الفصل التاسع: حين صار الشكُّ مرآة
قرأ عمر رسالة بيسم مرات عديدة:
"اليوم… نظرتُ في عيني رجل، وشعرت أنني رأيتك."
كان بإمكانه أن يرد.
أن يراوغ.
أن يغير الموضوع.
لكنه شعر أن أي كلمة سيكتبها الآن… قد تقرّبه خطوة لا يملك حق الاقتراب إليها.
فعل شيئًا لم يتوقعه من نفسه:
اختفى.
لم يرد تلك الليلة.
ولا الليلة التي بعدها.
توقفت رسائل ابن السبيل فجأة، كأن الصوت الذي صار جزءًا من يوم بيسم انطفأ بلا تفسير.
أما بيسم…
فكان الغياب يزعجها أكثر مما اعترفت لنفسها.
كل مساء، تدخل حساب بنت الحبر، تقرأ المحادثة القديمة، تعود إلى تعليقاته، ثم تخرج دون أن تكتب شيئًا.
لكن في قلبها…
كان سؤال يكبر:
"لماذا أشعر أنني أعرفه؟"
"ولماذا كلما تحدث عمر… سمعت صدى كلماته؟"
بدأت تراقب التفاصيل.
في الحصة، حين يشرح فكرة فلسفية عميقة، يستعمل أحيانًا عبارات تشبه كتابات ابن السبيل.
حين يذكر الطمأنينة، يقولها بنفس المعنى الذي كتب عنها ذلك الحساب.
حتى صورته وهو يقلب صفحات كتاب بهدوء… تشبه صورة الظل الغامضة في الحساب.
كانت الأدلة قليلة.
لكن قلبها.....
للأسف.....
كان يلتقط ما يفوته العقل.
في مساء الجمعة، أقيم معرض الطلاب الفني.
القاعة كانت مزدحمة، الأضواء دافئة، واللوحات معلقة على الجدران كأنها نوافذ لأرواح مختلفة.
في منتصف القاعة، كانت لوحة بيسم هي الأكثر جذبًا للنظر.
لوحة لرجل يقف عند نافذة مفتوحة، ظهره للعالم، وخلفه رفوف كتب ومصحف مفتوح وضوء فجر يتسلل إلى الغرفة.
لكن أكثر ما شد الناس…
أن ملامح الرجل لم تكن واضحة، ومع ذلك كان حضوره قويًا، مألوفًا… كأن الجميع يعرفه.
وفي أسفل اللوحة، كتبت:
"هناك رجال لا يدخلون القلب بصخب…
بل يتسللون إليه كدعاءٍ هادئ،
ثم يمكثون."
وقف عمر أمام اللوحة طويلًا.
أطول مما ينبغي.
كان يعرف.
هذه اللوحة عنه.
ليس لأن تفاصيلها تشبهه فقط…
بل لأن أحدًا لم يرَ تلك الزاوية الصامتة من روحه هكذا من قبل.
إلا بيسم.
بين الزحام، اقتربت منه بيسم بهدوء.
وقفت إلى جانبه، على مسافة تحفظ الأدب، وعيناها على اللوحة.
قالت بصوت منخفض:
"غريب… أليس كذلك؟"
سألها:
"ما الغريب؟"
قالت، وهي ما تزال تنظر أمامها:
"أن نشعر أننا نعرف شخصًا…
من دون أن نعرفه حقًا."
قبض قلبه.
ثم التفتت إليه فجأة.
وسألته:
"أستاذ… هل لديك حساب باسم ابن السبيل؟"
سقط الصمت بينهما كشيء ثقيل.
ارتفع حاجبا عمر قليلًا....ردة فعل صغيرة جدًا....لكن بيسم التقطتها.
ثم عاد وجهه ساكنًا.
وقال بهدوء يصعب قراءته:
"ولِمَ تسألين هذا السؤال؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها ارتباك وشجاعة:
"لأن الكلمات… لا تكذب."
ثم أضافت:
"وأنا بدأت أخاف أن قلبي فهم شيئًا قبل عقلي."
نظر إليها طويلًا.
لثوانٍ فقط.
لكن تلك الثواني كانت ممتلئة بكل ما لم يُقل.
ثم قال بصوت منخفض، صادق، يحمل حدودًا واضحة ومسؤولية لا يتخلى عنها:
"أحيانًا، يا بيسم…
القلب يسبقنا إلى أماكن يجب أن نمشي إليها بعقلٍ وروية.
لا بعجلة."
لم يجب عن سؤالها.
لكن جوابه… كان جوابًا أكبر من نعم أو لا.
وفي تلك الليلة.....
عاد إشعار إلى هاتف بيسم بعد غياب طويل.
رسالة من ابن السبيل:
"بعض الحقائق، حين تُعرف مبكرًا، تُثقِل القلب بدل أن تُريحه."
سطور تائهة