الفصل الثامن والعشرون: الأيام التي تركض
بعد آخر حصة…
تغيّر كل شيء بسرعة أربكت بيسم.
كأن الزمن، الذي كان يتمهل حين تكون في الصف، قرر فجأة أن يعدو بلا رحمة.
صار النهار أقصر،
والليل أثقل،
والكتب أعلى من أن تُحتضن كلها.
شهادة البكالوريا لم تكن امتحانًا فقط…
كانت جبلًا يجلس على صدر كل طالب.
في البيت، تحولت غرفة بيسم إلى عالم آخر:
أوراق مبعثرة.
ملخصات معلقة على الجدار.
أكواب قهوة وشاي.
دفترها الأسود… مغلق هذه المرة، لأن الخيال نفسه صار ينتظر انتهاء المعركة.
كانت تدرس حتى تؤلمها عيناها،
وتنام ساعات قليلة،
وتستيقظ مذعورة من فكرة:
"ماذا لو نسيت كل شيء؟"
"ماذا لو خذلت نفسي؟"
"ماذا لو…"
ذلك الـ"لو" كان أشد من كل المواد.
أما عمر…
فلم يعد يراها كل يوم.
وهذا الغياب…
كان امتحانه هو أيضًا.
لكنه كان حاضرًا بطريقة أخرى.
كل فجر تقريبًا، كانت تستيقظ على رسالة منه:
"اللهم افتح عليكِ فتوح العارفين، وشرحًا في الصدر، وثباتًا في الذهن. صباح الخير يا مجتهدة."
وفي الليل:
"نامي قليلًا… العقل المتعب يخون صاحبه. خذي بالأسباب، وتوكلي على الله."
وأحيانًا....
حين يشعر أنها على وشك الانهيار.....
يرسل لها تسجيلًا صوتيًا قصيرًا بصوته الهادئ:
"بيسم… لا تحملي الغد قبل أن يأتي.
اليوم يومه، وهذه الساعة لها حقها فقط.
خطوة خطوة… وستصلين بإذن الله."
وكان صوته…
أشد من الطمأنينة.
كأن قلبها كلما ارتبك، أعاده إلى مكانه.
لكن الضغط…
بقي قاسيًا.
في إحدى الليالي، بعد ساعات من المراجعة، انفجرت بيسم بالبكاء.
ليس لسبب واحد......
بل من تراكم التعب، والخوف، والاشتياق، والقلق.
أرسلت له رسالة قصيرة فقط:
"أنا متعبة جدًا."
قرأها عمر…
وقلبه انقبض.
اتصل بها مباشرة.....أول اتصال بينهما.
حين فتحت الخط، لم تتكلم.
سمع فقط أنفاسًا متقطعة وبكاءً مكتومًا.
فقال بصوته الخفيض:
"ابكي… لا بأس."
فبكت أكثر.
ثم همست:
"أخاف."
"من ماذا؟"
"من الرسوب…
من خيبة أمل أمي…
ومن أن ينتهي كل شيء جميل فجأة."
ساد صمت دافئ…
ثم قال:
"اسمعيني جيدًا يا بيسم…
أنتِ أقوى مما تظنين.
وأذكى مما تعترفين.
وأصدق من أن يضيع الله تعبك."
تنفست ببطء.
ثم أضاف:
"وأما أنا… فلست ذاهبًا إلى أي مكان."
توقفت أنفاسها.
"حقًا؟"
"حقًا.
اجتهدي الآن… ودعي الغيب لرب الغيب."
ثم.....وبنبرة خفيفة أراد بها أن يسرقها من خوفها....
قال:
"ثم إنني ما زلت أنتظر أن أهزمك في جدال جديد حول برشلونة."
ضحكت وسط دموعها.
"لن يحدث… الأبيض الملكي لا يُهزم."
ابتسم في الطرف الآخر:
"عادت بيسم التي أعرفها."
ثم جاء اليوم الأول من امتحان البكالوريا.
كانت القاعات ممتلئة بالرهبة،
والوجوه مشدودة،
والقلوب معلقة بين دعاء وخوف.
دخلت بيسم مركز الامتحان…
لكن قبل أن تدخل بدقائق، وجدت رسالة منه:
"ارفعي رأسك.
ادخلي بثبات.
ما كتب لكِ سيأتيكِ، وما فاتكِ لم يكن لكِ.
وأنا… فخور بكِ قبل النتيجة."
وقفت تقرأ الرسالة، وعيناها تلمعان.
ثم همست:
"ادعُ لي يا عمر."
وفي مكان آخر…
كان عمر في سجوده، يدعو باسمها كما لو أن نجاحها مسألة تخص قلبه شخصيًا.
سطور تائهة