الوميض الحائر ١

الوميض الحائر ١

44 0

١٠٣ _البعبع قرّب يا عالم، والدنيا رح تنقلب قبر مفتوح!!! الكل يبلّش يكتب وصيته بدمّه... لأن البعبع ما بيسأل.. هو بيجي يمزّق، يقطع، يخلي الوجه خرابة والصرخة محبوسة بين الأسنان. عند منتصف الليل من إحدى مباني "نبراس"، في قسم العاملين تحديدًا، استيقظت هاجر من نومها على وقع كلماتٍ مذعورة تخترق الجدران. كلمات مشبعة بالهذيان، تخرج كالنصل من فم أحد المرضى. وكانت الغرفة المشتركة التي تقيم بها مع إبراهيم تخلو منه في تلك اللحظة، مما أشعل في صدرها قلقًا مكتومًا. _وشّه ما بينشاف، بس صوت رجليه متل منشار بيشرّخ روحك قبل ما يمسك جسدك. البعبع ما بيقتل وبس، هو بيفتح صدرك بأصابعه، بيغمس إيده بقلبك، وبيضحك... وإنت بتشوفه يعصر نبضك نقطة... نقطة...!!! نهضت هاجر بتثاقلٍ آلي، وارتدت ملابسها بهدوء اعتادت عليه في مثل تلك اللحظات؛ فمنذ انضمامها إلى نبراس، لم تكن تلك الأصوات بالجديدة على مسامعها. اعتادت على حالات الصراخ والانفجارات النفسية والنوبات التي تصيب المرضى والناجيين، من يلعنون أو يغنون أو يهربون إلى العدم في منتصف الليل. كانت نوبات تتكرر وثد اعتادت عليها، لكنها أبدًا لم تكن عادية. خرجت من الغرفة بخطى سريعة، يرافقها توتر غريزي لم تفهم سببه. وما إن خطت بضع خطوات في الممر حتى ارتطمت أذناها بصوتٍ آخر، أعنف وأشد وطأة، كأنّ المريض بدأ يضرب الأبواب والجدران بقبضاته أو رأسه، لا فرق، فالصوت كان ينذر بالانفجار. _الليلة مو زي غيرها... هاي ليلة السكاكين الباردة، ليلة الأصوات المقطوعة، ليلة العيون اللي بتنقلب بياض قبل ما تنغرز فيها مخالبه. كل باب مسكّر رح ينكسر، كل ضهر مداري رح ينكسر، هو ما بيفتح، هو بيهجم، بيكسر الرقبة قبل ما تحاول تطلّع صرخة. وفيما كانت تسرع في خطواتها، باغت أنفها شيء آخر، ليس الصوت هذه المرة، بل الرائحة. رائحة دخان كثيف يتسلل من بعيد، لكنّه ليس بدخان نار عادية، بل رائحة حريقٍ يلامس اللحم... لحم محترق. وفجأة، تعالى صوته مجددًا، كأن حنجرته تتغذى من الرعب ذاته: _شامين الدخان؟ هاي مش نار... هاي ريحة اللحم وهو بينشوي ع غضبه، هاي نَفَسه... وبس يشهق، بتنطفي أرواح، وبس يزفر، بتنزل شلالات دم. اثناء سيرها استوعب عقلها لحظة... أين بقيّة العاملين؟ لماذا لم يتحرّك أحد؟! صرخات كهذه لا تُترك دون استجابة. وأخيرًا، وصلت إلى الخارج، حيث تصاعدت الأصوات والرائحة، فرأت المريض. كان كالشبح الذي خرج من ذات الكلمات التي كان يصرخ بها، نظراته زجاجية، ثيابه ملوثة، وصدره يعلو ويهبط كأنه يشهق الهاوية. اقتربت منه، تحدثه بلهجةٍ هادئة، عرفت كيف تصوغها مع أمثاله: _مالك يا عبد الرحمن؟ مين بس ضايقك؟ رفع رأسه ببطء، وعيناه تستقران في فضاءٍ لا تراه، ثم قال: _هو جاي... وجايب معه ظلام أعمى، ودم ما بيجفّ، وصراخ ما إله صدى... واللي بيروح معه، بيروح مقطّع، مكشوف، بلا ملامح، بلا روح، بس كومة لحم بتنزف وعيون مفتوحة ع الرعب الأخير. اكتفت هاجر بإيماءة خفيفة، ثم أردفت بصوت هادئ، تحاول به جذب وعيه إلى ضوءٍ صغير: _ماشي يا عبد الرحمن، مش عايزاك تقلق خالص، أول ما ييجي، أنا هخليه يمشي على طول. تعالى معايا بقى، يلا... كادت أن تمسك بيده، لتطوقها بأناملها الحانية علّها تهدئ من روعه، لكنه ارتدّ فجأة كمن عضته النار، واستدار راكضًا باتجاه الساحة الواسعة التي تشاركها الحديقة. وهنا اندفعت هاجر خلفه وهي تناديه، تحاول اللحاق بخطواته المذعورة. وما إن تجاوزت آخر درجات المبنى حتى توقفت قدماها عن الطاعة، وتيبست عضلاتها فجأة، ودمها جمد في عروقها. لم تعد ترى، بل انغرزت رؤيتها في مشهد واحد، مطبوع على صفحة روحها كندبة لا تزول. أوراق الشجر متناثرة كأشلاء ناعمة، تُمهّد للمجزرة المعلّقة فوق الأغصان... على كل غصن، جسد عارٍ، متدلٍ من عنقه أو كتفه أو ساقه، رجال، نساء، أطفال، بعضهم ما زال يتأرجح في سكون، كأن الريح تبكي من حوله، دماء تتقاطر من الأعلى، تقبّل التراب بقسوة، وترسم لوحة من الفظاعة على جذوع الأشجار، فوق العشب، وفي عيون السماء. لم يكن مشهدًا عادياً، بل إعلانًا عن الجحيم وقد وطأ أرض نبراس. من قادرًا على هذا؟ من اختار أن يُعيد للناجين مأساتهم بأفظع مما مرّوا به؟ من سلب ما تبقى من كرامة هؤلاء الذين خُلع عنهم كل شيء، حتى أسماؤهم؟ سقط عبد الرحمن جاثيًا على ركبتيه، وصوته يعلو بالعويل والنياح، كأنه يُنشد من داخله مرثيةً للعالم بأسره. أما هاجر، فقد أفاقت من صدمتها على صورة واحدة تشق طريقها إلى قلبها وهو إبراهيم. هرعت في سرعة، وقد غابت عن ذهنها كل تفاصيل المشهد سوى وجهه... ركضت والموت يجرّ خلفها ذيله، والرائحة الآخذة في التصاعد تُلهب حنجرتها. كانت تعرف تلك الرائحة... لحم مشوي، ولكن ليس أي لحم. هناك شيء في هذا العبق المقزز يُخبرك بأن من احترق ليس جمادًا، بل حياة. وفور أن وصلت دفعت باب ساحة الطعام بقوة، وعيناها تسبقانها إلى الداخل. وفور أن انفتحت الرؤية، اتّسعت حدقتاها اتساعًا مروّعًا. كل منضدة يجلس حولها الموت؛ جثث منتفخة، أفواهها ممتلئة بكتلٍ من اللحم النيء، وكأنهم أُجبروا على ابتلاع أجسادٍ ليست لهم، وعلى سطح الطاولات، تناثرت أحشاء بشرية، مقطعة بإتقان الوحش، ومصفوفة كأنها وليمة إبليسية عتيقة. وهاجر تحدق في فزع وهي متيقنة أن لا احد يستطيع فعل ذلك سوى شخص واحد... وبهدوءٍ باردٍ، خرج من باب المطبخ... بالطبع... أدهم. _صحيتي يا حبيبتي؟ بجهزلك أكلة حلوة أوي، هتحبيها. توقفت في مكانها، شُلّت تمامًا، وعضلاتها تخلت عنها كما يتخلى الزمن عن ضحاياه. لم تكن قادرة على النطق، لكن لسانها تحرك أخيرًا، بالكلمة الوحيدة التي تعني كل الحياة: _فين إبراهيم؟ ابتسم أدهم، تلك الابتسامة التي ما عادت تُقرأ، وتحسّس شعرها كما لو كانت ابنته التي عاد إليها بعد فاصلٍ من الجحيم: _مفيش حد مبيسعاش للنجاة، النجاة شيء أساسي، ودي الحاجة اللي خليتك تهربي مني. إنتِ ناجية دايمًا يا هاجر، وعمرك ما هتبقي غير كده... ونجاتك إنتِ بالذات لازم تيجي على نجاة الآخرين... مفيش خيار تالت، يا إنتِ توصلي للنجاة وهما يهلكوا... يا إما إنتِ تهلكي عشان يوصلوا هما للنجاة. وبما إنك دايمًا وأبدًا ناجية... فهما لازم يهلكوا. في لحظة خاطفة، وكأن روحها استعادت يقظتها، دفعت أدهم بكل ما فيها من قوة، ثم انطلقت راكضة نحو المطبخ، وهي تنادي وحنجرتها تجلجل بإسم إبراهيم! بعدها دخلت إلى الداخل، والرائحة بلغت ذروتها، قاسية، خانقة، تقتلع كل قدرة على التفكير. كانت تتهيأ لرؤية الجحيم الحقيقي... لكنها لم تكن تعلم أن ما ينتظرها كان أعظم من كل كوابيسها... _إبراهيم!!! صرختها شقّت سكون الليل، كأنها تستدعيه من قعر الجحيم. من ثم ارتجف جسدها بالكامل، وفتحت اعيناها ونهضت وهي تنتفض، وتلهث بأنفاس متقطعة، والدموع تتفجر من عينيها... _بس بس بس... اهدِي يا حبيبتي، اهدي، مالِك؟ أنا جنبك... أنا جنبك. تسلل صوته الذي كان أول حبل نجاة امتد لها من الواقع، نبرة مُطمئنة، دافئة، تملأ الفجوة التي خلّفها الرعب. وحين اتضحت ملامح الغرفة في عينيها، وحين رأت وجهه... وجه إبراهيم، المألوف، الحنون، الحي، ألقت بجسدها عليه دفعةً واحدة، ودفنت رأسها في صدره وهي تلهج بالحمد، مرارًا، بشفتين مرتجفتين. ضربات قلبها تتسابق، وهو يحتضنها بحنانٍ بالغ، ليُربت على ظهرها، ويقول بهدوء: _دا كابوس يا حبيبتي... كابوس. مفيش حاجة، اهدي... أنا جنبك، اهو... أنا جنبك. ظلت بين ذراعيه دقائق طويلة، وكأن أنفاسه ودقات قلبه وحدها ما يربطها بالحياة بعد ذلك الكابوس الشنيع. لكنه لم يكن كابوسًا عاديًا، بل كأنه تسلل من صدعٍ خفيّ في روحها، كابوس يشبه الحقيقة أكثر مما تشبهها صحوتها. ثم فجأة، كما لو أن شرارة قاطعة لسعتها من الداخل، انتفضت من حضنه مبتعدة، ونهضت على عجل، تبحث بعينين ضائعتين عن شيء لا تعرفه، ثم بدأت ترتدي ملابسها بعصبية غير مألوفة. رمقها إبراهيم في حيرة وقلق، ثم نهض وهو يقول بنبرة يغلبها الذهول: _رايحة فين الساعة دي؟! أجابته بصوت حاد، يختبئ فيه الرجاء: _هشم شوية هوا، يا إبراهيم. لو سمحت، متجيش ورايا... عايزة أبقى لوحدي. اقترب خطوة، يحاول التفاهم: _إزاي بس؟ خليني أبقى معاكي، الساعة متأخرة... _كلها ساعة وهرجع، يا إبراهيم... أرجوك، سيبني في حالي. لم تمنحه حتى فرصة الرد، وانسلت من الغرفة كريحٍ غاضبة تبحث عن مهرب. وظل إبراهيم واقفًا مكانه، حائر النظرات، متوتّرًا حد الوجع. ********** في ساعات الفجر، كان فياض جالسًا في غرفته، بينما كانت ملك تقيم عند والدتها. استقر أمام حاسوبه يتابع الأخبار التي انفجرت كالقنابل في وجه العالم، لكنها لم تكن غريبةً عليه؛ فقد قضى عمره يتتبع أخبار ضحايا أدهم ومجازره، يتنفس أنينهم، ويحيا بثقل ذنبٍ لم يرتكبه بيده، لكنه كان شاهدًا عليه، صامتًا عن جنونه، متواطئًا بالصمت. وها هو الآن، يتابع نبأ القبض عليه، يتابع إعلان النهاية، لكن الذنب ما زال يقضم قلبه بلا هوادة، لأنه يعلم، كما لم يعلم أحد، أن هذه الخطوة من أدهم لا تُبشر بخير… وأن خلف ابتسامته وسكونه ما يُنذر بالخطر العظيم. لقد تعجب من ذاته حقًا؛ هذا الخبر الذي طالما تمناه، الذي تخيله مئات المرات، ونسج له سيناريوهات من الانتصار والدموع والارتياح، لكنه ها هو حين تحقق المشهد لم يوقظ فيه شيئًا مما افترضه، لم يلامسه الاطمئنان، ولا لامست روحه بهجة المنتصر. فلم يكن مجرد شاهد على سقوط أدهم، بل كان شاهدًا على صعوده كذلك… على تحوّله إلى ما لا يُسمّى. ما جمع بينهما لم يكن الأخوة، ولا الذكريات، ولا الطفولة، بل الذنب وحده. هو الشخص التي كانت ثمن راحته جنون أدهم. والآن، يرى العالم ينتقم من ذلك الجنون، يضعه في قفص، يُحاكمه باسم الإنسانية، لكنه لا يشعر بالراحة. لماذا؟ أليس هذا ما تمناه؟ أن يُوقَف؟ أن يُحاسَب؟ أن يُكسَر ذاك الوحش الذي أذاق البشرية لعناتٍ لا تنتهي؟ في لحظة الحقيقة، لم يذق طعم النصر، بل مذاق الخواء. أهذا نصر حقًا؟ أم هاوية جديدة تتسع تحت قدميه، لتضاعف ثقل الذنب على ظهره؟ لم يعد يدري ما موقفه من تلك الأربعين سنة. ما الذي فعله سوى التحديق من بعيد؟ سوى التفرّج، والاختباء؟ بينما كان أدهم يعبث بالشعوب والحكومات، يُسقط دولًا، ويُشعل حروبًا، ويعيد تشكيل العالم كأنما يلهو. رآه وهو يفقد بشريته، جزءًا فجزءًا، حتى صار مسخًا إنسانيًا تعجز عباقرة العلوم النفسية عن وصفه، أو تصنيفه. ومع ذلك، ظل فياض المتفرّج… المتقوقع في ظلال أخيه، الغارق في صمته، الشاهد العاجز. في تلك اللحظة، دوى طرق عنيف على باب منزله، فإنتبه فياض كمن صُفع من غفلة، وبحركه بطيئة واتجه بخطى وئيدة نحو الباب، وقلبه يسبق خطاه قلقًا. وقبل أن يبلغه، اخترق أذنه صوت مألوف، صوت تلك الجارة الصينية التي تتعامل معها ابنته، وكانت تتحدث بلهجة عربية ركيكة مصطنعة: _ا.. استاذ فياض، افتحلي بسرعة ارجوك. اقترب فياض من الباب وهو يرد من خلفه بنبرة تجمع بين الحذر والريبة: _خير يا انسة تاي-سون... في حاجة؟ _ا.. اه محتاجة مساعدتك جدا جدا افتحلي وهقولك كل حاجة. ألقى نظرة حذرة عبر عين الباب، فوجدها تضع اصبعها وتحجب الرؤية بالكامل مما زاد من ارتيابه وشكه، فتمتم وهو يبتعد قليلًا: _حاضر... حاضر اديني دقيقة بس. انحرف سريعًا إلى غرفته، فتح خزانته القديمة، وأخرج من صندوقٍ خشبي صغير مسدسًا يحتفظ به منذ زمن، ثم عاد نحو الباب بخطوات أثقلها القلق، وفتحه بحذرٍ بالغ. لكن ما إن فُتح الباب بضع سنتيمترات حتى اندفع رفاييل بقوة هادرة إلى الداخل، رافعًا مسدسه في وجه فياض، الذي ارتدّ للخلف بدوره رافعًا مسدسه هو الآخر في وجه الدخيل. واقتحمت كاجويا المكان خلفه، وأغلقت الباب بسرعة، بينما قال رفاييل ساخرًا: _طلع معاه مسدس يا كاجويا!... هو دا الغلبان اللي بتقولي عليه؟ حدق فياض بكاجويا، وعيناه ترصدان الوشوم التي تغطي جسدها كخرائط خيانة، ثم قال محتدمًا، وقد امتزج الغضب بالذهول: _تاي-سون بروح أمك؟!! انتِ كنتي وسطينا كل دا وطلعتي من الياكوزا!! انتِ تبع أدهم يا بت!! انتوا هنا ليه وعايزين ايه؟! حاولت كاجويا التخفيف من حدة الموقف، قالت بصوتٍ خافت فيه شيء من الرجاء: _فياض.. اهدى، إحنا مش جايين نأذيك. قال بتهكم مرير وهو يشير بعينين إلى السلاح الموجه إلى وجهه: _آه بأمارة المسدس اللي مرفوع في وشي! قال رفاييل، كمن يعرض تسوية: _نزل مسدسك وانا هنزل مسدسي. لكن فياض، وقد غلّظ صوته واشتد نظره المميز وهو يثبّت عينيه في رفاييل، وصاح بصرامةٍ لا هوادة فيها: _مش منزل مسدسي يا متخلف إنت!!... إنتوا اللي مقتحمين بيتي!!! حاولت كاجويا تهدئة الموقف أكثر، وضعت يدها على يد رفاييل، وهي تمسك بطنها وهي تتألم من جرحها الذي قد فُكّ، وتمتمت بتعب: _خلاص يا رفاييل بقا... نزل مسدسك. امتثل رفاييل أخيرًا، وأنزل سلاحه بتردد، فما كان من فياض إلا أن أمرهما بلهجة الآمر الذي لا يُردّ له طلب: _اقعدوا على الأرض هنا.. يلا! اضطرا للامتثال، وجلسا أرضًا في صمتٍ مشوب بالتوتر، ليبدأ فياض استجوابهما وهو ما زال قابضًا على السلاح: _انتوا من عصابة أدهم؟ أجابت كاجويا بلا مواربة، وقد خفت صوتها: _أيوة.. احنا من أجنحته. تقطّبت ملامحه، وقال بتهكم مغلف بالغضب: _كمان؟! ما شاء الله! ودخلتك بيتي ودخلت بنتي بيتك!!! كنتي عايزة تعملي إيه فينا يا وسخة؟! قالت كاجويا بنبرة صادقة، أو هكذا أرادت أن توحي: _مكانش غرضي أأذيكوا... كنت براقبكم بس... أنا مستحيل ألمس شعرة منكم! لكن فياض لم يترك لها منفذًا للتبرير، وأردف بسخطٍ أكبر: _وانتوا طبعًا جايين هنا هربانين من البوليس عشان تلبسوني مصيبة تودوني بيها ورا المجرة كلها، مش ورا الشمس بس! حاول رفاييل الدفاع عن الموقف، فقال وهو يجادله بنبرة حادة: _لا لسه البوليس ميعرفش عننا حاجة... عصابتنا هي اللي قلبت علينا واهدى بقا، إحنا مش طالبين نستخبى، إحنا عايزين نقعد عندك عشان نفكر بس نعمل إيه، بعدين نمشي. _وعصابتكم كمان؟ لا، أنا لو قعدتكوا عندي هنا دقيقة زيادة يبقى انتحار! أنا هبلغ البوليس! هنا صاح رفاييل فجأة بنبرة تتحدى وتتوعد: _طب اتصل كده وهنقولهم إنك أخو أدهم، وإنك شريك في كل جرايمه من تحت لتحت!! تجمد فياض في مكانه وسكت تمامًا، وعيناه لا تفارق وجه رفاييل، تحدق فيه بحدةٍ تشي بحنقٍ متأجج كالجمر تحت الرماد. لم تكن في نظراته شبهة انكسار؛ إذ الانكسار لم يكن يومًا من سجيّته، ولا سكن ملامحه. بل كانت نظرة صبرٍ يئن تحت وطأة القهر، ممزوجة بسخطٍ دفين على رجلٍ يعلم أن مصائبه لا تُولد من أفعاله، بل من جيناتٍ لُعن بها قبل أن يولد. في تلك اللحظة، انبعث أنين خافت من كاجويا، تبعه صوتها المتهدج تحت وطأة الألم: _لو مش عايز يبقى فيه جثة في بيتك هنا... ياريت تلحقني. أدار فياض وجهه نحوها، لتقع عيناه على بقعة دم تتسع باطراد تحت جسدها، والدم ينهمر من جرحٍ غائر، لا يرحم. ورغم ارتباكه الذي اجتاح دواخله، ظل وجهه ساكنًا، وقال بحدةٍ مغلفة بالضيق: _وانتِ عايزاني الحقك إزاي؟! أنا ماعنديش حاجة تساعدك! تدخل رفاييل بصوتٍ نافد الصبر: _انزل جيب من الصيدلية ولا أي حاجة ياعم، انجز، البت بتموت! _لا يا روح أمك، مش هسيبلكوا البيت أنا!! ساد صمت قصير سرعان ما انقلب إلى حركة حين انصرف فياض إلى غرفته بخطًى متوترة ليأتي بهاتفه. وبينما توارى عن الأنظار، اقترب رفاييل من كاجويا، وهمس بالإنجليزية: _كاجويا… أعلم أن الوقت ليس مناسبًا، لكن حاولي إغراء فياض بأي وسيلة. نحتاجه أن يلين، أن يمنحنا فرصة للتفكير أو للهروب. أومأت برأسها بصمت، وعيناها موشحتان بالألم والتعب. وعاد فياض بعد لحظات، هاتفه في يده، وهو يتحدث بجدية إلى طبيب الصيدلية ليطلب إرسال المستلزمات الضرورية إلى باب منزله، ثم أغلق الخط، وجلس مقابلهم، وما زال يحمل مسدسه دون أن يوجهه إليهم، بينما عيناه تتابعان قطرات الدم التي تفلت من جسد كاجويا بهدوء قاتل، وانسيابٍ بارد لا يتوقف. وبعد دقائق طرق الباب، فنهض فياض على الفور وفتحه، تناول المستلزمات، ودفع ثمنها، ثم عاد وأغلق الباب، واتجه إليهم قائلًا وهو يضع الحقيبة بجانب رفاييل: _الحاجات اهي... عشان تخيط جرحها. يلا، حاول تلحقها. رد رفاييل ببرودٍ مفاجئ: _أنا مبعرفش أخيط جروح. توقف فياض كمن صُفع بكلمة، وقد طفح كيله حقًا، وانفجرت حدّته فجأة، وصاح محاولًا كبح جماح صراخه: _أومال أنا اللي أعرف؟! قال رفاييل بلامبالاة مستفزة: _إنت اللي مش عايزها تموت في شقتك... خيطها انت بقى. لوح فياض بيده غاضبًا، وصاح وهو يحدق فيهما بنفاد صبر: _أنتم اللي جيتوا بيتي!!! تدخلت كاجويا لتقطع هذا الجدال، وقالت بنبرة يأس: _يا جماعة أنا بموت!! أي حد يخيط أي خياطة وخلاص... ما تعملوش فيلم. ساد صمت ثقيل، تجلّت فيه اللامبالاة على ملامح رفاييل، مما دفع فياض إلى إدراك عبث الجدال، فأسرع إلى طاولة السفرة، وأزاح ما عليها من أغراض بعجلة، ودفع الكراسي بعيدًا ليُفسح المجال، ثم تقدم نحو كاجويا وقال بصرامة: _يلا قومي خلينا نخلص. ردت، وهي بالكاد قادرة على تحريك شفتيها: _مش قادرة أقوم. زفر فياض بحدة، ثم انحنى دون تردد، حملها على ذراعيه كمن يحمل عبئًا ثقيلاً لا مفر منه، واتجه بها إلى زاوية بعيدة عن رفاييل، وضعها على السفرة، أزاح قميصها برفقٍ خالٍ من الرغبة أو الشفقة، مجرد ضرورة باردة، ثم انحنى يتفحص الجرح بعينٍ فاحصة، وقال وهو يقطّب حاجبيه: _ده جرح من الناحيتين. ردت كاجويا، ونب تتنفس بصعوبة، وقد انكسرت حدة شخصيتها فجأة، وظهر في صوتها استسلام حقيقي: _آه... بس الخياطة بتاعت البطن بس اللي فكت... خيطها بأي حاجة، متفكرش كتير. قال فياض، وهو يخرج الأدوات ويطهر يديه: _مفيش حاجة اسمها خيطها بأي حاجة... انتِ محظوظة، لأني لسه فاكر دروس الإسعافات الأولية اللي أخدتها من زمان. آه، الغرزة اللي اتعلمتها متليقش بجرح فظيع زي ده، لكن هتفي بالغرض لحد ما تغوروا من بيتي. وبدأ بخياطة الجرح، يثبت أدواته بيدٍ تعرف الرهبة لكنها لا ترتجف، بينما كانت كاجويا تعض على أسنانها، وتكبح أنينًا مرًا، تتنفس كأن الهواء قد تحول إلى