الفصل الثاني والأربعون: سر بيسم … والليل الذي كشف كل شيء
في غياب عمر في بجاية…
كان البيت واقفًا....
لكن بيسم كانت تسقط بصمت.
منذ أشهر…
كانت تحمل سرًا ثقيلًا وحدها.
ألمٌ مبهم بدأ بإرهاقٍ غريب، ثم فحوصات، ثم مواعيد طبية متكررة كانت تختلق لها الأعذار، ثم كلمة واحدة قالتها الطبيبة بهدوء ثقيل:
"هناك ورم خبيث… ويحتاج إلى علاج عاجل."
في تلك اللحظة…
لم تفكر في نفسها أولًا.
فكرت في عمر.
في عينيه إن عرف.
في ارتجافة صوته.
في خوفه الذي سيأكله حيًا.
في عمله الذي عاد إليه بشغف.
في الأطفال.
فقررت.....
قرارًا يشبهها في حبها، ويشبه خطأها في تضحيةٍ لم يستشرها فيها أحد:
أن تصمت.
قالت لنفسها:
"بعد أن يعود… سأخبره."
ثم قالت:
"بعد أسبوع."
ثم:
"بعد المناسبة القادمة."
ثم…
صار الألم أسرع من تأجيلها.
بدأ وجهها يشحب قليلًا.
تعبها صار واضحًا.
ضعفت شهيتها.
أحيانًا تمسك حافة الطاولة كي لا تقع من الدوار.
لكنها كانت تبتسم إذا اتصل عمر، وتقول:
"أنا بخير."
وكان يصدقها…
لأنه أحبها مطمئنة، لا مكسورة.
وفي تلك الليلة.....
الليل الذي كان عمر غائبًا فيه.....
اشتد عليها الألم فجأة.
كانت ترتب سرير ابنتها الصغيرة حين توقفت أنفاسها لحظة، ووضعت يدها على جانبها، ثم جلست ببطء على الأرض.
سمعتها ابنتها تنادي:
"ماما؟"
رفعت رأسها بصعوبة وابتسمت ابتسامة متعبة:
"أنا بخير يا صغيرتي… فقط دوخة بسيطة."
لكنها لم تكن بخير.
خلال دقائق، اشتد عليها الوهن، وصار الكلام ثقيلًا، والتنفس مرهقًا.
ارتبك الأطفال.
ابنها الأكبر أمسك الهاتف بيد ترتجف، واتصل بالإسعاف.
وفي دقائق قليلة.....
دخل المسعفون البيت، وحملوا بيسم على نقالة، بينما عيناها نصف مغمضتين، وشفاهها تهمس باسم واحد فقط:
"عمر…"
في الطريق إلى المستشفى في سطيف…
رن هاتفها في حقيبتها.
كان المتصل:
عمر
رنّ مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
لا أحد يجيب.
في بجاية، وقف عمر فجأة من مجلسه.
شيء في قلبه انقبض بعنف.
اتصل مرة أخرى.
لا رد.
ثم أتته رسالة قصيرة من رقم ابنه:
"بابا… ماما في المستشفى. تعال بسرعة."
…
سقط الهاتف من يده.
وشحب وجهه.
"بيسم؟"
همسها كأنها دعاء.
وفي أقل من دقائق.....
كان قد خرج، لا يرى الطريق من شدة الرعب.
كل ما في رأسه سؤال واحد:
ماذا حدث لروحه؟
وفي غرفة بيضاء باردة…
فتحت بيسم عينيها بصعوبة.
كانت الأجهزة حولها تهمس بأصوات منتظمة.
والطبيبة قربها تقول:
"كان يجب أن تبدئي العلاج منذ وقت… لماذا أخفيتِ الأمر؟"
انسابت دمعة بطيئة من عينها.
وهمست:
"لأنني أعرف قلب زوجي…
وكان يكفيني أن أراه سعيدًا قليلًا قبل أن ينكسر."
لكنها لم تكن تعرف.....
أن عمر في تلك اللحظة، وهو يقطع الطريق عائدًا إليها، كان قلبه قد بدأ ينكسر بالفعل…
دون أن يعرف بعد لماذا.
سطور تائهة