الفصل الثالث: حين خانَهُ لسانُه
في صباحٍ مشبع بضوءٍ شاحب، دخل عمر عبوري إلى قسم السنة النهائية في ثانوية الأمير عبد القادر بخطواته الهادئة المعتادة، يحمل كتاب الفلسفة بيده اليمنى، ومجموعة أوراق بيده الأخرى.
كان يبدو متماسكًا كما هو دائمًا.
لكن في داخله…
كان شيء ما مضطربًا.
منذ إشاعة الأمس، صار اسم بَيْسَمْ لطرش يمر في الممرات على ألسنة الطلاب كأنه خبر عام، وهو .... رغم أنه أقنع نفسه أنها مجرد كلمات عابرة .... لم يستطع أن يمنع ذلك الشعور الثقيل من الاستقرار في صدره.
دخل القسم.
ألقى السلام.
ثم بدأ الدرس.
على السبورة، كتب بخط واضح:
"الحب بين العقل والانفعال"
وفور أن قرأت بَيْسَمْ العنوان، رفعت رأسها.
شيء في عينيها اشتعل.
لم تكن يومًا منتبهة لدرس كما هي اليوم؛ جلست مستقيمة، عيناها معلقتان بكل كلمة يقولها، والقلم بين أصابعها يركض فوق الورقة كأنه يطارد أفكاره.
قال عمر بصوته الهادئ:
"حين يتحدث الفلاسفة عن الحب، فهم لا يتحدثون فقط عن الميل، بل عن الصراع الذي يخلقه داخل الإنسان… بين ما يريد، وما يجب."
كانت بَيْسَمْ تسمع، وكأن الكلمات خُلقت لتصل إليها وحدها.
رفعت يدها.
أذن لها.
قالت بصوت خافت لكنه واضح:
"أستاذ…
هل يمكن للإنسان أن يحب شيئًا جميلًا… ثم يبتعد عنه لأنه يخافه؟"
ساد صمت قصير.
السؤال أصابه في مكان حساس، مكان لم يرد أن يقترب منه.
رفع عينيه إليها.
فرأى فيهما فضولًا صادقًا… وبريقًا لم يفهمه.
ثم ..... دون أن يشعر ..... خرجت منه كلمة قاسية أكثر مما قصد:
"أحيانًا، بعض الناس يخلطون بين الحقيقة والوهم…
بين المشاعر الصادقة، والكلام الذي تصنعه الإشاعات والخيالات."
سكنت القاعة.
ثم تابع، بصوت أكثر جمودًا:
"ليس كل ما يُقال عن شخص يستحق الالتفات إليه، ولا كل ما يُبنى في الرأس يستحق أن يُسمى شعورًا."
أحد الطلاب في الخلف همس باسم بَيْسَمْ ضاحكًا، وآخر التقط طرف الإشاعة القديمة.
وفجأة
انفجر بعض الصف بالضحك.
ضحكة جماعية قصيرة… لكنها كانت كالسهم.
تجمّدت بَيْسَمْ مكانها.
اختفى ذلك البريق من عينيها دفعة واحدة.
احمرّ وجهها.
ثم وقفت.
أغلقت دفترها بعنف خفيف.
وخرجت من القسم دون استئذان.
بسرعة.
بسرعة جعلت كرسيها يرتطم بالطاولة.
ولمّا مرّت قرب الباب، لمح عمر شيئًا هزّه من الداخل:
عيناها…
كانتا ممتلئتين بالدموع.
سكت الصف كله.
أما عمر
فتجمّد في مكانه.
لقد فهم متأخرًا.
كلماته… أصابتها هي.
في الساحة الخلفية للثانوية، خلف شجرة سرو قديمة، كانت بَيْسَمْ تحاول أن تتنفس.
لكن صدرها ضاق.
أنفاسها تسارعت.
يديها بدأتا ترتجفان.
والأرض بدت وكأنها تميل تحت قدميها.
جلست على المقعد الحجري وهي تضم صدرها، تحاول أن تأخذ نفسًا… ثم آخر… فلا تستطيع.
دموعها انهمرت بصمت.
جاءت زميلتها سهيلة تركض نحوها، وما إن رأت حالتها حتى شحب وجهها.
همست بفزع:
"يا ربي… بَيْسَمْ!"
ثم جرت فورًا إلى القسم.
فتحت الباب بلا استئذان وقالت بصوت مرتجف:
"أستاذ عمر! بَيْسَمْ ليست بخير… في الساحة… لا تستطيع التنفس!"
وفي تلك اللحظة
ترك عمر عبوري الطبشور يسقط من يده.
لم يكمل جملة.
لم يشرح شيئًا.
خرج من القسم مسرعًا على نحو لم يره فيه أحد من قبل.
بخطوات واسعة، وجهه شاحب، وقلبه يخفق بعنف.
لم يكن يفكر إلا في شيء واحد:
"يا رب… فقط اجعلها بخير."
وحين وصل…
رآها.
جالسة على المقعد الحجري، منكفئة على نفسها، ترتجف، وأنفاسها متقطعة، ودموعها تبلل وجنتيها.
وفي تلك اللحظة.....
شعر عمر بشيء حاد يمزقه من الداخل:
الندم.
لأنه كان سبب هذا الانكسار.
سطور تائهة