شظايا، وكل نفسٍ يؤلم أكثر من الذي قبله. وبينما كانت يد فياض تتحرك بثباتٍ فوق الجرح، تغرز الإبرة في اللحم الممزق ثم تمرر الخيط، بدأت كاجويا تتحدث، كأنما تريد أن تُسكِت الألم بالكلمات، أو تُخدر جراحها باعترافٍ لم تجد له مستقرًا من قبل: _أول ما سمعنا خبر أدهم... رفاييل اتعصب جامد... ومليون عفريت ركبوه بسبب تمسكه بالعصابة، وتريسا.. حست بإنتصار وبدأت تجري على السلطة... إنما أنا.. أ.. أنا ارتاحت، حسيت إني بدأت آخد نفسي من تاني، مش عشان أنا كنت مجبورة على مكاني في العصابة... بس عشان أنا كان عندي حلم كنت شايفاه مستحيل أوصله... وهو إني أعيش حياة عادية ويبقى عندي عيلة عادية، كان حلم جميل بييجي في عقلي كل يوم... ومكانش بيمنعني إني أعمل مهامي في العصابة بكل نشاط، بس أهي الفرصة جاتلي... أتمنى تديها ليا يا فياض... متبلغش عني واديني فرصة أحاول أحقق حلمي فيها. كان فياض يصغي، دون أن يرفع عينيه عن موضع الجرح، تركيزه منصبّ على الخياطة، كأنما يحوك صمتًا داخليًا أكثر من نسيجٍ جلدي، ولما انتهت من حديثها، ظل صامتًا لحظاتٍ، ثم قال بنبرة خلت من كل شفقة، وجاءت كحد السكين: _دي الحياة اللي انتِ اختارتيها، كان لازم تعرفي نهايتها هتبقى إزاي. خيم الصمت من جديد، ولم يكن إلا أنين أنفاس كاجويا المتقطعة يشق الفراغ، ثم قالت بعد لحظةٍ بصوتٍ يثقل عليه الألم: _عندك حق...، أنا اخترت الحياة دي... بس إحنا بني آدمين وبنغلط... وعادي نختار غلط في حياتنا.. ومش عيب ناخد فرصة تانية مش كده؟ رفع فياض عينيه نحوها، للمرة الأولى منذ بدأت الحديث، وقال: _الإنسان عادي يختار غلط، بس الاختيار الغلط بيبقى غلط عشان اللي بيختاره بيكون مخدوع في حاجة معينة... أو مبيكونش شايف الصورة كاملة..، إنما فكرة إنك تختاري حاجة وإنتِ شايفة صورتها الكاملة... ومتخدعتيش فيها، ده مسموش اختيار غلط ولا حتى اختيار صح، ده اسمه إجرام في العموم. إنتِ واللي زيك مجرمين، مش "ناس اختارت غلط". عاد بعدها إلى عمله، يكمل خياطة الجرح بخفةٍ باردة، بينما كانت كاجويا تحدق فيه، تحدق بعمقٍ مشوب بشرودٍ وتأملٍ، كأنها ترى فيه ظلًا غريبًا من ضوءٍ كانت تظنه منطفئًا في هذا العالم. ثم قالت، ونبرتها حائرة، واهنة، لكنها صادقة: _تعرف؟ أنا أول ما شوفتك أعجبت بيك لأنك شبه عصام... بس بعد ما اتعاملت معاك الشهرين دول... اكتشفت إنك تستحق تتحب لوحدك عشان إنت مش شبه حد بجد...، أنا متأكدة لو كنت شوفتك الأول مكنتش ههتم بعصام ده أبدًا... إنت خليتني أحس بمشاعر أول مرة أحسها في العالم الوسخ ده. ظل فياض على صمته، يُنهي غرزه الأخيرة بصمتٍ ثقيل، كأن كلماته قد أُفرغت مع خيط الجرح، لكنها لم تتوقف، ثم أردفت بقولها: _إيه اللي ممكن أعمله عشان أستحق واحد زيك؟ مرت لحظة طويلة، امتلأت بصوت تنفسها وحده، ثم أجاب فياض أخيرًا، بنبرةٍ لا مبالية، كأنما يُنهي الحديث بإحكام الغرز: _سلّمي نفسك. ********** في الوقت ذاته... في أحد الفنادق الفارهة، حيث البذخ يقطر من الجدران ويُخفي خلف نعومته صمتًا مخيفًا، كان عصام محتجزًا في غرفة معزولة بأمرٍ مباشر من ياسر، الذي أوعد بعد المؤتمر بعدم عودته إلى منزله، حتى يأذن له بذلك. وفي عتمة الليل، حيث تداخلت في رأسه قعقعة الدفوف، وصرخات سلمى، ودوي الرصاصة التي اخترقت جمجمة إيمان، تلاها نظرة رحمة المتجمدة في هيئة موتها... انتفض عصام فجأة كمن لسعته نار من الجحيم، وفتح عينيه مذعورًا من كابوسٍ آخر نُسج من خيوط ماضيه المتآكل، ليجد نفسه مُمددًا على أرضية الغرفة، فوق سجادة الصلاة، ويبدو أنه خَرَّ نائمًا بعد تهجدٍ طال حتى أنهكه التعب. نهض بوهنٍ بالغ، كمن عاد لتوّه من معركة طاحنة خاضها دون سلاح. لاهثًا، غارقًا في عرقه، وجال بنظره في أرجاء الغرفة وهو لا يكاد يصدق الحال الذي آل إليه. ما المصير الذي ينتظره؟ هل سيكون الإعدام؟ أم الاعتقال؟ أم تُكشف أسرار إخوته التي ظلوا يقاوموا عنها في الخفاء؟ رفع يديه واضعها على رأسه، كأنما يحاول صدَّ الآلام التي أخذت تدق جمجمته بعنفٍ لا يُطاق. وفي تلك اللحظة... كالعادة، لمحها. كانت سلمى، جالسة في زاوية الغرفة، لا تتحرك، لا ترمش، تناظره بصمتٍ مريعٍ كصمت القبور. عيناها غائرتان، تخرقان وجوده كأنما تُسائل كل ذرة فيه. وبقي يحدق فيها، وهي فيه، وكأنهما يتبادلان نظراتٍ لا تُنطق، بل تُكوى بها الأرواح. كانت نظرتها تنحت في قلبه حفرةً لا قرار لها، تتفجر فيها أسئلة لا إجابة لها، ومشاعر ندمٍ تحترق كجمرةٍ في صدره... لم ينبس ببنت شفة، فقط ظل ينظر إليها باستسلامٍ موجِع، يعلم يقينًا أن لا هروب منها، ولا نسيان لما فعله بها. ستظل في ناظره، وفي قلبه، كشاهدٍ أبدي على الجُرم الذي اقترفه. نهض عصام واقفًا، والرجفة لا تزال تسري في أطرافه، ثم أخذ يجول في أرجاء الغرفة الفسيحة كمن يبحث عن مخرجٍ من داخله، لا من المكان. راح يفتش بعينٍ قلقة عن أداة حادة، أي شيء يمكن أن يُحدث به أذًى يليق بحجم ما يعتمل في صدره من احتقارٍ للذات ورغبة في تكفيره لذنوبه، لكن الغرفة، رغم فخامتها، كانت نظيفة من كل ما قد يُستعمل لأذى النفس، وكأن توصيةً صارمة قد سُبقت إلى ترتيبها، تُخفي عنها كل ما يُشتبه فيه. وبينما كان يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، مرّ أمام مرآةٍ ضخمةٍ تزين أحد الجدران، فتوقف بغتة، وكأن شيئًا أثقل من الخطايا جذبه نحوها. وقف قبالتها ساكنًا، يحدّق في صورته المنعكسة، لا كمن يرى وجهه، بل كمن يواجه خصمه الأبدي. كانت الفكرة الأولى التي خطرت بباله أن يحطم المرآة، ويغرس شظاياها في جسده حتى تسيل الدماء وتختلط بالندم... إلا أن فكرة أخرى، أعمق وأشد مرارة، تسللت إلى وعيه. أن ينظر... أن يتأمل ذلك الوجه الذي لم يعد يطيق حضوره في الدنيا... أن يحدق طويلًا في انعكاس رجلٍ خذل كل من أحبّه، وخان كل من وثق فيه، وغرق في مستنقع لا قاع له من الندم والأسى. وقف عصام أمام المرآة كأنما اقتيد إلى محكمة لم يُستدع لها شاهد ولا قاضٍ، فقط هو، ووجهه… أو ما تبقى منه. لم يكن يرى ملامحه بقدر ما كان يرى آثار الدمار وهي تنبض في الزجاج ككفنٍ شفاف: عيونًا طُمست من كثرة ما تجاهلت، فمًا نطق بالأكاذيب حتى جف، يدين امتلأتا برجس الخيانة، وروحًا لم تعد سوى ندبة. لم يعد يستطيع أن يتنفس دون أن يشعر أنه يلوث الهواء. لم يعد قادرًا على المشي دون أن يتخيل أنه يدهس على صدور من سقطوا بسببه. لم يعد يطيق أن يحمل جسده… هذا الجسد الذي خبّأ فيه الشر، وابتلع فيه الصراخ، وصمّ أذنيه عن استغاثاتٍ لا ينام إلا على رجعها. لم يكن يريد الغفران أو بطولة، فهو لا يجرؤ عليه. ما يريده فقط… أن ينتهي حضوره، أن يُمحى من حياة من بقي منهم شيء، أن يتوقّف أثره، أن يُزال من على خريطة هذا العالم، في رغبة في أن يُريح هذا الوجود من عبئه. وهنا، تحركت يده فجأة، كأنها انتُزعت من صمته بقرارٍ ولد من أغوارٍ سحيقة. وبكامل عنفٍ ساخط ينتمي إلى الفناء، هوى بقبضته على المرآة. لكمها بعزمٍ جنوني، مرارًا وتكرارًا، حتى ترددت الجدران من حوله كأنها تشهد احتضارًا متكامل الأركان. كانت المرآة مقاومة للكسر، لكن قبضة عصام كانت أقوى، وتحطمت بعدها إلى عشرات الشظايا المتناثرة، كأنها رموز لذاته المهشّمة. بعدها انحنى بسرعة، والتقط إحدى القطع بيده اليسرى، وما إن لامست أصابعه حتى ارتجف جسده كله... إذ استفاق ذلك الجزء المنسي فيه عن تلك اليد الآلية التي طالما غفل عن كون جوهرها سلاحًا قاتلًا لم يستخدمه إلا نادرًا. توقف للحظة... ثم أسقط الشظية من يده، ثم استقام واقفًا أمام القطعة الباقية المعلقة من المرآة المتشققة التي لم تتحطم، وظل يحدق في نفسه، كأنما يتأمل تمثالًا نُحت من العار. ثم ببطءٍ مهيب، رفع يده اليسرى، باسطًا كفّه، ثم ووضعها على صدره، في موضع قلبه بالتحديد. وخلفه، كانت سلمى جالسةً، تراقبه في صمتٍ مشحون... وبدون تردد.. أطلق عصام الشعاع. انفجر الضوء من راحته كخنجرٍ من نار، واخترق صدره بقسوةٍ هادئة، وبسرعةٍ خاطفة. وتهاوى جسده إلى الأرض كعمودٍ انكسر من الداخل، وارتطم بأرضية الغرفة بارتطامٍ ثقيلٍ صاخب، فيما الدماء تدفقت منه كأنه غُمس في حقلٍ من الورد الجوري الأحمر. ********** بعد الفجر.. كان نوح جالسًا عند الشرفة، في جلسته المعتادة، مستندًا برأسه إلى السور كالعادة، كأنما يودّ لو ينغرس فيه ويغيب. عيناه الخاويتان لا تحملان بريقًا، وقد انسحب منهما كل أثرٍ للحياة. يحدق في الشارع الممتد تحته، دون أن يراه حقًا؛ شارد كمن انفصل عن اللحظة، بينما عقله ينهشه كضبعٍ لا يكف عن الثرثرة، يمضغ كل فكرة ويلوكها حتى التلاشي. إن مرحلة التعافي عسيرة حقًا؛ فنوح لم يتعافَ بعد، لا جسده استعاد عافيته الكاملة، ولا روحه استطاعت تضميد ما تكسر فيها. ما زال يخطط، بتلك الهشاشة المحمومة، كيف سينقذ نور، كيف سيتسلل إلى عتمةٍ لا يعرف مداخلها ولا نهاياتها، وقلبه ما زال معلقًا بها هناك. ما زالت كدمات روحه تنزف في صمت من أثر ما فعله به عمر، الطعنة التي جاءت من صديقٍ كانت ثقيلة كمن سُحِب قلبه من صدره دون مخدر. ذهنه يتقافز من أخوته، إلى غادة، إلى الفقد، إلى القلق، كأن عقله معتقل حجرة مكتظة بالأصوات والوجوه والمخاوف. وما زاد الطين بلة، تلك الصدمة التي نزلت على رأسه كصاعقة: أدهم داغر، الطاغي، سلّم نفسه! لا أحد يصدق، لكنه حدث، وهذا تحديدًا ما أرعب نوح أكثر من أي شيء... أن يسقط الجبار طوعًا، أن ينهار الجدار الذي ظنه الجميع أبديًا، فتتسع الفجوة في قلبه أكثر، ويتضاعف خوفه... لأن سقوط الوحش لا يعني نهاية الكابوس، بل قد يكون بدايته. كان من شدة التفكير واستنزاف عقله، خُيِّل إليه أن مخه ينزف من أذنيه. وأنينًا خافتًا صادرًا، يُترجم داخل رأسه إلى صداع ضاغط، كأن صوت عقله المحتدم قد انفجر، وتحول إلى خلية نحل مسعورة تطنّ بلا رحمة، تلدغ كل لحظة صفاء ممكنة. وفي خضم شروده المتآكل، لمح مشهدًا غريبًا قطع تيهه للحظة.. جابر يسير بفتاة شابة، يغطي رأسها بمعطفه، وذراعه تلفها كمن يخفيها عن أعين العالم. مشهد خاطف، لكنه غرز شوكة في ذهن نوح. في تلك اللحظة، تناهى إليه صوت خطوات خافتة تقترب بضعف... صوت تتكئ عليه روحه كما يتكئ جسده على الجدار. _حبيبي... مش هترجع تنام؟ التفت نوح إليها ببطء، وكأن حتى الالتفات بات ثقيلًا عليه، ونظر إلى غادة بعينين مرهقتين، وقال بصوتٍ واهن: _قومتي ليه؟ ارتاحي. _حسيت بيك وانت بتقوم من جنبي، وحاولت أنام بعديها بس معرفتش. تقدمت نحوه، واقفة أمامه، فرفع رأسه إليها كمن يصعد من غرقٍ بطيء. نظر في عينيها وسألها: _طب... حاسة بإيه دلوقتي؟ ابتسمت غادة، ومدت يديها تمسح على شعره ولحيته، بحنانٍ خافت يشبه نسمة الفجر حين تلامس وجهه المتعب. _أحسن الحمد لله... دايمًا الجنزبيل اللي بتعملهولي بيخليني أحسن. على عكس اللي أنا بعمله، مبيأثرش بحاجة. شكلك بتستخدم حوارات القوة بتاعتك دي وأنا مش واخدة بالي. ارتسمت على وجه نوح ابتسامة صغيرة، كوميض في سماء ممتلئة بالرماد. وتبادلا الابتسام، ثم اقترب منها، وأسند برأسه إلى منتصف جذعها، متكئًا بكامله كما لو أن جسده ما عاد يحتمل ثقل ذاته. بدورها أحاطته بذراعيها، وهي تربت على ظهره، وتحسس شعره برفق، كأنها تؤدي طقسًا خاصًا لتهدئة روحه المعذبة. _حوار أدهم مخلاكش تنام؟ _مش عارف... مش عارف إيه اللي مخلانيش أنام لحد دلوقتي من كتر التفكير... بس اللي أقدر أقولهولك إنه هو البطل الأساسي في الليلة دي في العرض بتاع عقلي. _أتمنى متكونش أخدت من الدوا جرعة أكتر من اللي بتاخدها. _كنت هعمل كده، بس... بقى عندي تحكم في نفسي شوية الحمد لله. مش عايز أبقى مدمن في كل سنين حياتي يعني. هكذا بدا نوح، متصدّعًا من الداخل، وعقله تحول إلى مسرحٍ يُعرض فيه شريط طويل من الإنهاك والذكريات والاحتمالات الثقيلة، وكل مشهدٍ فيه ينهش منه جزءًا. وها هي غادة، لا تفكك عقده، لكنها تُبطّن آلامه برفقها، وتحتضن جراحه لتخمد نزفها بالصمت والحب. عاد الصمت بينهما، وهما على ذات الهيئة: نوح مسند رأسه إلى بطن غادة الواقفة أمامه، وغادة لا تنسي تمرر أناملها على شعره بحنوّ محاولة في تكرار اللمس ما يعيد ترتيب فوضى روحه. وسكون الفجر كان يثقل الأجواء من حولهما، لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسٍ متقاربة تعبر عن قلقٍ لم يُنطق بعد. أغمض نوح عينيه برفق، وكأن السكون قد أطلق داخله شيئًا عتيقًا، ثم قال بعد برهة بصوت منخفض: _سمعاه؟ _سامعه إيه؟ _صوت الكمان. توقفت يدا غادة للحظة، وبدت على وجهها مسحة قلق خافتة، ثم قالت بصوتٍ حذر: _رجعت تسمعه؟ _آه... دي تالت مرة تقريبًا الأسبوع ده... ابتعد نوح عنها قليلًا، بنعومةٍ لا تجرح حميمية اللحظة، ونظر إلى عينيها وقال: _حاسس كأن... كأن الكمان بيندهلي... أو بمعنى أصح، إن نور هي اللي بتندهلي. زمان كانت بتظهرلي بهيئتها الطفلة، بس دلوقتي اكتفت باستخدام لغة الكمان... كأنها عايزاني أعزفه عشان أرجع أشوفها تاني. واضح إن البنت عندها كذا وسيلة تشد انتباهي ليها. سكتت غادة برهة، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة مشوبة بالحذر، وقالت: _حبيبي، إنت دخلت في رحلة العلاج النفسي والجسدي من شهرين بس وهي طبيعي تاخد اكتر من كدة... ممكن عادي ترجع تشوف هلاوس وتسمع حاجات، مش شرط تكون رسالة منها ولا غيره. _ليه محاولة إثبات إني مجنون أهون من فكرة إن نور بتبعتلي رسايل؟ اختفت ابتسامة غادة سريعًا، وارتبكت ملامحها، فأردف نوح بابتسامة مرحة وضحكة خافتة: _إيه يا بت مالك، أنا بهزر... وشك قلب كده ليه؟ ابتسمت غادة بارتباكٍ خفيف، لكن وجهها ظل معقود الملامح، وبدا أن ارتباكها ليس عابرًا، بل ظل شفيف لحيرة أعمق. وحين لاحظ نوح أن ذلك الانقباض ما زال يسكن عينيها، أمسك يدها وجذبها إليه بتودّدٍ يحمل من الحنوّ أكثر مما يحمل من الدعابة، ليجعلها تجلي على ساقه في حنوٍّ صامت. وهناك، في حضن تلك اللحظة المتعبة، تقاسما سكينة نادرة، لم تولد من راحة، بل من تعبٍ مشترك، من فهمٍ دون كلام، ومن صمتٍ أصبح وطنًا مؤقتًا يختبئ فيه كلاهما من ضجيج الداخل. امتزج الحنين بالسكينة، واختلط الانكسار بالرغبة في البقاء، حتى غدت أجسادهما المتلامسة بمثابة مرآتين، تعكس إحداهما تعب الأخرى، وتحتويها في آن. وبعد زمنٍ من هذا الصمت المريح، سألت غادة: _مجربتش تعزف الكمان؟ يمكن لو عزفته صوته يوقف في ودنك... صمت نوح، ونظره لا يزال معلقًا بذلك الشارع الساكن، ثم التفت إليها وقال: _خايف أشوف حاجة مش مستعد أشوفها... خايف أروح في حتة مقدرش أرجع منها... خايف أرجع منها ناقص ومشوّه... ثم تنهد، وتابع بنبرة فيها شيء من المزاح الثقيل: _هستنى رجلي دي ترجع تمشي تاني، عشان لو حصللي حاجة وأنا بالمنظر مش بعيد يجيلي شلل كامل. ضحك ضحكة قصيرة، لتقول غادة مبتسمة وقد مسّها بعض القلق: _متقولش كده، بعد الشر عليك. عاد نوح بنظره إلى الشارع، ثم، وبعد صمتٍ ثقيل، قال فجأة: _قوليها. _أقول إيه؟ التفت إليها بنظرة ثاقبة بها من الحنية في آن واحز، وقال: _أنا سامع صوت أفكارك، وحاسس بجسمك اللي نفسه ينطق... في حاجة عايزة تقوليهالي، قوليها. ابتسمت غادة في شيء من التعجب والحيرة، وقالت: _إنت غريب أوي يا نوح... حاساك لما تبقا عجوز، هتبقى العجوز الحكيم اللي بيظهر للبطل في الأفلام يقول كلمتين ويمشي، ياريت متتقمصش الدور ده دلوقتي، مش شوية الشعر الأبيض اللي طالع عندك يخلوك تعملهم عليا كده! قهقه نوح بصدق، وضحكت غادة معه، ثم قالت، بعد أن عاد الهدوء: _بص... في فكرة في بالي بس مترددة أقولهالك، لأنه ممكن مايبقاش وقت مناسب، بس حسيته مناسب بما إن أدهم اتقبض عليه... مهما كان بقى، دي لعبة منه ولا لا. _قولي يا حبيبتي... فكرة إيه؟ لكن، قبل أن تنبس، دوى رنين هاتف غادة، فاستدارا كلاهما في آنٍ، وقد بدت الدهشة على ملامحهما من المتصل في هذه الساعة المتأخرة. نهضت غادة بسرعة، والتقط نوح عكازه ونهض هو الآخر، ودخلا معًا الغرفة بينما كانت ترد: _ألو... أيوه يا إبراهيم، خير؟ _هاجر يا غادة... خرجت في نص الليل، وقالت لي إنها هترجع ومرجعتش... وماخدتش موبايلها... قاعد أدور عليها في كل الشوارع وشكلي هحتاجك، يمكن تكون في مكان إنتِ عارفاه وأنا معرفهوش... ********** في الوقت ذاته، كانت طائرة خاصة تهبط برشاقة فوق ساحة مخصصة داخل أحد القصور الفخمة بالعاصمة الإدارية الجديدة. هدير محركاتها يعلو برهبة، معلنة عن قدوم شخصٍ لا يُشبه الآخرين. رداخل الطائرة، كان يقف نور الديب متاهبًا للخروج، مرتديًا بذلته الأنيقة التي خيطت كما لو كانت امتدادًا لغروره، وإلى جواره منار، ترتدي فستانًا فاخرًا، تتشبث بذراعه المتصلّب، بينما ينزلان من الطائرة بحركة متناسقة أشبه بعرض مسرحي متقن، يُوحي للمتفرج بأنهما زوجان مثاليان... في حين أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. وما إن اقتربا من مدخل القصر، حتى لاحظا وجود عددٍ من الحراس والسيارات الخاصة مصطفة بانتظام أمام الباب الكبير. وفور أن بلغا عتبة الساحة، جثا جميع الحراس على ركبةٍ واحدة في تحيةٍ أشبة عبودية، وقال أحدهم بصوت جهوري: _البروفيسور سردار في انتظار جلالتك بالداخل. أومأ نور برأسه إيماءةً متعالية، لم تخلُ من استعراضٍ محسوب، ثم اتخذ طريقه إلى داخل القصر، وقال لمنار بنبرة آمرة مقتضبة: _اطلعي أوضتك دلوقتي. تركت منار ذراعه بهدوء، واختفت خلف أحد الممرات، بينما تابع هو طريقه إلى غرفة المكتب، حيث اعتاد أن يلتقي بكبار رجاله. وهناك، وجده واقفًا... سردار شاهين، بقناعه الأسود المعهود، يقرأ الكتاب الخاص بنور، ذلك الذي يدّعي أنه "كتابه المقدس". ابتسم نور ابتسامة واسعة، ثم ولج الغرفة وأغلق الباب خلفه، وقال بنبرة ماكرة: _زيارة مفاجئة... ممكن أعرف سببها؟ أغلق سردار الكتاب بهدوء، ووضعه أمامه، ثم قال: _الأخبار عليك مبشرة على النت... بس أنا حبيت أجي علشان أسمع التفاصيل منك. جلس نور على الأريكة المقابلة، واسترخى بجسده بثقة، وقال: _لسه راجع من ليبيا، خلصت دول الخليج كلهم والمغرب العربي، وليبيا كانت محطتي الأخيرة... هتفرغ بقى لمصر شوية. _طلعت من كل بلد كام تابع؟ سكت نور لحظة، قبل أن يتمدد ابتسامته المغرورة، وقال بكبرياء ظاهر: _خمسة مليون وخمسمية. ابتسم سردار بدوره، وقال: _ده فوق العشرة مليون الأولانيين. أومأ نور برأسه، ثم أردف: _كان نفسي أقفلهم عشرين مليون في الوطن العربي، بس هما كانوا شهرين، فاستغليت كل حي عليه ١٠٠ ألف كده، بعدين الموضوع هينتشر بسرعة عمرك ما هتتوقعها، بعدها بقى هستغل الدول الأوروبية والأمريكتين... وكده كده أتباعي بينشروا عن ديني على النت بشكل مكثف بكل اللغات. في تلك اللحظة، دخل خادم بانحناءةٍ خفيضة، يحمل صينية عليها زجاجة نبيذ فاخر وكأسان كريستاليان، وضعهما على المنضدة أمامهما، ثم انسحب في صمت مطلق. تقدم نور، وسكب النبيذ في كأس سردار بنفسه، وقال بنبرة متشفية: _بعد ما أدهم اتسجن خلاص... المجال بقى مفتوح قدامنا. جلس سردار على الأريكة المقابلة، والتقط الكأس بهدوء، وقال: _المجال دايمًا مفتوح قدامنا. ضحك نور باستخفاف، وقال: _مستغرب إن اللي بيقول الجملة دي بقى مفضوح دلوقتي بحوار سجن دارين والناجين منه، نجلاء اللي كنت هتتجنن وتقتلها عشان كانت بتقول كلام عن بيع الناس، دلوقتي بقت بتقول أدق الأسرار عليك وعلى اللي بتعمله... وبرضو سايبها وسايب اللي زيها. أخذ رشفة من كأسه، وأضاف: _أنا حتى مستغرب إزاي سيبتهم يهربوا... يعني فكرة إنك تقتل فريدة وتحرق دم سليم عليها دي كانت كفيلة إنك تخليهم يهربوا؟ يعني متأخذنيش... شكلك بقى عِرة أوي قدام العالم، وكل دا ولسه ياسر هيعمل للموضوع فيلم، وهيقلب الرأي العام عليك، ويمنع القانون عنده، وهتبقى ليلة كبيرة أوي. ظلّ سردار يراقب نور بصمت، بعينيه الحادتين خلف القناع، لكن ابتسامته الباردة تنطق بالكثير. ثم أخذ رشفة من كأسه بهدوء، وقال: _وبيقولوا إيه على يوسف؟ قطب نور حاجبيه، متعجبًا من السؤال المفاجئ، وقال: _مش واخد بالي... بس لما اسمك بيتذكر، دايمًا بيذكروه معاه، على إنه العالم الوحيد اللي شرّف مصر، وإنه دايمًا واخد الجانب الإيجابي... العالم كله عارف عن صداقتكم يعني. أومأ سردار برأسه، ولاحظ نور عليه مسحة سلام داخلي مريبة، فتساءل مستنكرًا: _هو انت فرحان إن سمعتك بقت وحشة؟ لكن سردار تجاهل سؤاله تمامًا، وقال فجأة، كمن ينتقل إلى محور مختلف: _عارف إن الواد المسيحي صاحب مصطفى دخل الطائفة بتاعتك؟ سكت نور للحظة، وهو ما زال يلتقط خيوط التحول الغريب في الحديث، لكنه أجاب ببرود: _آه عارف، وأنا عارف إن كل صحابه وحبايبه هييجوا لعندي، ومش هيستحملوه، محدش من الشعب بقى بيحب مصطفى ولا دينه دلوقتي. _خلي بالك، لأنه احتمال يكون جاسوس. ضحك نور، وهز رأسه باستعلاء، وقال: _حتى لو جاسوس... فأقدر أخليه تحت رجلي، ويطيعني، ويقف ضد مصطفى كمان. أنا خليت خمستاشر مليون تحت رحمتي ورغبتي... مش هقدر أخلي واحد؟ أنهى سردار كأس النبيذ في رشفةٍ أخيرة، ووضعه على الطاولة بتأنٍ، ثم نهض واقفًا كمن أنهى ما جاء من أجله، وقال بصوته الرزين، يحمل في نبرته قدرًا لا يُخطئ من الثقة والتهديد: _أنا عندي ثقة إنك هتنهي مصطفى وعيلته في أقرب وقت، وأظن بعد كل اللي وصلتله من قوة اجتماعية، ومن قوة لجيش النوفريين اللي بقوا عندك وخلوك أقوى... دا يخلي عندك الجرأة إنك تعملهم حاجة... أهم حاجة تختار الوقت المناسب. وهمّ بأن يغادر، متوجهًا نحو الباب بخطى ثابتة. إلا أن نور، الذي لم يكن مستعدًا بعد لإنهاء الحديث، ناداه بنبرة ناعمة تحمل خلفها رائحة الشك والدهاء: _بروفيسور سردار... توقف سردار في مكانه، ثم استدار برأسه، ونظر إليه. عندها قال نور، بنبرة خبيثة خافتة، مشوبة بتوجّس دفين: _ما تشيل الماسك دا وتوريني وشك كده؟ ارتسمت على وجه سردار ابتسامة عريضة، باردة، أثارت في قلب نور رجفة خافتة لا إرادية. ابتسامة لا تحمل طرافة، بل تجسد الهيمنة. ومن دون تردد، مد يده إلى وجهه، ونزع القناع الأسود. ظهرت ملامحه بوضوح. ذلك الوجه الحادّ الذي لطالما حيكت حوله الأوصاف المهيبة، زادته رهبةً ندبة عريضة تشقّ أنفه من اليمين إلى اليسار. كانت الندبة غائرة، كأنها ليست جرحًا فحسب، بل إعلانًا صامتًا عن ماضٍ من الدماء والنجاة، وكان من الجليّ أنه يُخفيها لا خجلًا، بل حفاظًا على صورة لا يطيق أحد أن يتحدق فيها طويلًا. اختفت ابتسامة نور فورًا، واعتدل في جلسته كمن فوجئ بما لم يتوقعه. واجتاحته رهبة عميقة، لم يشعر بمثلها منذ زمن. كانت نظراته تائهة، وصدره يضيق رغم الهواء، فكأن هيبة الرجل أمامه قد استيقظت فيه من سباتها الطويل. لاحظ سردار هذا الارتباك في عينيه، ولم يفوّته. اقترب منه بخطواتٍ واثقة، بطيئة، تغلق عليه المسافة عمدًا. وحين صار على مقربةٍ منه، قال: _إيه؟ كنت متوقع تشوف مين تحت الماسك غيري؟ أشاح نور بوجهه جانبًا، وقال بصوتٍ خافت: _مكنتش متوقع حد... كان فضول بس... لكن سردار لم يكتفِ بتلك الكلمات، وأمسك بشعر نور بقوة، رافعًا رأسه حتى تلاقت أعينهما، وتشبث برأسه أكثر، أجبره على النظر إلى عينيه مباشرة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ كالرعد الكامن، وكل حرفٍ فيه ينفث نار التذكير: _نسيت وشي ونسيت نفسك يا نور. بصلي كويس وارجع افتكر بقى... افتكر إن دا الوش اللي أنقذك من اليهود وداعش قبل ما يهتكوا عرضك... دا الوش اللي إدّاك قوة، وخلى ليك دور في الحياة دي... متنساش نفسك يا حبيبي... متنساش إنك مجرد كلب، ومش أي كلب... لا، دا كلب ملكي أنا... يعني لو طقّت في دماغي أمحيك من على وشّ الدنيا، همحيك! ماشي يا حبيبي؟ ثم بصق في وجهه، بصقة مهينة بحجم ما أراد من إذلال، وترك رأسه بعنفٍ جعل نور يتأرجح للحظة، ثم ارتدّ إلى الخلف كمن تلقى ضربة داخلية لا يُجيد ردّها. وعاد سردار إلى وقوفه، التقط قناعه وأعاده إلى موضعه بهدوء، ثم غادر الغرفة دون أن يلتفت، يترك خلفه نور جالسًا في ثباتٍ مشلول، وصدمة جامدة تنعقد على ملامحه، وشرخ جديد تشقّق في كبريائه. ********** قبل هذا ببضعه ساعات.. كانت القاهرة تتوسّد الليل بثقلٍ وتسير هاجر بين شوارعها المظلمة، تجرّ معها عبء العمر، وندوب الأيام، وذكرياتٍ سوداء لم تَخبُ نارها قط. تسير كما لو أنها تسير فوق شظايا ماضيها، وكل خطوة توقظ صدى صرخةٍ قديمة من أعماق الروح، صرخة الفتاة المشردة في السابق، التائهة في الطرقات، الباحثة عن ظل أخت، أو رائحة أمان، أو حتى اسمٍ يخصها. كانت تلك المدينة شاهدة على وجعها، شاهدة على الظهر المنحني والعين المرتجفة واليد قتلت من تعرض لها والتي تخاف ان تُمسك، لأنها كثيرًا ما سُحِبت إلى حيث لا يُرى النور. والليل الآن لا يحمل السكون، بل كأنه ساحة محكمة، يُسائلها: أظننتِ أنكِ تعافيتِ؟ أتظنين أن الهروب من الألم هو شفاء؟ لكنها لم تكن تملك جوابًا، سوى قلب يرتجف من الداخل، يرتجف بذات الذعر الأول، حين ظهر أدهم من عتمة النسيان. رؤيته، مجرد رؤيته فقط، كانت كفيلة بأن تُعيدها إلى قاع الهاوية، إلى تلك اللحظة التي ظنت فيها أن تلك الحياة انتهت ولن تعود. ارتجف قلبها كما لم يفعل منذ شهور، ارتجف لرعبٍ خام، رعبٍ لا يُشبه شيئًا إلا الرعب من الوحش حين تكتشف أن دمها هو ما يُبقيه حيًّا. كلّ شيء داخلها انهار بصمت؛ فظهور أدهم لم يوقظ ذكرياتها فقط، بل حرّك وحشًا دفينًا كانت تحاول كتم أنفاسه. بالنسبة للعامة فجرائمه مجرد أخبار عابرة تُذاع على الشاشات، أما بالنسبة إليها كانت جرائمه فصولًا محفورة في لحمها، في عيونها، في نظرتها التي لم تعد تعرف كيف تُقابل العالم دون أن ترتعش. ووجوده حيًّا أمامها بدا كذنبٍ لم يُكفَّر بعد. بل لم تعد متأكدة إن كانت قد نجت حقًّا، أم فقط تظاهرت. لطالما حاولت أن تقنع نفسها أنها تجاوزت، أنها بنت لنفسها حياة، وأن حب من حولها طهرها من كل قذارة علقت بها من تلك السنوات. لكنها لم تتخطَّ… تلك كانت الحقيقة العارية، الواضحة كسكين على عنقها. كل ما في الأمر أنها أخمدت الصراخ داخلها، علّها تستمر، علّها تبني حياة تُشبه الحياة، لكنها الآن تعرف أنها لم تكن تعيشها حقًّا، بل تهرب منها في صمتٍ متواطئ مع نفسها، تضحك أحيانًا، تطمئن، تحب… ثم تعود ليلاً إلى سريرها كمن يخلع قناع النجاة ويتعرى في مرآة الذاكرة. ركان خوفها ليس من أدهم فقط… بل منها هي. من تلك البقعة المعتمة داخلها التي لا تعرف إن كانت ما زالت مسكونة بلعنة الدم الذي يجري فيها. تخشى أن تكون هي نفسها امتدادًا له، تربة صالحة لنفس البذور القاتلة، حتى وإن لم ترتكب جرمًا بإرادتها. كيف تطمئن لمن حولها وهي لا تطمئن لنفسها؟ كيف تحب وتُحب وهي تجهل طبيعة الشر الكامن في جيناتها؟ هناك خيط واهٍ بين الحذر من الآخر والخوف من الذات… وهي تمشي عليه منذ زمن، وما عادت تعرف إن كانت تحاول النجاة أم تهرب من استحقاقها. وما زاد الطين وحلاً، هو ذلك التسليم المفاجئ الذي فعله أدهم، وراودها الشعور القاتل بأن هذا ليس إلا فصلًا جديدًا من رواية الألم التي كتبها بدم الأبرياء، وأن دورها فيها لم ينتهِ بعد. هل ستعود الآن إلى سيرتها الأولى، هاربة، مشوشة، مُحاطة بالتهديد من كل صوب؟ كل شيء بات مهتزًّا… هويتها، ثقتها، قوتها، سلامها الزائف. حتى وجوه من تُحبهم أصبحت مرايا قاسية تُذكّرها بأنها لا تستحقهم، بأن وجودها خطر، بقايا لعنة تمشي على قدمين. تحاول أن تصلي لربها بدموعٍ لا تنضب، أن تتطهر، أن تقول لنفسها إنها نجَت… لكنها تعرف، في قرارها، أن بعض الندوب لا تُشفى، بل تتنفس. وهكذا، وسط الظلمة التي تسكن المدينة، تسير هاجر... لتجعل من حولها ينجوا. وبعد ساعاتٍ من البحث المضني، ومع انبلاجِ خيوط الصباح الأولى في الأفق، كانت سيارة نوح تشق طريقها بين شوارع المدينة النائمة، ينقّب فيها عن أثرٍ لهاجر. إلى جانبه جلست غادة، تشير له على بعض الأماكن التي قد تخطر بها في لحظات شرودها، تلتقط بخيط الذاكرة ما يُشبه أثر ظل. لم يكن الأمل كبيرًا، لكنه كان يكفي ليدفعهم إلى مواصلة البحث، خطوة بعد خطوة، حتى بلغوا ذلك الجسر المعلق فوق النيل، حيث كان أول لقاء جمع بين غادة وهاجر، ذات صدفةٍ بعيدة، والذكريات لا تزال مبللة بندى البدايات. وهناك، كانت تقف. هاجر، كأنها قطعة من السكون ذاته، ترنو إلى صفحة الماء بنظراتٍ موغلة في الشرود، جسدها ساكن تمامًا، لكن ما في داخلها يعصف، يفيض، يتهدم بصمتٍ عميق. وبدت كأنها تحادث النهر بلغته الخرساء، علّه يحمل عنها بعضًا من وجعها. انتفض إبراهيم في لحظةٍ خاطفة وهو يقول: _أهي أهي! بادرت غادة تقول، وقد ارتسم القلق على قسمات وجهها: _اقف هنا يا نوح، وأنا هنزل أتكلم معاها... عشان لو هي عايزة تبقى لوحدها وشافتنا كلنا جايين عليها، هتعند. أومأ نوح برأسه في صمت، وركن السيارة إلى جانب الطريق بعيدًا عن هاجر بأمتار، ثم راقبها وغادة تترجل بهدوء وتمضي نحو هاجر بخطواتٍ محسوبة، كأنها تمشي فوق قلبها، لا على الإسفلت. وما إن اقتربت منها حتى شعرت هاجر بوجودها، فالتفتت، والتقت أعينهما في لحظةٍ صامتة، تضج بالكثير مما لا يُقال. في تلك الأثناء، داخل السيارة، ساد صمت ثقيل، قطعه نوح بصوته المتروي، وهو يوجه سؤاله إلى إبراهيم دون أن ينظر إليه: _اتخانقتوا مع بعض؟ حرك إبراهيم رأسه نفيًا، ثم أجاب بنبرةٍ خافتة، كمن يبوح بحملٍ ثقيل: _من أول ما شافت أبوها وعرفت موضوع إنه سلّم نفسه ده، وهي مش على بعضها. تنهد نوح، وأخرج من جيب بنطاله علبة السجائر، وسحب منها واحدة، أشعلها، ثم قال بعد أن نفث أولى أنفاسها: _محدش فينا على بعضه بعد ما عرف اللي حصل... وجود الراجل ده بيحملنا ضغط تقيل أوي... نظرة واحدة منه بس بتخليني حاسس إن الأكسجين مش موجود في المكان. رد عليه إبراهيم، وهو يحدق من نافذة السيارة نحو الجسر: _كل ده وإنت مشوفتوش غير مرة، وعرفت عنه من سبع شهور بس... ما بالك بيها بقى، اللي قعدت معاه ستة وعشرين سنة بحالهم... استنشق نوح نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم نفثه ببطء، وغابت عيناه في الضباب المتصاعد، قبل أن يقول بنبرةٍ ثقيلة مشوبة بالهم والقلق: _عندك حق... أنا متعجب من تمسكها بالحياة بعد اللي عاشته معاه بصراحة. وهنا كانت هاجر وغادة تقفان جنبًا إلى جنب، على ضفة الجسر ذاته، حيث تعانقت الذاكرة مع اللحظة، وتدفقت الصور القديمة كأنها لم تبارح المكان قط. النيل يمتد أمامهما ساكنًا، هادئًا، كأنه يُنصت لهواجسهما أكثر مما يفعل البشر. قالت هاجر، بنبرة ممتزجة بالشرود، تشبه نظراتها التي لا تفارق الماء: _فاكرة المكان ده... أول مرة شوفنا بعض فيه. ارتسمت ابتسامة خافتة على وجه غادة، فيها من الحنين ما يطفئ قسوة اللحظة، وقالت: _لما أنقذتيني من الانتحار. أومأت هاجر برأسها في حركة رتيبة، ثم التفتت إليها، وسألتها بنبرة تخترق السكون: _إحنا اتعافينا بجد يا غادة، ولا بنمثل؟ سكتت غادة قليلًا، كأنها تفتش عن إجابة داخل قلبها، ثم قالت: _أنا متصالحة مع التمثيل الحقيقة. قالت هاجر، بعينين أثقلتهما السهر، وصوتٍ ينضح بالخذلان: _كنت زيك كده... لحد ما ظهر قدامي... ولمسني... وشميت ريحته. من بعدها اكتشفت إن التمثيل ده كله مبيجبش فايدة... كان نفسي اكدب الكدبة وأصدقها زي ما بيقولوا، بس... أنا مش قادرة أصدقها والراجل ده لسه عايش. رفعت يدها إلى عينيها المتعبتين، وهي تفركهما بتعبٍ وجودي، بينما كانت غادة تنصت لها بكل حواسها. ثم تابعت هاجر، بلهجة مشبعة بالمرارة: _تعرفي يا غادة... لما اكتشف أدهم إنه بيحبني بجد ومقدرش يقتلني، عمل إيه؟ _عمل إيه؟ _كنت وقتها خمستاشر سنة... مكانش لسه بنى جيوش من عصاباته... ولا انضم للدارك ويب. بس من بعد ما بدأ يحس إنه بيحبني بجد ومش قادر يقتلني، كون جيوش... كون ميليشيات... عمل الريد مونكي... وضحاياه زادوا ضعف الضعف الضعف من عدد ضحاياه العاديين... ساد الصمت لحظة، ثقيلة كالسقوط، قبل أن تستأنف هاجر، وكأنها تسحب أنفاسها من هوة لا قرار لها: _الخطوة اللي عملها أدهم دي مش طبيعية... فكرة إنه يخطف عمر ويرجعه حي... ومن بعدها بشهرين يسلم نفسه، أنا أقدر أقولك بكل ثقة إن القيامة هتقوم قريب بسببه. عاد الصمت مرة أخرى، حتى قالت هاجر بنبرة مرتجفة، تنضح بالخوف الممزوج باحتقار الذات: _الكوابيس رجعتلي تاني... وخوفي من نفسي واستحقاري لنفسي رجعوا تاني، وزاد على ده خوفي عليكوا. نظرت إلى غادة، عيناها تلمعان بالدموع المكبوتة، وقالت بصوتٍ متهدج: _يوم ما طلعلي، أنا كنت عاملة حسابي إنه هيقتل إبراهيم... بس هو معملهاش، وكوابيسي كلها بقت عنه وهو بيقتله. أكيد هو بيتحكم في وعيي وبيلعب بيا وهو في السجن، بيخليني أحلم بالأحلام دي كتهديد، وأنا مش قادرة أستحمل أكتر من كده... همّت غادة أن ترد، لكن صوت هاجر سبقها، كأنه استشعر نيتها: _غادة، أنا لازم أبعد. تجمدت غادة، وارتسمت الصدمة على وجهها، وحملقت فيها بعدم تصديق، وقالت باستنكار: _نعم؟! أجابت هاجر، وعيناها تهربان من نظرة غادة: _أنا وجودي بينكم أخطر مما تتخيلي... وأخطر مما تخيلت أنا شخصيًا. مكانش ينفع أوصل ليكم... مكانش ينفع أحب أخوكي وأتجوزه... مكانش ينفع كل ده يحصل... أنا لازم أرجع أهرب تاني. قالت غادة، وهي تحاول كبح غضبٍ كاد ينفجر من عمق قلبها: _هاجر! مش إنتِ كمان اللي هتقولي كده! لكن هاجر تابعت، وعيناها تدمعان بمرارة: _إنتِ عندك نوح وإبراهيم، وإبراهيم هيقدر يتخطاني. أنا بجد وجودي مالوش فايدة ليكوا ومش هيجيبلكم غير المصايب. _هاجر... صاحت هاجر، محتدمة، كمن تلفظ نارًا اختزنتها طويلاً: _متناقشنيش يا غادة!!! المرة اللي فاتت أنا هربت من أدهم، بس المرة دي لازم أهرب من نفسي... أنا مش هستحمل أبقى سبب في موت حد تاني!! أنا هبعد!! في تلك اللحظة، لم تعد غادة قادرة على الاحتمال. وفي حركةٍ خاطفة، غريزية، انهالت على وجه هاجر ضفعة قوية لم تتوقعها الأخيرة، فارتدّ رأسها قليلًا إلى الخلف، وصمتت، كأن الزمن توقف. تلك الصفعة، وإن بدت قاسية، كانت أشبه بجرس إنذارٍ أخير، أرادت به غادة أن توقظ ما خمد داخل صديقتها من إرادةٍ وحياة. ومن داخل السيارة، انتفض إبراهيم ونوح في ذهولٍ حاد، ثم تحرك إبراهيم دون تردد، وفتح الباب وهرع نحوهما، بينما كانت غادة تستغل لحظة الصمت والذهول التي سكنت ملامح هاجر، لتصبّ انفعالها كما لو كانت تُفرغ عن قلبها شهور من الكبت والحزن والغضب. وصاحت بانفعالٍ حارق، ونبرةٍ تهزّ الأعماق: _هو ده اللي انتوا فالحين فيه دايمًا؟؟ إنكم تهربوا؟؟ انتوا هتجننوني ليه؟؟ ليه مش عايزين تقتنعوا إنكم عيلتي، وإنكوا بتنتموا ليا وأنا بنتمي ليكوا؟! كل ما حاجة تحصلكوا تيجوا تقولولي "ههرب"، كأني محطة تقعدوا فيها استراحة، ولما الأمور تتعقد تقوموا وتواجهوا كل حاجة لوحدكم؟! فيه إيه بجد؟! فوقي يا هاجر، متخلينيش أمر باللي أنا مريت بيه!! يا ستي سيبك مني، انتِ ليه تمري باللي نوح مر بيه؟! شفتيه كان عامل إزاي لما رجع؟ شفتيه صلح حاجة بهروبه؟! رغم إنكم أقوى ناس على وجه الأرض، بس انتوا أرعب وأجبن ناس على وجه الأرض! كانت كلماتها كالرصاص، لا تُمنح وقتًا للتفكير، بل تُصيب مباشرة القلب المُنهك. ظلت هاجر صامتة، تحدق في أعين غادة، تستمع بتركيزٍ مثقلٍ بالاستسلام، وعيناها تهتزان تحت ضغط الحقيقة التي تعرفها ولا تجرؤ على مواجهتها. بعدها خفضت غادة صوتها تدريجيًا، لكن نبرتها ظلت متماسكة، مفعمة بعاطفة صادقة: _انتِ لو هربتي، هتموتي نفسك بالبطسء، وكل مجهوداتك اللي عملتيها عشان تجمعينا وتحققي حلمك في تكوين العيلة، هتروح يا هاجر!!! أنا عمري ما هرضى ولا أسمحلك إنك تفكري في كده تاني أبدًا! انتِ مش دخيلة علينا، انتِ مش أجنبية علينا، انتِ عيلتنا، انتِ مرات أخويا، وأختي، وأخت جوزي، المصيبة بتاعتك هي المصيبة بتاعتنا، لو اتأذيتي إحنا هنتأذي، ولو اتأذينا فده مش بسببك، بل بسبب المؤذي نفسه. ما دام بقيتي في عيلة… فدور الهروب تنسيه تمامًا، وتقرري تلتزمي بدور الحماية. العيلة مبهربوش من بعض… العيلة بيحموا بعض! في تلك اللحظة، كان إبراهيم قد وصل إليهما، وجهه مشدود بالقلق، عيناه تتنقلان بين الاثنتين، وسأل أخته: _غادة... في إيه؟ التفتت غادة إليه، ثم أعادت بصرها إلى هاجر، وقالت بنبرة أقل حدة، لكنها لا تزال مشحونة بالغليان: _أنا متأكدة إن الضربة دي موجعتهاش، بس على الأقل تصرفي ده ممكن يخليها تفوق شوية من اللي عايزة تعمله. ثم استدارت، تمضي بخطى متوترة نحو سيارة نوح، الذي ظل يراقب الموقف في صمت، دون التدخل. بعدهل ركبت إلى جانبه، وأغلقت الباب بقوة، فأدار وجهه إليها وسأل بنبرةٍ هادئةٍ لم تخلُ من العتاب: _ضربتيها ليه؟ أجابته، وهي تحاول كبت فورانها، لكن الكلمات خرجت منها كشرر: _عشان غبية زي أخوها. سكت نوح لحظة، يحدق أمامه كمن يحاول تجنب النار، ثم قال: _أنهي أخ؟ _أغبى واحد فيهم. أومأ نوح برأسه، وهو يحاول التهرب من الشبهة، وقال: _عصام يعني. نظرت إليه غادة نظرة مشبعة بالضيق، وقد ضاقت ذرعًا بتصرفاته. وهنا تقدم إبراهيم إلى هاجر بخطى مترددة، لكنه كان يحمل في عينيه ما يفوق الكلمات صدقًا. مد يده ببطء، ووضعها برفقٍ على وجنتها المصفوعة، كأنه يريد أن يمحو الأثر لا عن بشرتها فحسب، بل عن قلبها. كان يُحاول أن يجعلها تنظر إليه، أن ترى فيه الوجه الذي لم يخنها، اليد التي طالما امتدّت لها. _هاجر... رفعت نظرها إليه، وعيناها ممتلئتان بارتباكٍ موجوع، وشرودٍ لا يزال يرتجف في أعماقها. ثم سألها إبراهيم بهدوء، نبرة صوته تجمع بين الأمل والخذلان: _كنتي عايزة تهربي فعلًا؟ أومأت برأسها، إيماءةً صغيرة كأنها تخجل من نفسها، فهبط شيء في قلب إبراهيم، وانطفأ فيه وهج كان يظنه ازدهر. شعر بخيبة ثقيلة، كأن كل ما مرّ به معها قد تهشم فجأة تحت وقع رغبتها في الرحيل، ظنّ أنهما يتعافيان معًا، يرممان بعضهما بصبرٍ نادر… لكنه الآن يشك، ويتألم. وهنا ابتعد عنها قليلًا، كي يمنحها الحرية التي تستحق، وقال بنبرة ممزوجة بالاستياء والعزم: _لو عايزة تهربي، أنا مش همنعك بالإكراه... اتفضلي... ليكي القرار. يا إما تكملي مشي، يا إما تروحي على العربية. اختاري المكان اللي إنتِ منتمية ليه بجد. وقفت هاجر لحظة، وتوقّف معها الزمن. التفتت يمينًا، حيث الطريق إلى المجهول، إلى هروبٍ جديد، إلى نجاة خادعة، ثم التفتت يسارًا، نحو سيارة نوح، حيث غادة تنتظر، وإبراهيم أمامها يمنحها الخيار لا القيد. ولم تتردد طويلًا.. لم تختار السيارة.. ولم تختار حتى الطريق.. بل تقدّمت نحو إبراهيم... وفي لحظةٍ صامتة، عانقته بقوة، عناقًا يحمل في باطنه اعترافًا، ودمعة، وانتماء حقيقي.. دفنت رأسها في صدره، كالتي تغرز روحها في مأواها الأخير الأصلي، بينما ابتسم هو وضمّها إليه بذراعين من حنان، وقبّل رأسها برفق، وتحسس شعرها كما لو كان يطمئن قلبه قبل أن يطمئن قلبها. وفي داخل السيارة، كانت غادة تراقب المشهد من نافذتها، وابتسامة خفيفة تعلو وجهها، وقالت بنبرةٍ راضية: _واضح إنها رجعت لوعيها، الحمد لله... مخادتش خمس شهور لحد ما تفهم إن الموضوع دا غلط. رمقها نوح بنظرة جانبية، وقد ارتسم على وجهه امتعاض خفيف، ثم قال: _تعرفي يا غادة، أنا عندي تضربيني قلم زي ده كل يوم وكل ساعة، أرحم من التلقيح اللي عمالة تعمليه ده. ضحكت غادة، وأجابت بمزاح لطيف، تتسلل فيه نغمة دفء: _مقدرش... أنا بحب وشك وبشوفه للبوس بس، مش للضرب. ابتسم نوح بشكل لا إرادي، وقد فهم من تغزلها اعتذارًا مغلفًا بالحنان، أو محاولة رشيقة لتلطيف الأجواء، خاصة بعدما شعرت بأن حديثها قد يجرهما إلى مشاحنة، فالتزم الصمت، وقد سكنت ملامحه نظرة امتنان هادئة، وهو يراها بعين من يعرف كم حملت، وكم كانت دومًا في صفه. وبينما كان هذا الهدوء ينمو، اقترب إبراهيم وهاجر من السيارة، ملامحهما متصالحة، وإن أنهكها التعب. عندها قرر نوح أن يعيدهم جميعًا إلى منزله، ليجتمعوا تحت سقفٍ واحد، في هذا اليوم الثقيل، لعلّ دفء الصحبة يخفّف من صقيع ما مرّوا به، ولتعود العائلة، ولو جُرحت، إلى حضنها الأول. ********** في هذا الصباح، استيقظ فياض على صوت المنبه يرن بنغمته المألوفة. نهض من فراشه بحركة آلية، تسكنها الرتابة وتثقلها الاعتيادية، وجلس على حافة السرير برهة، يحاول فيها أن يستجلب وعيه المشتت بين الحلم والحقيقة. في تلك اللحظة، بدا كمن نسي أمرًا جللًا... لكن، وما إن انقشع الضباب عن عقله، حتى اتسعت عيناه فجأة، إذ تذكّر بغتةً أن في منزله اثنين من أعتى الدُهاة، ولا يدري الآن ما الذي قد يصنعانه خلف جدرانه. فوثب من موضعه في ومضة، واندفع خارج غرفته بخطى متسارعة، لتتسلل إلى أنفه رائحة طيبة، نفّاذة، تدغدغ الحواس وتُربك التوقعات. قادته الرائحة بخطى مشدودة إلى المطبخ، حيث كانت كاجويا تقف أمام الموقد، تطهو الفطور بهدوء من يعرف تمامًا ما يفعله. وما إن شعرت بحضوره، حتى التفتت إليه بابتسامة مشرقة، وكأنها سيدة هذا المكان لا ضيفته، وقالت بنبرةٍ مرحة: _صباح الخير يا حبيبي.. الفطار قرب يجهز أهو. ظل فياض يحدق بها بذهولٍ نافد الصبر، ووجهه يتقلب بين الصدمة والامتعاض، ثم قال باستنكار بصوت واهن يظهر أنه لم يستفيق بعد: _نعم؟! _أنا متأكدة إن فطاري هيعجبك. _فين صاحبك الأبيض؟ _شاف طريقه وهرب زي ما اتفقتوا الفجر. عاد فياض إلى الصمت، يرمقها بنظرات عاجزة عن استيعاب منطق تصرفاتها، ثم قال بعد لحظةٍ مُثقلة بالضيق: _ماشي؟ وبعدين؟ _وبعدين إيه؟ قال فياض ممتعضًا، وقد ضاق ذرعًا بها وبالموقف كله: _انتِ لسة هنا ليه؟! اقتربت منه بثبات، ونبرة صوتها تغلفها اللامبالاة المتعمدة: _ما هو رفاييل اختار مكان يلجأ إليه في هروبه، وأنا اخترت مكان ألجأ إليه في هروبي. _انتِ بتستعبطي صح؟ هزّت رأسها نفيًا وهي تبتسم ابتسامة عريضة، وقالت بثقة: _لا يا حبيبي.. أنا اخترت أبقى معاك. ثم استدارت بهدوء تكمل إعداد الفطور، بينما رفع فياض كفّيه ومسح وجهه بعنف، في محاولة منه نزع الكابوس العالق بجلده. وظل واقفًا مشدوهًا، يحدق في الفراغ كمن داهمته ورطة وجوديّة، والأفكار تتقافز في رأسه كجمرٍ لا ينطفئ، يبحث وسطها عن مخرج لا يُبصره. وقبل أن يغوص أكثر في دوامة عقله، سمعها تقول، بلهجتها العذبة ذاتها: _يلا بقى عشان الفطار جهز. هنا وجدها تضع الصحون في صينيةٍ كبيرةٍ مُرتبة بعناية، ثم حملتها بين يديها بخفةٍ متقنة، وخرجت بها نحو السفرة بخطى رشيقة، متقمصة دور ربة منزلٍ ماهرة. تبعها فياض بخطى بطيئة، أثقلها التوجس والتكدّر، وما زال يحدق فيها بعينٍ يعلوها همّ غائر، وقلبٍ يضطرب كمن يسير إلى مصيره لا محالة، ثم قال بصوتٍ متهدج: _أنا هبلغ البوليس. قالت بنبرة هادئة، وابتسامةٍ لا تزال تتشبث بشفتيها: _بلغ يا حبيبي وأنا هقولهم إنك أخوه. زفر فياض زفرة حانقة، خرجت من أعماق صدره المحموم، كأنها محاولة بائسة لطرد يأسٍ متجذر. وفي خضمّ هذا التوتر، انبعث صوت هاتفه من داخل الغرفة، فالتفت باضطرابٍ نحوها، وكاد أن يتحرك، لولا أن بادرت كاجويا بلهجة وادعة: _خليك يا حبيبي هجيبهولك. ظل واقفًا في مكانه، كمن جُرّد من إرادته، يُشاهدها وهي تذهب وتعود كأن البيت بيتها. وما إن عادت، ناولته الهاتف، فنظر إلى الشاشة، فوجد أن المتصل إبنته ملك، ففتح الخط على الفور، بنبرةٍ تماهت بين الفرح والحذر: _ألو، إزيك يا حبيبتي؟ _الحمد لله يا بابا، عامل إيه دلوقتي؟ أكيد حاسس بضغط من الأخبار، وماما قالتلي لازم أجي أقعد معاك الفترة دي. ارتبك فياض، وراح يتلعثم وهو يحاول تدارك نفسه: _لا لا لا، ما تجيش. _إيه ده؟ ليه؟ ألقى نظرة خاطفة نحو كاجويا، ثم استدار قليلًا وهو يستنجد بكذبةٍ بيضاء، وقال: _أصل ... أصل لقيت برص عندي في الشقة.. برص كبير أوي.. ومش عارف أمسكه.. وأنا عارف يا حبيبتي إنك بتخافي منهم أوي، فأول ما أمسكه وأقتله هبقى أقولك. إنفلتت ضحكة من كاجويا، ليشير لها فياض بإصبعه على فمه أن تصمت، وقد اشتدت ملامحه في رجاءٍ صامت. فوضعت يدها على فمها لتكتم قهقهتها، بينما وعلى الطرف الآخر من الخط، قالت ملك في اشمئزازٍ وذهول: _يييع! لا لا، امسكه الأول، آه أنا مستحيل أقعد في مكان فيه الكائن ده. _آه أنا بقول كده برضو. وسرعان ما أنهى الحديث معها، مطمئنًا قلبها بالبقاء في منزل والدتها حتى يُنهي أزمة الوزغة العنيدة تلك، ثم أغلق الخط وتنهد في صمت، قبل أن يلتفت إلى كاجويا، التي كانت قد جلست بالفعل، وبدأت تتناول فطورها دون أن تفقد بهجتها. رفعت رأسها نحوه، وقالت وهي تمضغ لقمةً صغيرة، كأنها ترحب به في بيتٍ اختارته بنفسها: _يلا بقى يا حبيبي.. بسم الله. ظل فياض يرمقها بنظرة ثاقبة متحجرة، يحاول قراءة ما خلف تلك الملامح العابثة من نوايا. كانت النظرة محملة بالاحتقار والذهول معًا، وكأنه لا يصدق أن هذه المرأة الجالسة أمامه تنتمي فعلًا إلى هذا الواقع. تقدم وجلس أمامها ببطء، وعيناه لا تزالان معلقتين عليها في صمتٍ واجم، كمن يشهد أمرًا خارجًا عن ناموس العقل. وفجأة، قالت كاجويا بلهجة الواثقة من خطتها: _أنا نطقت الشهادة النهاردة عشان أبدأ صفحة جديدة وأنا مسلمة معاك، أول حاجة بس إن لازم أغيّر هويتي وأغطي التاتو بتاعي، وكل حاجة هتبقى تمام. ممكن أفضل على هوية تاي-سون بما إن بنتك بتحب تاي-سون يعني؟ لم تتحرك عينا فياض عنها قيد أنملة، حاجباه معقودان من شدة التعجب والذهول، وكل ما استطاع قوله، وقد خلت نبرته من أي تماسك: _انتِ مجنونة. _عارفة. _أنا مستحيل أخليكي في البيت ده وفي العمارة دي. _لا هتخليني غصب عنك، والأحسن إننا نتجوز عشان شكلك ما يبقاش وحش في العمارة، وإنت سمعتك طيبة وراجل رشيد من يومك. ساد الصمت برهة. كان فياض خلالها يُمعن التحديق، لا في ملامحها فحسب، بل في ماهيتها كلها، يحاول أن يفهم... أن يتجاوز الفوضى التي أتت بها. لقد أدرك، ولو متأخرًا، أن العناد معها لا يُثمر إلا مزيدًا من التورّط. ولذا، بدأ يُقنع نفسه بضرورة مسايرتها، لا ضعفًا، بل استدراجًا. تنفس بعمق، ثم مد يده نحو الطعام، وبدأ يأكل، معلنًا قبولًا مؤقتًا للواقع، فتهللت أسارير كاجويا، وبدت كطفلةٍ نالت لعبتها أخيرًا، وهتفت في فرح: _الأكل حلو؟ _جميل... وبعد لحظة، بدت ملامحه أكثر هدوءًا، وتحدث بنبرةٍ حكيمة، كمن يخطو بخطوات مدروسة وسط حقلٍ من الألغام: _طب بصي... أنا همشي معاكي، وهتقبلك، بس مش بالطريقة اللي بتعمليها دي. _طب قولي يا حبيبي الطريقة بتاعتك. _أول حاجة، انتِ هتلتزمي بهوية تاي-سون اللي انتِ عملتيها بالفعل، وهتلتزمي بيتك فوق، وهترجعي تاي-سون اللي كنتِ عليها، تمام؟ _طب مش هتتجوزني؟ أشار بيده حركة تدل على التزامها بالصبر، ثم أردف بنبرة أكثر جدية: _خطوة الجواز اللي انتِ عايزاها دي... عشان انا اقبل بينا فلازم يبقى وراها فايدة ليا وللعالم أولًا. أنا مش هتجوزك إلا في حالة إنك تديني كل التفاصيل والمصادر الخاصة بالعصابة كلها، وأماكنهم وأسمائهم وأعمالهم، ونبلغهم للسلطات... اتفقنا؟ ساد الصمت للحظة قصيرة، اختفت فيها ابتسامتها فجأة، وارتبكت ملامحها، لكنها ما لبثت أن اعتدلت في جلستها، وقالت بعزمٍ جليٍّ يكسوه التحدي: _أنا موافقة... بس أنا مقدرش أعمل كده إلا في مجالي اللي هو الدعارة، أما مجالات تانية زي السلاح والمجازر مقدرش أديك حاجة فيهم إلا تفاصيل بسيطة. _مش مشكلة.. التفاصيل الصغيرة بتوصل في الآخر لنتيجة. بس أهم حاجة، انتِ تبقي بهويتين.. قدام العالم انتِ تاي-سون، ومع عصابتك انتِ كاجويا. وإياكي تخليهم يخسروا ثقتهم فيكي... ماشي؟ أومأت كاجويا برأسها بقوة، في حركةٍ تفيض بالحماس والثقة وهي تقول: _متقلقش، ثق فيا... وبعدها أقدر أعيش حياة طبيعية وأكون عيلة معاك، صح؟ أجابها فياض وهو يشيح ببصره عنها، يخفي وراء جفونه حقيقةً لا تعلمها: _أيوة، صح. لكن في الحقيقة، لم يكن صادقًا. فبين كلماته الهادئة وملامحه المتماسكة بالقوة، كانت النيّة مبيتة وواضحة لا لبس فيها. لم تكن كاجويا تدرك أن المخطط الذي يسايرها فيه ينتهي عند نقطةٍ واحدة، لا ثاني لها: أن يسلّمها بنفسه للسلطات، متى اكتملت لديه التفاصيل وسقطت آخر ورقة من أوراقها. ففياض، وإن بدا مسايرًا الآن، ليس رجلًا يساوم على مبدأ، ولا يملك في قلبه حيزًا للتهاون مع من دنّس طريقه بالإجرام والرجس، مهما ادّعى التوبة أو ارتدى ثوب التغيير. هو رجل شديد الوضوح مع نفسه، يقف على أرضٍ صلبة من القيم التي لم تنهر في وجه الخطر، ولن يقبل، تحت أي ظرف، أن تكون شريكته امرأة كانت يومًا جزءًا من منظومة قذرة، ساهمت في تشويه أرواح الأبرياء والاتجار بالبشر والدم. ولذا، كان يمشي في هذا الطريق معها وهو يخطّ في رأسه نهايته، نهاية يعرف تمامًا أنها لن تكون في صالحها... بل في صالح الحق. وما إن أنهى فطوره، حتى نهض من مكانه لكي يتجهز للذهاب إلى عمله، ثم قال بلهجةٍ عملية تخلو من المجاملة: _هعملك نسخة من شقتك لو المفتاح بتاعه ضاع من عندك، ومن بعدها تطلعي تقعدي فيها لحد ما ربنا يسهل... سلام. ********** بعدما مر المؤتمر العالمي التاريخي في القاهرة، حيث أعلنت مصر انتصارها الأمني العظيم بالقبض على أدهم داغر، وحتى بدأت بوادر أزمةٍ إعلامية تلوح في الأفق؛ فكانت كلمة عصام الأخيرة تحولت إلى قنبلةٍ إعلامية، أشعلت نقاشاتٍ محمومة في الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي. هل سلّم أدهم نفسه؟ هل كانت العملية تمثيليةً مدبرة؟ هل خُدع العالم بمسرحيةٍ مصريةٍ ذكية؟ هكذا بدأت الأسئلة تتردد، تهدد بتحويل النصر الكبير إلى جدلٍ ينال من هيبة الدولة. لكن مصر، بذكائها السياسي والإعلامي، تحركت بحنكةٍ لتحويل هذا الصدع الصغير إلى حجرٍ جديد في بنيان انتصارها وتدريجيا تمت إدارة الأزمة بحنكةٍ وصبر. وفي هذا اليوم، بينما كانت وكالات الأنباء العالمية، مثل CNN وBBC، تتداول جملة عصام بحذر، وتتساءل عن حقيقة "تسليم أدهم نفسه"، اختارت الدولة المصرية الصمت الاستراتيجي. لم يصدر بيانٌ عاجل من القصر الرئاسي، ولم يظهر المتحدث الرسمي لينفي الرواية أو يدافع عنها. كان هذا الصمت، الذي بدا للوهلة الأولى كتردد، في الواقع خطوةً مدروسة بعناية. وفي غرف العمليات الإعلامية بالقصر، كان المستشارون الإعلاميون، بالتنسيق مع جهاز المخابرات العامة، يراقبون تدفق الأخبار والتعليقات على منصات التواصل الاجتماعي. وكانت الخطة واضحة: دع الإعلام يتخبط، دع الشكوك تتصاعد، ثم امتص الغضب قبل أن تتحرك. هذا الصمت أتاح للدولة وقتاً لتقييم حجم الجدل، ورصد ردود الفعل الدولية، وضمان أن أي ردٍ رسمي سيأتي في اللحظة المثلى، حين يكون العالم جاهزاً لسماع الرواية المصرية. وبعدها ستترك الدولة الجدل ينضج ليومٍ كامل، حتى تبدأ مرحلة الرد غير المباشر. وهنا، في أعماق القصر الجمهوري، حيث لا يبلغ الصخب إلا بعد أن يُصفّى، وقف الرئيس ياسر عند شرفة مكتبه الواسعة، يحدق بصمتٍ عميق في الساحة الغنّاء وحدائق القصر الممتدة، كما لو كان يفتش بين الأغصان عن خيوطٍ ضائعة، أو عن حكمةٍ تُعينه على فكّ طلاسم ما يحدث حوله. بدت عليه مسحة انتظار، انتظار لشخصٍ لم يصل بعد، لكنه قادم لا محالة. كان الصمت في تلك اللحظة كثيفًا، متماسكًا، كأنما له جسد وصوت، حتى قُطع بطرقات خفيفة على الباب، تلاها صوت ياسر يُجيز الدخول. فُتح الباب على مهل، ودخل وزير الدولة لشؤون المجالس النيابية بخطى محسوبة، ويحمل تحت ذراعه ملفًا من الجلد الأسود، يشي بما يثقل الأرواح ولا تُقال له الكلمات. استدار ياسر نحوه، ودون أن يشير له بالجلوس، قال بصوت خفيض مشوبٍ بجمرةٍ لا تخبو: _احكيلي عملت ايه؟ رفع الوزير نظره للحظة، ثم أطرق، كمن يخشى أن يشتبك نظره بعين العاصفة. تقدم بخفة، ووضع الملف على المكتب المصقول بعناية، وقال: _بعت الإعتراض الخاص بسيادتك للبرلمان... رسميًا... وطلبنا إعادة نظر فيه بالكامل. اقترب ياسر من المكتب بخطوات رزينة، ومد يده على مهل، ثم سحب الملف وفتحه بلمسة واحدة، كمن يفتح بوابة لمرحلة جديدة لا رجعة فيها. قال دون أن يرفع عينيه عن الأوراق: _بعته على هيئة اعتراض ولا ملحوظات؟ _إعتراض رسمي، وموقع بختم الرئاسة. استخدمنا المادة ١٢٣ زي ما حضرتك وجّهت، وحددنا البنود اللي لازم تتشال أو يعاد صياغتها. أومأ ياسر برأسه ببطء، كمن يزن الكلام بميزان دولة، ثم أغلق الملف، ورفع نظره نحو الوزير، وقال بثبات: _تمام... أنا عايز الجدول الزمني لمناقشتهم، ونعمل حسابنا لما يترد علينا، هيكون في صيغة جديدة للرد.. فنجهز الرد التاني من دلوقتي... احتمال البرلمان يعند، لأن منع قانون زي دا مش سهل. _فعلاً، لجنة الصياغة بدأت مناقشة الاعتراض من امبارح، وجاي لنا محضر الجلسة كمان ساعة. بس في أعضاء واضح إن عندهم نية للتمرير، حتى لو اتعدّل جزء من النص. أغمض الرئيس عينيه لحظة، كأنما يلوذ بسكينة مؤقتة من زحام القرارات، ثم فتح عينيه وقال بصوت منخفض، لا يخلو من الحسم والعزم: _أنا عايز الاجتماع مع اللجنة التشريعية يتسجل بالكامل، بالفيديو والصوت. وخلي الفريق القانوني يراجع الصيغة البديلة اللي هنقترحها لو أصروا على القانون. أومأ الوزير برأسه موافقًا، وقال: _تمام. كمان وجهت مكتب التنسيق النيابي يبدأ اتصالات غير مباشرة مع رؤساء اللجان، نوضح إن الرئاسة شايفة إن القانون دا خط أحمر. حدق ياسر فيه بعينين لا تعرفان التردد، ولا تنثنيان، وقال: _جميل.. جهز بيان احتياطي نخرجه للشعب لو اضطرينا نقول كلمتنا في العلن، بين اننا مستحيل نسمح بقانون بيع الناس يفضل على أرض مصر... واللي هيقف قدام اعتراضنا هيتحسب عليه ده، داخليًا وخارجيًا. رفع الوزير رأسه أخيرًا، بثقةٍ متأنية، وقال: ـ هنكون جاهزين قبل ما حد يسبقنا بخطوة، يا فندم... بس... _قول اللي في بالك. _هل ممكن الحالة اللي وصلتلها مصر من الشكوك في موضوع تسليم أدهم لنفسه دا يأثر على قرار البرلمان؟ سكت ياسر برهة، يتأمل السؤال بعين رجلٍ يعرف كيف تُبنى الدول ومتى تُستعاد الهيبة، ثم قال بهدوء ووضوح: _قدامهم ٣٠ يوم عشان يحددوا موقفهم... وال٣٠ يوم دول كافيين ووافيين لاستعادة صورة مصر لمجْزها في الموضوع دا. وفي تلك اللحظة، طرق الباب طرقًا خفيفًا للمرة الثانية، فسمح ياسر بالدخول، ودخل أحد الحراس. وكان ياسر يعرف من ملامحه وحدها، ما سيقوله، فسأله قبل أن ينطق: _إيه؟ صحي؟ _أيوة صحي يا فخمتك، بس لسة دايخ. _طب أول ما يفوق، جيبوه لعندي فورًا!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة