الفصل الثالث عشر: حديثٌ بين جدارين… وحديثٌ بين قلبين
كان ذلك اليوم طويلًا على غير العادة.
انتهت الحصص، وخفّت ضوضاء الممرات شيئًا فشيئًا، حتى غدت المدرسة ساكنة على نحو جميل؛
هدوءٌ تتخلله خطوات متباعدة، وصوت ريح خفيف يمر عبر النوافذ القديمة.
بقيت بيسم بعد الدوام في القاعة الفنية، ترتب لوحات مبعثرة وأوراقًا ملونة تركها الطلاب على عجل.
كانت وحدها.
أو هكذا ظنت.
بينما كانت تقف على كرسي صغير لتحاول تثبيت لوحة أعلى الجدار، اختل توازن الكرسي فجأة.
وقبل أن تسقط.....
امتدت يد ثابتة أمسكت طرف اللوحة أولًا، ثم قال صوت هادئ تعرفه جيدًا:
"انزلي… قبل أن تتحول الفلسفة إلى إسعافات أولية."
التفتت بسرعة.
عمر.
واقف كعادته بهدوئه المربك، قميصه الأبيض مطوي الأكمام قليلًا، وكتاب تحت ذراعه.
نزلت عن الكرسي وهي تضحك:
"كنت أتحكم في الوضع."
رفع حاجبًا:
"واضح."
ابتسمت.
ثم ساد صمت قصير…
صمت لم يكن ثقيلًا، بل غريبًا؛
لأنها للمرة الأولى معه في مكان فارغ، بلا ضجيج صف، بلا عيون، بلا همسات.
فقط هما… ومسافة من الأدب، وكلمات لم تُقل بعد.
نظر إلى اللوحات المبعثرة، ثم قال:
"هذه كلها لكِ؟"
هزت رأسها.
اقترب قليلًا من لوحة نصف مكتملة:
سماء ليلية، نافذة مضاءة، وظل رجل جالس يقرأ.
قال بصوت منخفض:
"في رسوماتك… دائمًا ضوء في مكان مظلم."
نظرت إليه.
ثم قالت:
"لأنني أؤمن أن كل شيء مظلم… فيه نافذة ما."
رفع عينيه إليها.
ابتسم تلك الابتسامة الصغيرة التي لا يمنحها إلا نادرًا.
ثم....لأول مرة.....قال بشيء من المزاح:
"حتى مشجعي ريال مدريد؟"
ضحكت بصوت عالٍ.
ضحكة صافية ارتدت بين الجدران القديمة.
وللمرة الأولى منذ زمن، ضحك عمر معها… لا عليها، ولا بخجل… بل معها.
ضحكة حقيقية.
ولثانية خاطفة، نسيا كل شيء:
الحدود،
الهمسات،
والحذر الذي عاش بينهما طويلًا.
لكن وقع خطوات في الممر أعاد الوعي إلى المكان.
فاستقام عمر فورًا، وعاد إلى وقاره المعتاد.
قال بهدوء:
"أكملي عملك… ولا تصعدي على الكراسي وحدك."
"أمر، سيدي الفيلسوف."
"هذه سخرية؟"
"هذه محبة معرفية."
هز رأسه مبتسمًا ومضى.
لكن قبل أن يخرج، التفت نصف التفاتة وقال:
"بيسم."
"نعم؟"
"اعتني بنفسك."
وغادر.
وتركت جملته أثرًا دافئًا في قلبها حتى الليل.
وفي تلك الليلة…
عاد الحديث بين ابن السبيل وبنت الحبر أكثر هدوءًا من المعتاد.
كتبت بيسم:
"ما حلمك؟
حلمك الحقيقي… لا ما يقوله الناس عنك."
ظل عمر ينظر إلى السؤال طويلًا.
ثم كتب:
"أن أعيش حياة بسيطة.
بيت فيه مكتبة كبيرة.
غرفة يدخلها ضوء الفجر.
زوجة صالحة تكون سكنًا لا صخبًا.
أطفال أصنع لهم ذكريات جميلة.
وأن أموت… وأنا مطمئن أنني لم أؤذِ قلبًا وضعه الله في طريقي."
قرأت بيسم الرسالة… وشعرت بعينيها تلمعان.
ثم كتبت:
"هذا جميل جدًا."
ثم أضافت:
"أنا أحلم ببيت فيه بيانو قرب نافذة كبيرة، وجدار أعلّق عليه رسوماتي، وزاوية قهوة، وشخص… أضحك معه حتى وأنا أبكي."
قرأ عمر الجملة ببطء.
ثم كتب:
"هذا الشخص… كيف تتخيلينه؟"
ترددت.
ثم كتبت بصراحة أربكتها هي نفسها:
"هادئًا… لكن حين يضحك أشعر أنني فزت بشيء نادر.
قويًا… لكن لطيفًا مع هشاشتي.
متدينًا… لأن قلبي يميل للنور.
وغامضًا قليلًا… حتى أبقى أكتشفه."
توقف عمر عن التنفس لحظة.
لأن كل كلمة…
كانت تصفه.
ثم كتبت:
"وأنت؟
كيف تتخيل المرأة التي تريدها؟"
نظر إلى الشاشة طويلًا…
وطيف بيسم في ذهنه:
ضحكتها،
جنونها اللطيف،
روحها الطفولية،
وقلبها الذي صار يعرفه أكثر مما ينبغي.
ثم كتب:
"تشبه حلمًا لم أكن أبحث عنه… ثم وجدته."
وساد صمت جميل…
ثقيل…
ومليء بما لا يُقال.
سطور تائهة