٦٠ . . . _يلا يا جمال عشان صلاة العشا. من ثمان سنوات، يجلس جمال عند المقهى الرجالي وهو يستنشق لفافة التبغ الخامسة وحيدًا سارحًا، وينتبه فور أن ناداه أحدهم ويدعوه لصلاة العشاء. التفت جمال لمصدر الصوت ليجده الرجل الصالح والمصلح، والذي يسمع مدح الناس له يخرج من أفواههم دائمًا. لقد كان مصطفى. عقد جمال حاجبيه بتعجب وهو يقول له: _انت تعرفني؟ تقدم مصطفى وهو يقول بابتسامته التي تبث الانشراح والراحة في كل من يراها: _أنا أعرف كل اللي في القرية هنا، يلا تعالى معايا. _فاضل عشر دقايق على الإقامة. _ماشي، وفيها إيه؟ وراك حاجة مهمة أو حاجة؟ تنهد جمال بضيق وهو يقول: _آه... ورايا مشوار مهم عايز أعمله. _أنا برضو ورايا مشوار بس مأجله لبعد العشاء. تعالى نصلي العشاء ونروح سوا مشاويرنا. نظر جمال إليه وهو يقول ليحسم الأمر: _يا عم مش عايز أصلي، سيبني في حالي لو سمحت. سكت مصطفى قليلًا ثم أومأ برأسه وذهب تاركًا إياه. وبعد قليل، فور انتهاء لفافة تبغه، نظر جمال إلى الطاولة حيث علبة سجائره ليأتي بالأخرى، ولكن لم يراها. إنه متأكد أن العلبة كانت فوق الطاولة. بدأ يبحث في جيوبه عنها ولم يجدها. وهنا تأكد أن مصطفى سرقها منه. استشاط جمال ونهض مسرعًا إلى المسجد، وفور دخوله استوعب أنهم قد بدأوا بالصلاة فعلاً. ولاحظ أن مصطفى هو من كان يأمهم. ظل واقفًا وهو ينظر لهم في حيرة، وهنا دخل أحدهم المسجد بسرعة ليلحق الصلاة، وحين لمح هذا الشاب وقوف جمال بلا حركة قال له: _يلا الحق صلي، متقلقش هتتحسبلك صلاة جماعة، متقلقش يلا. نظر جمال للشاب وما زالت نظرات الحيرة تعتلي عينيه، وشعر بالإحراج فأومأ برأسه وبدأ يصلي معهم، أو بمعنى أصح كان يتدعي الصلاة، فقد اكتشف أنه لا يستطيع الصلاة بتاتًا. كيف تكون الركعات؟ ماذا يقال فيها؟ ماذا يقال في السجود؟ ماذا يقال بعد التكبير؟ لم يكن يعلم كل هذا أبدًا. هنا نسي علبة السجائر ونسي كل شيء. كل ما كان يفكر فيه هو إحراجه الذي بدأ يقضم قلبه بوحشية، مع الحسرة التي أحرقته روحه. فقد تحسر على حياته التي هدرت في التفاهات والانشغال بالأمور الترفيهية التي كانت تعطيه راحة مؤقتة ومزيفة، والتي هدرت مع أخيه عبدالله ومع انحرافه الذي أدى إلى مقتله. حين انتهت الصلاة، وعاد المصلون لشؤون حياتهم الفانية بعد مقابلتهم مع رب العالمين الحي الذي لا يموت، ظل جمال جالسًا ينظر لمصطفى ومصطفى يبادله النظرات. حين أصبح المسجد فارغًا، اقترب مصطفى وجلس بجانبه وهو يخرج علبة السجائر قائلًا: _كنت بتدور على دي؟ سكت جمال قليلًا ميؤوسًا من نفسه ثم قال: _السرقة حرام يا شيخ. _أنا مسرقتهاش، تقدر تاخدها لو توعدني إنك ترميها في الزبالة وتبطل تشربها. ضحك جمال في تهكم ثم قال: _أنت شايف إن دي أكبر مشاكلي؟ السجاير؟ _البدء في تصليح أصغر المشاكل بينتج مع الوقت تسهيل إصلاح المشاكل الأكبر. سكت جمال بضيق، وأردف مصطفى: _دي أول خطوة، إنك صليت العشاء جماعة، مفيش أحسن من كده. _لا، مصليتش... مكنتش عارف أصلي. مش عارف إزاي شحط زيي عنده عشرين سنة ومش عارف يصلي. للدرجة دي ربنا كارهني؟ _انت حاسس إن ربنا بيكرهك؟ _أيوة. _ليه؟ _عشان هو مش سامحلي أقرب منه زي ما هو سامحلكوا. ابتسم مصطفى وقال: _طبعًا كل حاجة بإيد ربنا بس... حاجة زي دي جزء كبير منها بتكون مسؤوليتك. هتلاقي ربنا حطك في مواقف كتيرة أوي علشان ترجعله وتقرب منه وانت رفضت. رفضك ده حريتك ومسؤوليتك أنت. وربنا خلقنا أحرار علشان يفرق بين الطيب وبين الخبيث. سكت جمال قليلًا وقال بأسى: _معرفش أنا ليه مش عايز أي حاجة لها علاقة بربنا تبقى في حياتي. مش عايز أصلي، مش عايز أسمع قرآن، مش عايز أشوف حديث عن الرسول. مش عايز خالص أخش الدنيا دي... رغم إني بقيت مؤمن بعد ما كنت ملحد... بس معرفش... معرفش ليه رجوع إيماني مخلاني أرجع علاقتي مع ربنا. _تجنبك لكل ده يدل على الخوف ولا الإحراج؟ قال جمال وهو يهز رأسه مضطربًا: _مش عارف... حاسس إني منفعش أرجعله كده عادي بعد كل اللي عملته. بتهيألي الشعور جاي من الإحراج. سكت مصطفى برهة ثم قال: _نفس الإنسان أضعف مما تتخيل يا جمال، ومستحيل ربنا يكرهك علشان نفسك الضعيفة. الله لا يبغض عبدًا أبدًا، ورحمته معاك بتبان في أبسط الحاجات... زي شعورك بالذنب واليأس حاليًا. شعورك ده دليل على محبته ورحمته بيك. ولو هنقول عن الأنواع اللي ربنا بيبغضهم بالفعل... فدول ذكروا في أحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم. فالله لا يحب الكافرين، المستكبرين، المسرفين، من يجهر بالسوء، المعتدين، الظالمين، الخائنين، كل مختال فخور، البياع الحلَّاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر، والفاحش البذيء، والرجل الألد الخصم. هل أنت واحد منهم؟ هز جمال رأسه نافيًا ليُردف مصطفى: _طيب، {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ؟ نظر جمال إليه ليُردف مصطفى: _تعرف السؤال ده؟ السؤال المنزّل من الذات العليا لينا إحنا كعبيد، ما ظنك بربك؟ شايفه إزاي؟ تعرف إيه عنه؟ عارف ترد على الأسئلة دي؟ الردود دي مش هتبقى ليه طبعًا، سبحانه عالم بنفسك أكتر منك. إنما السؤال ده موجه ليك علشان تجاوبه لنفسك. تعرف إيه عن ربنا يا جمال، ومفكره إزاي؟ ظنك بيه إنه كارهك ده نابع من إيه؟ سكت جمال وهو يتفكر بعمق ثم أجاب: _حاسس إن من حقه يكرهني. أنا لو ابني عمل الحاجات الغلط اللي أنا عملتها كنت هكره... وممنتش هتلام على ده. _دي مشكلتنا يا جمال، مشكلتنا إننا بنحسب علاقتنا بربنا زي علاقة الأب بابنه. والحسبة دي غلط كبير وبتخلي علاقتك بربنا سيئة، وبتؤدي كتير للإلحاد. بحيث الشخص مستني من ربنا كل ما يتمناه وكل اللي على مزاجه، بس لما يشوف ربنا مبيستجيبش لمتطلباته المستمرة، بيتقمص وبينكر وجوده. زي ما أنت شايف دلوقتي إن ربنا ممكن يكرهك بسبب ذنوبك وإحراجك منه، مينفعش تتحرج منه يا جمال يا حبيبي. ده بيبقى من الشيطان. مفيش حاجة أحب عند ربنا من المذنب وهو بيتوب. ربنا مش أبوك. ربنا هو ربك وأنت عبده. دي علاقة خارج إطار أي علاقات ممكن تتخيلها. علاقة بين الخالق والمخلوق. قال جمال مستنكرًا: _عايز تقنعني إن ربنا حاببني بعد اللي عملته ده؟ عرضت ابتسامة مصطفى وهو يقول: _في حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم قال "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ"، احنا قدر لنا الخطايا والذنوب يا جمال، ولكن المؤمن بحق هو الذي يتوب ويحاول يمنع نفسه عنها ويعترف بها، ربنا مش عايزنا مثاليين، ربنا عايزنا نستغفره ونعبده ونتصرف على حسب مبادئه ودينه، ولو مكنتش بتعمل كده، فربنا وضعك معايا أهو عشان نبدأ نتوب سوا. سكت مصطفى برهةرثم أردف: _أوصف لك إزاي رحمة ربنا يا جمال؟ طلع لي كده أي حد في العالم بيحب يلاقي حبيبه بيخونه ويرجع له تاني وهو ندمان بيعتذر، مستحيل تلاقي. مستحيل أصلاً نتقبل إننا نبقى مع الناس اللي خانونا مهما اعتذروا، وممكن نسامحهم مرة، ولكن لو عملوها كذا مرة بعد كده مستحيل نرجع نحبهم تاني. بس ربنا عز وجل مش كده. ربنا عشان هو الغفور الودود، الودود يعني شديد الحب، ربنا بيحب عباده قوي يا جمال. من عظمته وتكبره سبحانه وتعالى، هو بيفرح لما يلاقيك بتذنب وبترجع له وبتستغفر له. الرسول صلى الله عليه وسلم لما شاف امرأة بتجري وهي بتدور على ابنها وأول ما شافته حضنته جامد قال "للَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا". ربنا مش هيكرهك يا جمال طالما ما زلت مؤمناً وعنده إرادة في أنك تقوي علاقتك به. كان حديث مصطفى كسيل من الماء الرطب الذي يرتوي به رئتيه الحارقتين وقلبه المنصهر، وارتسمت بسمة مريحة على شفتي جمال وهو يقول: _ط.. طب دا معناه إن ربنا هيغفر لعبد الله؟ أصله كان ملحد. اختفت ابتسامة مصطفى تدريجيًا، وبعدما صمت برهة قال: _عرفت إزاي إنه كان ملحد؟ _كان دايماً أعوذ بالله بينكر وجود ربنا وبيشتمه، وكان بيتكلم كلام كفر كده على حساباته في فيسبوك وأكس، وكان معاه ناس بتشجعه وبتتفق معاه في كل حاجة، وبصراحة أنا التزمت بسببه مدة، بس بعد ما هو مات... حسيت إن الحياة دي أتفه من إننا نؤمن بيها أكتر من ربنا. قال مصطفى وهو يهز رأسه: _لا يا جمال، ربنا مش هيغفر لأخوك...، ومش عايز حاجة زي دي تزعلّك. فربنا لم يغفر لوالد إبراهيم عليه السلام، كله إلا الكفر. سكت جمال وهو يشعر بالحزن الطفيف، ثم أضاف: _مصطفى أنا عايز أعرف ربنا أكتر... ممكن تساعدني؟ قال مصطفى بابتسامته الساحرة وبنبرة مفرحة مبتهجة: _أكيد طبعًا، أول حاجة إننا نتعلم الصلاة سوا، يلا بينا. . . . وبعد ثمان سنوات بعدما تعلم جمال أسس دينه والعلاقة الحقيقية بالعبد وربه، بعدما أيقن أن القلب لا يوجد له معتمدًا إلا الله، وأن العبد لا يشكو بثه وغمه إلا لله، وأنه لا يطرح قضاياه إلا على باب الله، فالعبد يعتمد على ربه بكل رضا وصبر، بدون اضطراب أو اعتراض، ويتوكل على الله بكل ثقة، فكما يجب أن تكون الثقة في طبيب الجراح أو سائق الطائرة، فيجب أن تكون تلك الثقة أعظم بالله خالق الكون وكاتب الأقدار، وأن يعود