الفصل الثالث والأربعون: الرسالة الأخيرة إلى الكتالوني ابن السبيل
في الطريق بين بجاية وسطيف…
لم يكن عمر يقود....
كان يركض بقلبه.
يداه ترتجفان على المقود.
عيناه حمراوان.
أنفاسه متقطعة كأن صدره صار ضيقًا على الهواء.
كل دقيقة كانت سكينًا.
كل إشارة حمراء كانت عدوًا.
كل سيارة أمامه كانت جدارًا بينه وبين روحٍ تنتظره.
اتصل بالمستشفى عشرات المرات.
وفي كل مرة، كان يسأل السؤال نفسه بصوت مرتعش:
"هل ما زالت بخير؟"
ثم صار السؤال:
"هل ما زالت واعية؟"
ثم…
صار بصوت خافت جدًا:
"هل… ما زالت تنتظرني؟"
وفي غرفة بيضاء هادئة في سطيف…
كانت بيسم أهدأ من الألم.
كأن شيئًا فيها سلّم أمره لله.
وجهها صار شاحبًا، نعم.....
لكن عينيها بقيتا جميلتين كما عرفهما عمر أول مرة في حصة فلسفة بعيدة.
حولها أطفالها يبكون بصمت.
وأمها تقرأ القرآن بصوت متهدج.
أما هي…
فكانت تنظر إلى الباب.
كلما فُتح.....
رفعت عينيها.
ثم تخفضهما حين لا تجده.
وفي آخر مرة فتحت عينيها، همست:
"هل… وصل عمر؟"
قيل لها:
"قريب…"
فابتسمت ابتسامة صغيرة.
ابتسامة امرأة أحبت رجلًا حتى آخر نبضة رجاء.
ثم طلبت ورقة.
وقلمًا.
وبيد مرتجفة.....
كتبت رسالتها الأخيرة.
كانت تعرف أن الوقت صار أقل من الكلام.
فكتبت قلبها كله.
ثم أغلقت الورقة…
وكتبت على ظاهرها:
إلى الكتالوني ابن السبيل…
من التي أحبته أكثر مما قالت.
وبعد دقائق…
هدأت أنفاسها.
هدأت جدًا.
وسكن وجهها على طمأنينة غريبة.
كأنها نامت أخيرًا بعد تعب طويل.
وصل عمر…
لكن متأخرًا.
دخل المستشفى كالعاصفة.
يركض في الممرات، يسأل، يلهث، يكاد يسقط.
حتى فتح الباب.
ورآها.
ساكنة.
هادئة.
بعيدة على نحو لا يقدر عليه بشر.
توقف العالم.
وقف هو…
لا يصرخ.
لا يبكي.
فقط ينظر.
كأن عقله يرفض الحقيقة.
اقترب ببطء.
جلس قربها.
أخذ يدها الباردة بين كفيه.
ثم همس بصوت مكسور:
"أنا هنا يا بيسم…
عدت…
قومي الآن، فقد تأخرتُ، وها أنا أعتذر… قومي فقط."
لكن الصمت…
كان الجواب الوحيد.
انحنى، ووضع جبينه على يدها، وبكى.
بكاء رجل فقد وطنه، لا امرأة فقط.
ثم ناولته أمها الورقة.
"تركتها لك."
فتحها بيد ترتجف…
وقرأ:
إلى الكتالوني ابن السبيل…
إلى الرجل الذي جاءني أولًا أستاذًا، ثم صار لي دعاءً، ثم وطنًا.
أحببت فيك وقارك الذي كان يخفي طفلًا يضحك من قلبه.
أحببت غيرتك من لاعب بعيد لأنني قلت يومًا إنني معجبة بأخريب.
أحببت جدالك العنيد حين كنت تدافع عن برشلونة كأنك تدافع عن قضية أمة، وكنت أغيظك بـ ريال مدريد عمدًا فقط لأسمع صوتك يشتعل.
أحببت أنك إذا أحببت… أحببت بما يرضي الله.
أحببت أنك كنت تخاف عليّ أكثر مما تشتهي قربي.
أحببت أنك حين رأيتني ضعيفة، صرت أقوى لأجلي.
وحين كنت أنا قوية، كنت تسندني كأن القوة حق لي.
أحببت قراءتك للقرآن في الفجر.
أحببت يدك حين تحمل أبناءنا بحنان يناقض هيبتك.
أحببت صمتك… لأنه كان مليئًا بي.
وأحببت في الكتالوني ابن السبيل شيئًا لم أستطع وصفه:
أنه كلما ابتعدت عنه… عدت إليه في قلبي أكثر.
سامحني لأنني أخفيت مرضي.
لم أرد أن أراك تنكسر قبلي.
إن قرأت هذه الرسالة… فاعلم أنني مت وأنا أحبك، مطمئنة أن الله رزقني رجلًا لو كُتب الحب مرة أخرى، لاخترته مرة أخرى.
وحين ترى السماء بعد المطر… ابتسم.
فربما أكون قد مررت هناك، أدعو لك بالسكينة.
زوجتك التي ستظل تشجع الأبيض الملكي… حتى في الغياب.
بيسم
…
لم يستطع عمر إكمال القراءة.
ضم الورقة إلى صدره…
وأغمض عينيه.
ثم قال، بصوت خرج كأن روحه تتكلم:
"ذهبتِ…
وتركتِني حيًا بنصف قلب."
وفي تلك الليلة…
عاد إلى البيت.
دخل غرفة كانت فيها ضحكتها، ودفترها الأسود، وآثارها الصغيرة في كل زاوية.
جلس مكانها.
وفتح مصحفًا كانت قد وضعت فيه وردة يابسة.
فبكى…
لكن هذه المرة، بين الدموع، ابتسم ابتسامة موجوعة هادئة.
لأنه عرف شيئًا واحدًا:
بعض الحب لا ينتهي بالفراق…
بل يتحول إلى أثرٍ يسكن العمر كله.
سطور تائهة