الفصل الحادي والثلاثون: مصادفة تشبه النداء
في تلك الليلة…
بعد يوم النجاح الطويل، وبعد أن نام البيت أخيرًا وهدأت أصوات التهاني…
جلست بيسم قرب نافذتها.
الصيف في سطيف كان لطيفًا، والهواء يحمل دفء نهار انقضى للتو.
أخرجت هاتفها.
وكتبت له:
"أتعرف؟
اليوم رأيتك بعين مختلفة."
قرأ الرسالة، وابتسم وحده.
"وكيف كانت تلك العين؟"
"أكثر خطرًا على قلبي."
ضحك بصوت خافت.
ثم كتب:
"إذن يجب أن أعترف لك بشيء قد لا يعجبك."
توقفت أناملها.
قلبها انقبض فجأة.
"ماذا؟"
طال صمته هذه المرة…
ثم جاء الرد:
"قد أسافر قريبًا."
شعرت كأن شيئًا باردًا مرّ في صدرها.
جلست مستقيمة.
"تسافر؟ إلى أين؟ ولماذا؟"
"منحة تربوية قصيرة، ودورة أكاديمية في الخارج لعدة أشهر.
لم أكن أريد أن أخبرك اليوم حتى لا أفسد فرحتك… لكنني لا أحب أن أخفي عنك شيئًا."
نظرت إلى الشاشة طويلًا.
ذلك الفرح الذي ملأ قلبها منذ الصباح…
انكمش قليلًا.
"وأنت… موافق؟"
"ليس كل موافقة رغبة.
لكنها فرصة جيدة، وقد تفتح أبوابًا لمستقبلي… ومستقبل ما أريده لاحقًا."
فهمت قصده.
مستقبل يمكن أن يكون فيه مكان لها.
فابتسم قلبها رغم الألم.
لكنها كتبت:
"أشعر بالحزن."
"وأنا أشعر بثقله قبلك."
ساد صمت قصير…
ثم كتبت بيسم فجأة:
"غريب…"
"ماذا؟"
"أنا أيضًا قد أسافر."
استقام في جلسته.
"أنتِ؟"
"نعم.
إن شاء الله إن تم قبولي في برنامج صيفي جامعي قصير خارج الجزائر قبل بداية الدراسة."
اتسعت عيناه.
"إلى أين؟"
أرسلت اسم البلد.
تركيا
تجمّد.
قرأ الاسم مرة…
ثم ثانية…
ثم كتب بسرعة:
"مستحيل."
ارتبكت.
"ماذا؟"
"بعثتي أنا أيضًا إلى تركيا."
شهقت بصوت مسموع وهي وحدها في غرفتها.
"لا…!"
"بلى."
"أي مدينة؟"
جاء الرد:
إسطنبول
وضعت يدها على قلبها.
ثم كتبت بسرعة:
"أنا أيضًا!"
…
سكتا.
لأن بعض المصادفات…
لا تبدو مصادفات.
بل كأن شيئًا أكبر رتّبها بهدوء.
ثم جاءت رسالته:
"بيسم…"
"نعم؟"
"إن التقينا هناك، في بلد بعيد، بعد كل ما حدث… فهذه ليست صدفة عابرة."
حبست أنفاسها.
"بل ماذا؟"
تأخر رده…
ثم كتب:
"شيء يشبه النداء."
أغمضت عينيها، وابتسمت ابتسامة دافئة في العتمة.
ثم كتبت:
"إذن… ربما القدر يحبنا قليلًا."
رد فورًا:
"بل ربما يختبر صبرنا… ثم يفتح بابًا لم نتوقعه."
وفي آخر الليل، قبل أن يناما، أرسل لها تسجيلًا صوتيًا قصيرًا.
صوته خرج هادئًا، عميقًا، وفيه ابتسامة تسمعها الأذن:
"من القصبة… إلى إسطنبول…
من كان يظن أن طريقينا سيلتقيان هناك أيضًا؟
يبدو أنني لن أنجو منكِ حتى لو سافرت."
ضحكت بيسم حتى دمعت عيناها.
ثم أرسلت له:
"ولا أنا أريدك أن تنجو."
وفي مكانين مختلفين…
نام قلبان تلك الليلة على فكرة واحدة:
السماء أوسع من أن تجمع روحين صدفة مرتين.
سطور تائهة