاد أن يلتقط ابتسامتها العابرة حين يقول شيئًا يظنه جادًا بينما تراه هي مضحكًا.

والآن.....

كان المقعد فارغًا.

وهذا الفراغ… كان واسعًا على نحو مؤلم.

أما في الليل، فكانت أحاديثهما تمتد أكثر من قبل.

لأن المرض، بطريقة غريبة، جعل بيسم أكثر صدقًا وعفوية، وجعل عمر أكثر لينًا ودفئًا.

في مساء اليوم الثاني، أرسلت له صورة لكوب شاي بالزعتر والعسل، وبجانب الكوب دفترها الأسود.

وكتبت:

"وصفة أمي السحرية."

رد:

"وهل نجحت؟"

"قليلًا."

ثم أضافت:

"لكنني اشتقت للفلسفة."

ابتسم.

"للفلسفة… أم لأستاذ الفلسفة؟"

تأخرت في الرد…

ثم كتبت:

"لا أحب الأسئلة الخبيثة حين أكون مريضة."

ضحك.

"إذن فهمت الجواب."

"وقح."

"فيلسوف."

"وقح وفيلسوف."

وبين المزاح، سألها:

"ما أول شيء ستفعلينه حين تعودين؟"

جاءه الرد سريعًا:

"سأنام في الحصة الأولى لأنني ما زلت متعبة."

"بيسم."

"أمزح."

"أشك."

"حسنًا… سأدخل، وأبحث عنك بعيني أولًا."

توقفت أنامله.

ثم كتب:

"وهل ستجدينني؟"

"دائمًا."

قرأ الجملة مرارًا.

وشعر بقلبه يهدأ بطريقة غريبة، كأن كلمة بسيطة وضعت السكينة في صدره.

في اليوم الثالث…

عادت بيسم.

لكنها لم تعد وحدها.

دخلت القسم متأخرة قليلًا، وخلفها امرأة في منتصف الأربعينيات، بملامح طيبة وهيبة هادئة...

أمها، جاءت لتطمئن الإدارة على ابنتها بعد وعكة قوية.

حين رآها عمر واقفة عند الباب…

توقف قلبه لثانية.

ليس خوفًا من شيء خاطئ…

بل لأن الواقع فجأة صار أكثر قربًا، أكثر جدية.

ورأى في ملامح أمها شيئًا من بيسم:

العينين،

طريقة الوقوف،

والابتسامة الهادئة.

ألقت الأم تحية مهذبة، وشكرته أمام الإدارة لاحقًا على اهتمامه بابنتها حين مرضت، فقد أخبرتها بيسم أنه كان لطيفًا معها في ذلك اليوم.

ولما سمع عمر هذا…

نظر إلى الأرض قليلًا.

في قلبه دعوة صامتة:

"اللهم، إن كان في هذا الأمر خير… فاجعله يأتيك نظيفًا، واضحًا، حلالًا، بلا كسر قلب، ولا خطأ طريق."

وفي الليل…

كتبت بيسم:

"أمي قالت عنك اليوم:

«يبدو رجلاً محترمًا جدًا»."

ابتسم.

"والدتك صاحبة نظر ثاقب."

"متعجرف."

"واقعي."

ضحكت.

ثم كتبت بعد صمت:

"تعرف… لأول مرة، شعرت أن عالميْن اقتربا من بعضهما:

عالمي الذي أعيش فيه…

والعالم الذي أنت فيه."

قرأ الرسالة ببطء.

ثم كتب:

"وهل أخافكِ هذا؟"

"لا."

توقف.

"وماذا شعرتِ؟"

تأخر ردها طويلًا…

ثم وصل:

"شعرت… أنني لا أريد أن تكون مجرد حديث ليلي."

وساد صمت ثقيل…

جميل…

ومخيف.

لأن تلك الجملة....

كانت بداية سؤال كبير جدًا… لا يمكن تأجيله طويلًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

على هامش الصمت

المؤلف سطور تائهة
2026/05/06 مستمرة
قائمة الفصول (47)
الفصل 0: نبذة عن الرواية ✨️
2026/05/06
الفصل 1: الفتاة التي تضحك كثيرا✨️
2026/05/06
الفصل 02: البرود الذي يشبه الحريق ✨️
2026/05/07
الفصل 03: حين خانه لسانه✨️
2026/05/07
الفصل 04: ملا يقال✨️
2026/05/07
الفصل 05: الهمس الذي صار إسما✨️
2026/05/07
الفصل 06: إسم مستعار ✨️
2026/05/07
الفصل 07: الجواب الذي خافه✨️
2026/05/07
الفصل 08: مابين قبول و خوف✨️
2026/05/07
الفصل 09: حين صار الشك مرآة✨️
2026/05/07
الفصل 10: حين سقط الإسم المستعار✨️
2026/05/07
الفصل 11: الطفلة المختبئة و الرجل الذي يغار من الشاشة✨️
2026/05/07
الفصل 12: الأبيض الملكي و الفيلسوف الكتالوني✨️
2026/05/07
الفصل 13: حديث بين جدارين و حديث بين قلبين ✨️
2026/05/07
الفصل 14: ليل طال حتى الفجر ✨️
2026/05/07
الفصل 15: صباح بطعم السهر ✨️
2026/05/07
الفصل 16: السؤال الذي فضحه✨️
2026/05/07
الفصل 17: حمى و حجّة صغيرة✨️
2026/05/07
الفصل 18: رسالة صوتية عند الظهيرة✨️
2026/05/07
الفصل 19: شيء يشبه الغياب✨️
2026/05/07
الفصل 20: وجهان جديدان✨️
2026/05/07
الفصل 21: حين خرج ماكان مخفيا✨️
2026/05/07
الفصل 22: صباح بوجه آخر✨️
2026/05/07
الفصل 23: سؤال خرج من قلبه✨️
2026/05/07
الفصل 24: حين خرج الوقار من صمته✨️
2026/05/07
الفصل 25: رحلة و مسافة تضيق ✨️
2026/05/07
الفصل 26: تحت قوس قديم✨️
2026/05/07
الفصل 27: أواخر الأشياء و أوائلها✨️
2026/05/07
الفصل 28: الأيام التي تركض✨️
2026/05/07
الفصل 29: الأيام الأثقل من الإمتحان✨️
2026/05/07
الفصل 30: نجاح ولقاء أول ✨️
2026/05/07
الفصل 31: مصادفة تشبه النداء✨️
2026/05/07
الفصل 32: يوم السفر و الطلب الذي أربك قلبها✨️
2026/05/07
الفصل 33: وجه لم يره و قلب ازداد يقين✨️
2026/05/07
الفصل 34: الظل الذي سبق النور✨️
2026/05/07
الفصل 35: حين دخل الخوف بين قلبين✨️
2026/05/07
الفصل 37: الرسالة التي كسرت ماتبقى
2026/05/07
الفصل 36: بيت خرجت منه الحياة✨️
2026/05/07
الفصل 38: الدعوة التي أطفأت الضوء✨️
2026/05/07
الفصل 39: هل هي النهاية أم الباب الذي فتح أخيرا✨️
2026/05/07
الفصل 40: مابعد كلمة ''نعم''
2026/05/07
الفصل 41: أسبوع لكنه ثقيل✨️
2026/05/07
الفصل 42: سر بيسم و الليل الذي كشف كل شيء✨️
2026/05/07
الفصل 43: الرسالة الأخيرة إلى الكتالوني ابن السبيل✨️
2026/05/07
الفصل 44: رجل بقي واقفا✨️
2026/05/07
الفصل 45: الغفوة الأخيرة قرب من أحب✨️
2026/05/07
الفصل 46: الرسالة الأخير للفيلسوف الوقور✨️
2026/05/07

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة