الفصل الأول: الفتاة التي تضحك كثيرًا
في قلب القصبة، حيث الأزقة ضيقة كالأسرار، والجدران العتيقة تحفظ همسات من مروا بها منذ قرون، كانت تقف ثانوية الأمير عبد القادر بشرفاتها العالية ونوافذها الزرقاء القديمة، كأنها قطعة زمن نسيت وسط المدينة.
وهناك…
كان عمر عبوري يمشي كعادته.
ثابت الخطوات.
هادئ النظرات.
يحمل تحت ذراعه كتابًا فلسفيًا ومصحفًا صغيرًا لا يفارقه، كأن قلبه يعيش بين حكمة الأرض ونور السماء.
في الثلاثين، كان رجلًا إذا حضر خفتت الأصوات قليلًا.
لا لأنه قاسٍ…
بل لأن وقاره يسبق اسمه.
يلبس ببساطة أنيقة، يعتني بهيئته دون تكلف، يمارس الرياضة فجراً قبل صلاة الصبح، ويجلس بعد العشاء ساعات طويلة مع كتبه، أو مع نفسه… في صمت يشبه العبادة.
أما الحب—
فلم يكن يومًا شيئًا سمح له أن يطرق بابه.
حتى جاءت بَيسَم لطرش.
دخلت الفصل متأخرة كعادتها، تحمل دفاتر أكثر من حاجتها، وفرشاة رسم صغيرة علقت سهواً بين خصلات شعرها، وعيناها الواسعتان تحملان بريقًا بريئًا ومشاكسًا في آن واحد.
قالت وهي تلهث بخفة:
"أستاذ… أقسم أنني لم أتأخر، الزمن هو من أسرع اليوم."
ضحك الفصل كله.
إلا عمر.
لكنه…
كاد يبتسم.
وهذا ما أزعجه.
رفع عينيه نحوها لأول مرة طويلًا.
فرآها كما لم يرَ أحدًا من قبل:
فتاة لا تمشي، بل تدخل المكان كما يدخل الضوء من نافذة قديمة.
ضحكتها صافية على نحو نادر.
وحين تتحدث، كأن الكلمات تختارها هي لا العكس.
وفي عينيها… شيء من الطفولة، وشيء من الحزن، وشيء ثالث… لم يفهمه.
قال ببرود متماسك:
"اجلسي يا آنسة لطرش. وتأكدي أن الزمن لا يركض وحده… نحن من نتأخر عنه."
جلست، لكنها ابتسمت.
ابتسامة صغيرة جدًا.
كأنها التقطت في صوته شيئًا لم يلتقطه غيرها.
بعد أيام، بدأ يراها في كل مكان.
في المكتبة، ترسم على هامش الكتب وجوهًا غامضة.
في النادي الأدبي، تقرأ نصوصًا كتبتها بصوت يجعل الكلمات حية.
في قاعة الموسيقى، تعزف بيانو قديمًا بإحساس يجعل حتى الحجارة تصمت لتسمع.
وكانت تضحك…
مع الجميع.
وهذا—
أثار في داخله شعورًا لم يعرفه.
حين رآها تمزح مع زميلها ياسين قادري في الساحة، وتضرب كتفه بخفة وهي تضحك، شعر بشيء حاد يعبر صدره.
انقباض.
ضيق.
امتعاض غير مبرر.
خفض بصره فورًا.
استغفر.
ثم لام نفسه بصمت:
"ما شأني أنا؟"
"هي مجرد تلميذة."
"قلبك ليس لعبة لهوى عابر."
لكنه في تلك الليلة…
قرأ نصف جزء من القرآن أكثر من عادته،
ركض مسافة أطول من المعتاد،
وحاول أن يرهق جسده…
فشلًا في إسكات قلبه.
وفي اليوم التالي…
وجد فوق مكتبه في قسم الأساتذة ورقة مطوية.
فتحها.
فوجد رسمة له.
هو نفسه—
واقفًا في ساحة فارغة، يحيط به ضوء خافت، وفي عينيه حزن عميق لم يكن يعلم أن أحدًا يراه.
وتحت الرسم كتبت عبارة بخط أنيق:
"بعض الرجال يشبهون الكتب المغلقة؛
كلما بدا غلافهم ساكنًا… كانت فصولهم أعنف."
لم يكن عليها اسم.
لكن في زاوية الورقة…
رسمت زهرة ياسمين صغيرة.
وكان يعرف تمامًا…
أن بَيسَم وحدها ترسم الياسمين بهذه الطريقة.
رفع رأسه ببطء.
ومن خلف زجاج النافذة…
كانت تقف بعيدًا في الساحة، تضحك مع صديقاتها تحت الشمس، وكأنها لا تعرف أنها منذ دخلت حياته… جعلت سكونه يرتبك.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة…
خاف عمر عبوري من قلبه.
سطور تائهة