الفصل الأربعون: ما بعد كلمة "نعم"
مرت السنوات…
لا بسرعة الحكايات،
ولا ببطء الانتظار القديم.....
بل بسرعة الحياة حين تمتلئ.
في بيتٍ هادئ في سطيف، بنوافذ واسعة تطل على ضوء الصباح، بدأت حياة عمر وبيسم كما تمنّياها:
بسيطة…
وفيها دفء…
وفيها كثير من الضحك الذي كان ينقص عمر في شبابه.
امتلأ البيت بصوت أقدام صغيرة، ودفاتر رسم متناثرة، وكتب فلسفة بجانب قصص أطفال، وكرات قدم صغيرة تحمل شعار شبيبة القبائل، وأخرى عليها لون ريال مدريد لأن بيسم رفضت أن تتنازل حتى بعد الزواج.
وكان كل خلاف بينهما ينتهي بالضحك.
رزقهما الله أطفالًا…
طفلًا أول حمل وقار أبيه وعيني أمه الحالمة.
ثم بنتًا ورثت من بيسم شغف الرسم، ومن عمر سكينة الروح.
ثم طفلًا ثالثًا جاء مشاغبًا، يملأ البيت فوضى جميلة.
وكان عمر.....
الذي عرفه الناس صارمًا.....
يصير بين أطفاله رجلًا آخر:
يزحف على الأرض معهم،
يقرأ لهم القصص بصوت تمثيلي مضحك،
ويعلّمهم الفاتحة والصدق والرفق،
ثم يركض خلفهم في الحديقة كأن الثلاثين التي تجاوزها مجرد رقم.
وكانت بيسم تنظر إليه أحيانًا وتفكر:
"الحمد لله الذي جعلني أصبر حتى رأيت هذه النسخة منه."
لكن…
الحياة لا تعطي النور بلا ظل.
سليم لم يكن صفحة أُغلقت.
بل جرحًا ظلّ يفتح نفسه كلما ظنّ عمر أنه التأم.
عاد ذلك الماضي في صور مختلفة:
رسائل غامضة.
ملاحقات غير مفهومة.
أسرار قديمة بدأت تخرج إلى السطح، لا لتدمّر عمر هذه المرة.....
بل لتمتحن البيت كله.
وفي ليلة شتوية ثقيلة…
جلس عمر أمام بيسم، وملامحه تحمل ذلك الوجه القديم الذي عرفته في إسطنبول.
قال:
"هناك ملف قديم…
شيء دفنته منذ سنوات، لكنه عاد."
وضعت يدها فوق يده.
لم تعد تلك الفتاة التي تهرب من الخوف.
صارت امرأة مشت معه في النار وخرجت أصلب.
وقالت بثبات:
"هذه المرة… لن تواجهه وحدك."
رفع عينيه إليها.
فرأى فيها وطنًا.
ثم دخل أبناؤهما فجأة يركضون، يتشاجرون على من يشجع برشلونة ومن يشجع ريال مدريد، بينما واحد منهم كان يصرخ:
"وأنا أشجع شبيبة القبائل مثل بابا!"
فضحكت بيسم.
وضحك عمر رغم ثقله.
وفهم شيئًا مهمًا:
حين كان وحده، كان الماضي يطارده.
أما الآن....فلديه ما يقاتل من أجله.
وفي تلك الليلة…
كتبت بيسم في دفترها الأسود، الذي صار قديمًا مهترئ الأطراف:
"ظننت أن الزواج نهاية الرواية…
فاكتشفت أنه الفصل الأصعب والأجمل.
ففي الحب قبل الزواج، تقاتل لتصل.
وفي الحب بعد الزواج، تقاتل لتبقى.
وقد اخترنا.....أنا وعمر.....أن نقاتل معًا."
وهنا… تبدأ رواية أخرى داخل الرواية.
سطور تائهة