الفصل العشرون: وجهان جديدان
في صباحٍ بدا عاديًا…
استيقظت المدرسة على شيء جديد.
لا أحد يعرف لماذا كان الممر أكثر ضجيجًا، ولا لماذا تجمّع الطلاب قرب الساحة، ولا لماذا كانت الوجوه تتبادل نظرات الفضول.
لكن الخبر انتشر سريعًا:
أستاذان جديدان.
دخل الأول بخطوات هادئة وواثقة.
شاب في أواخر العشرينات، قامة طويلة، ملامح لطيفة، عينان ذكيتان فيهما بريق حياة، وصوت دافئ يحمل خفة روح واضحة.
اسمه:
ياسين بن قانة.
منذ ساعته الأولى، كسب القلوب بسهولة.
في غرفة الأساتذة، ألقى السلام بابتسامة واسعة.
في القسم، قدّم نفسه بأسلوب جعل حتى أكثر الطلاب مللًا يرفع رأسه.
وحين استشهد ببيت شعر، ثم تبعه بنكتة خفيفة عن نفسه، انفجر الصف ضاحكًا.
حتى بيسم…
ضحكت.
ضحكة صافية لفتت نظره.
نظر إليها لحظة أطول مما ينبغي، ثم أكمل حديثه.
وفي الظهيرة، دخلت الشخصية الثانية.
كانت آمنة بن دريس على نقيض الضجيج؛
هدوء يمشي على قدمين.
لباسها محتشم أنيق، نظرتها ثابتة، وصوتها ناعم لكن واضح، يحمل ثقافة وهيبة معًا.
لم تحاول أن تبهر أحدًا…
لكن حضورها وحده كان كافيًا.
وفي أول اجتماع تربوي قصير…
جلست قرب عمر.
وبينما كان الجميع يتحدث، لفتها شيء واحد:
سكوته.
ليس صمت فراغ…
بل صمت رجل ممتلئ بشيء عميق.
ثم سمعته يناقش نقطة تربوية بدقة وأدب، دون استعراض.
فنظرت إليه نظرة فيها احترام صادق.
ومن تلك اللحظة…
انتبهت إليه.
بعد أيام قليلة، بدأت الخيوط تتحرك.
في النادي الأدبي، كانت بيسم تعرض نصًا كتبته.
وحين انتهت، قال ياسين بإعجاب واضح:
"من كتب هذا… لا يكتب بالحبر، بل بشيء من القلب."
ابتسمت بيسم بخجل.
ثم دار بينهما حديث عن الكتب، وعن الرسم، وعن الموسيقى.
وكان ياسين قريبًا من عالمها بشكل يزعج الحقيقة نفسها.
من بعيد…
كان عمر يمر.
فرآهما.
بيسم تضحك.
ياسين ينظر إليها باهتمام واضح.
والكلام بينهما منساب بسهولة.
شعر ذلك الانقباض القديم…
لكنه هذه المرة أقسى.
لأن ياسين ليس لاعبًا بعيدًا، ولا صديقًا عابرًا.
بل رجل حقيقي…
قريب.
موجود.
ويملك أشياء لا يملكها عمر:
الخفة،
سهولة الكلام،
والقدرة على الانسجام مع عالم بيسم دون خوف أو تردد.
خفض بصره ومشى.
لكن قلبه كان ثقيلًا.
أما في الجهة الأخرى…
كانت بيسم تمر قرب الإدارة، حين سمعت صوتًا تعرفه.
صوت عمر.
توقفت.
ومن خلف الباب المفتوح قليلًا، رأته واقفًا يتحدث مع آمنة.
وكان… يبتسم.
ليس ابتسامته الخاطفة الصغيرة…
بل ابتسامة هادئة، مرتاحة، وهو يناقش معها كتابًا باللغة الإنجليزية وترجمة فكرة فلسفية.
وكانت آمنة تنظر إليه بإعجاب لا تخطئه عين امرأة.
تجمّدت بيسم مكانها.
وشعرت لأول مرة بشيء لاذع في صدرها.
غيرة.
ثقيلة.
مؤلمة.
همست لنفسها:
"لماذا تبتسم لها هكذا؟"
ثم أدركت.....
هذا ليس سؤالًا عاديًا.
هذا سؤال امرأة بدأ قلبها يتعلق أكثر مما ينبغي.
وفي الليل…
فتحت المحادثة مع عمر.
كتبت:
"كيف كان يومك؟"
جاء الرد:
"طويلًا."
"حدث شيء جديد؟"
"أستاذان جديدان."
ثم سألها:
"وأنتِ؟ كيف كان يومك؟"
حدقت في الشاشة.
ثم كتبت ببرود مصطنع:
"ممتعًا.
تحدثت طويلًا مع الأستاذ ياسين… يبدو لطيفًا جدًا."
…
في الطرف الآخر....
استقام عمر في جلسته فجأة.
وفي قلبه اشتعل شيء صامت.
ثم كتب:
"حقًا؟"
وفي الجهة الأخرى.....
كتبت بيسم بعدها مباشرة:
"وأنت؟
تبدو منسجمًا مع الأستاذة آمنة."
وسقط السؤال بينهما…
كشرارة على قش جاف.
سطور تائهة