الفصل العاشر: حين سقط الاسم المستعار
ظلّت بيسم تحدّق في رسالة ابن السبيل طويلًا.
"بعض الحقائق، حين تُعرف مبكرًا، تُثقِل القلب بدل أن تُريحه."
قلبها كان يعرف.
عقلها كان يرفض أن يصدق.
أما روحها… فكانت هادئة على نحو غريب، كأنها منذ البداية كانت تمشي نحو هذه الحقيقة.
كتبت:
"أنت تعرفني."
وصلها الرد بعد دقائق:
"نعم."
ارتجفت أصابعها فوق الشاشة.
كتبت بسرعة:
"وأنا أعرفك؟"
هذه المرة، تأخر الرد.
طويلًا…
حتى ظنت أنه تراجع.
ثم ظهر:
"تعرفين الجزء الذي سمحتُ له أن يُرى."
شهقت بصمت.
كتبت:
"عمر؟"
سكون.
ثم…
"نعم، أنا عمر."
توقفت أنفاسها للحظة.
ليس لأن الأمر فاجأها تمامًا.....
بل لأن قلبها حين تأكد… ارتبك بطريقة جميلة ومخيفة معًا.
حدقت في الاسم.
ثم، بدلًا من الكلمات الكبيرة، كتبت أول ما خطر ببالها:
"كنت أعرف."
قرأ عمر الرسالة، وابتسم لأول مرة لهاتفه كأحمق بسيط، لا كرجل متزن يعرف دائمًا ما يقول.
رد:
"منذ متى؟"
جاءه الرد فورًا:
"منذ كتبتَ: «بعض الصمت امتلاء يخشى أن يفيض».
لا أحد يكتب بهذه الطريقة… إلا رجل يشرح الفلسفة وكأنه يعترف دون أن يدري."
ضحك عمر بصوت خافت.
ضحكة قصيرة، نادرة، لكنها حقيقية.
ثم كتب:
"إذن كنتِ أذكى مما ظننت."
ردت بسرعة:
"بل أنت كنت سيئًا جدًا في التخفي."
"هل هذه إهانة؟"
"هذه حقيقة فلسفية."
"أراكِ تستعملين الفلسفة ضدي."
"وأراك تستعمل اسمًا مستعارًا لتتحدث إلى تلميذتك."
توقفت أصابعه.
ثم كتب بصراحة:
"كنت أتحدث إلى روح… لا إلى لقب."
سكتت بيسم طويلًا.
ثم كتبت:
"هذا أجمل شيء قلته لي."
شعر عمر أن قلبه لامس شيئًا رقيقًا جدًا داخله.
ومنذ تلك الليلة…
صار بينهما حديث مختلف.
خفيفًا أحيانًا،
عميقًا أحيانًا،
ومضحكًا على نحو لم يكن أحد يتوقعه من عمر.
بيسم:
"هل أنت دائمًا بهذه الرسمية؟"
عمر:
"في الغالب."
بيسم:
"حتى عندما تأكل؟"
عمر:
"خصوصًا عندما آكل."
بيسم:
"أتخيلك تقول للبوراك: السلام عليكم، هل تسمحين لي بتذوقك؟"
ظل ينظر إلى الرسالة ثواني…
ثم انفجر ضاحكًا وحده.
ورد:
"أنتِ مستحيلة."
"وأنت تضحك، صحيح؟"
"لا."
"كاذب."
"قليلًا."
"أحببتُ قليلًا هذه."
ولما قرأ كلمة "أحببتُ"…
توقف قلبه لحظة قبل أن يكمل.
في الواقع، في المدرسة، بقيت الحدود واضحة ومحترمة:
حديثها معه داخل القسم أكاديمي ومهذب، ونقاشهما في العلن ضمن الإطار التعليمي، بلا خلوة ولا تجاوز.
لكن عبر الكلمات المكتوبة… صار كل واحد منهما يرى الآخر بوضوح أكبر: أفكاره، روحه، حسّه الفكاهي، وما يخبئه خلف هدوئه أو ضحكها.
واكتشف عمر شيئًا أخافه وأفرحه معًا:
أنه لم يعد يغار من ريان بالطريقة نفسها…
لأن بيسم كل ليلة، قبل أن تنام، ترسل له رسالة واحدة فقط:
"تصبح على خير… يا ابن السبيل."
ويرد هو:
"وعليكِ السلام والطمأنينة… يا بنت الحبر."
سطور تائهة