الفصل الثلاثون: نجاحٌ… ولقاءٌ أول
بعد إعلان النجاح، لم يعد البيت بيتًا عند بيسم…
صار مهرجانًا صغيرًا من الفرح.
زغاريد أمها ارتفعت حتى ظنت الجارات أن عرسًا بدأ.
رسائل التهنئة انهالت عليها.
أقارب يزورون.
حلويات جزائرية على الطاولة: المقروط، والبقلاوة، وصحون لا تنتهي من الشاي والقهوة.
وفي وسط كل هذا الضجيج…
كان قلبها يفكر في شخص واحد فقط:
عمر.
في الليل، بعد أن هدأ البيت، كتبت له:
"نجحت… وما زلت أريد جائزتي."
قرأ الرسالة مبتسمًا.
"وما الجائزة التي تريدينها؟"
"أن أراك."
سكنت أصابعه لحظة فوق الهاتف.
ثم كتب:
"وأنا أيضًا أريد أن أراك… لكن هذه الخطوة يجب أن تكون نظيفة، مطمئنة، لا تفتح بابًا لشيء خاطئ."
وهذا ما أحبته فيه مرة أخرى.
حتى شوقه… كان مهذبًا.
ثم كتب:
"غدًا هناك حفل تكريم للناجحين في سطيف، وبعض الأساتذة سيكونون حاضرين.
سيكون لقاءً عامًا، محترمًا، آمنًا.
وسأراكِ هناك."
شعرت أن قلبها صار عصفورًا صغيرًا يضرب جناحيه في صدرها.
"حقًا؟"
"حقًا."
"وماذا سأفعل حين أراك؟"
ابتسم.
ثم كتب:
"حاولي فقط ألا ترفعي حرارة وجهك أمام الناس."
غطت وجهها وهي تضحك وحدها.
في اليوم التالي…
ارتدت بيسم لباسًا بسيطًا أنيقًا، فيه لمسة من روحها:
لون هادئ، عطر خفيف، ودفترها الأسود في حقيبتها.....
كأنها لا تستطيع أن تخرج بدونه.
كانت جميلة…
لكن جمالها هذه المرة كان أكثر نضجًا.
لا يشبه الطالبة التي كانت في القسم.
بل يشبه بداية امرأة.
أما عمر…
فكان متوترًا على نحو لم يعرفه من قبل.
هو الذي كان يدخل الأقسام بثبات، ويناقش أعقد الأفكار ببرودة أعصاب…
وقف أمام المرآة يبدّل ساعته مرتين.
ويرتب ياقة قميصه ثلاث مرات.
ثم ضحك من نفسه وقال:
"ثلاثون عامًا… وأرتبك كفتى في أول الطريق."
في قاعة التكريم…
كان الناس كثيرين.
لكن حين دخلت بيسم.....
وقعت عيناه عليها فورًا.
كأن قلبه صار يعرفها قبل عينيه.
وتوقف الزمن للحظة.
رآها…
لا كطالبة هذه المرة.
بل كامرأة شابة تقف على عتبة مستقبلها.
ورأته…
لا كأستاذ خلف مكتب.
بل كرجل تحبه، واقف في العالم الحقيقي.
تلاقى نظرهما…
وطال.
حتى اضطرت بيسم أن تخفض عينيها لأن قلبها كان يفضحها علنًا.
بعد الحفل، وبين ضجيج الناس، مرّ قربها للحظة قصيرة.
لم يقفا وحدهما.
لم يتجاوزا الأدب.
فقط لحظة خاطفة، قال فيها بصوت منخفض:
"مبارك يا بيسم… أنا فخور بكِ."
رفعت عينيها إليه.
وهمست:
"شكراً… لأنك كنت سندًا لا يعرفه أحد."
ثم.....بشجاعة صغيرة.....قالت:
"لكنني أريد جائزة أخرى."
رفع حاجبه مبتسمًا:
"ما هي؟"
ابتسمت بخجل:
"صورة…
أول صورة تجمعنا."
توقف قلبه لحظة.
ثم نظر حوله.....في مكان عام، في مناسبة محترمة، بين الناس.....
فقال:
"صورة نجاح… لا أكثر."
لكن قلبه كان يقول:
بل أول ذكرى رسمية لنا.
وقفا على مسافة مهذبة.
ابتسامة خفيفة منه…
وخجل مضيء منها…
والتقطت الصورة.
صورة عادية في ظاهرها....
لكن في الحقيقة…
كانت أول لحظة امتلك فيها قلباهما ذكرى ملموسة، لا مجرد رسائل وصوت ونظرات.
وفي تلك الليلة، فتحت بيسم الصورة طويلًا…
ثم كتبت تحتها في دفترها الأسود:
"اليوم لم أنجح في البكالوريا فقط…
بل نجحتُ في أن أراه واقفًا في عالمي… لا خلف باب الفصل."
سطور تائهة