العبد للتوبة مهما تكرر الذنب دليل على تمسك العبد برحمة ربه. وفي الليلة التي تم فيها اختطاف نوح وغادة على يد الميلشيات، كان في غرفته يصلي قيام الليل، وفي عادته كان يدعو لها في سجوده: _اللهم اغفر لآنية وارحمها وازرقها الجنة ونعيمها. آنية، تلك المرأة التي لم ينساها أبدًا، رغم أن حديثهم سويًا لم يطل الدقيقة وحديثها كان مختصرًا، ولكنه حفر في عقله، فهي الوحيدة التي نصحته بالله وبالآخرة، وبعد توبته استوعب كما كانت كلماتها مهمة حقًا، وإن كانت على قيد الحياة الآن فكان سيشكرها كل يوم على نصحها له، ولكنه كان يشكرها بالدعاء لها كل ليلة في صلاته. هو لا يعلم لماذا تم قتلها من قبل الميلشيات، فهو يظن أنهم قتلوها لأنها كانت لاجئة أو بسبب تواجدها في مكان مهجور كعادة الميلشيات التي تقتحم هذه الأماكن. وفي سجداته الأخرى كان يدعو بفك أسر مصطفى ويدعو لهداية كل من تم ضلله من قبل نور الديب. فور أن انتهى من صلاته ومن ورده القرآني، اتجه للسرير وأمسك بهاتفه لينتظر صلاة الفجر. <طمني عملتوا إيه بخصوص موضوع مصطفى؟> رأى رسالة تم إرسالها له منذ ساعتين من رقم غير مسجل، وبعدما فتح الرسالة، وجد في الصورة علا. اعتدل في جلسته وازدادت دقات قلبه بتوتر، ولم يستطع تجاهلها فأرسل لها رسالة وسرد لها كل ما فعلوه ولقائهم بيوسف إمام. وبعد دقيقتين، عادت وأرسلت له رسالة ودار بينهما حوار قصير عن مصطفى وحزنهم على اعتقاله. وحين لاحظ اقتراب أذان الفجر قال لها إنه سيذهب للتجهيز للصلاة، وانتهت محادثتهم. انتهت محادثتهم بابتسامة عريضة على وجهيهما. المعروف أن جمال معجب بعلا منذ البداية، ولكن تلك الابتسامة على وجه علا لهو أمر غريب، فهي أعجبت بشخص بعد طلاقها لأول مرة أبدًا. ********* أثناء الفجر، كانت هاجر في غرفتها، واضعة السرير جانبًا وهي تحاول فك قفل ذلك الباب الأرضي الذي كان تحت سريرها. فالمعلوم عنها أنها تجيد كل ما هو غير قانوني، منها فتح الأقفال ببضع أدوات بدائية مثل دبوس الشعر، على سبيل المثال. وفور أن اقتربت من تفكيك اتجاهات القفل وفتحه، أصدر القفل صعقة ليدها جعلتها تنتفض وتبعد يديها بسرعة. كان القفل متطورًا للغاية، ولا يفتح سوى بمفتاحه المخصص له، ولا يمكن خداعه بتلك الأدوات الأخرى. زفرت هاجر بقوة من يأسها وتبرمها الشديد، فقد قامت بضرب الباب وركله بكل قوتها الخارقة ولكنه لم يفتح. وإن استخدمت تلك القوة في هدم عمارة، لكانت ستهدم، رغم ذلك لم يفتح الباب كما لو كان مصنوعًا من حجر فضائي خارق. وهنا خطر في بالها اقتحام المنزل من الشرفة، وعزمت على أن تنفذ الأمر في الحال، ولكن استوقفها صوت طرق على الباب، لتلتفت في حيرة من وجود أحدهم في هذه الساعة يطرق بابهم. خرجت هاجر من الغرفة لتجد نجلاء تخرج هي أيضًا من قلقها. أشارت هاجر لها أن تعود إلى غرفتها وألا تقلق، واتجهت إلى الباب ونظرت من العين، فتقطعت ما بين حاجبيها في تهيّع، وفتحت الباب بسرعة وهي تقول: _غادة؟ إيه اللي جابك في الساعة دي؟! دخلت غادة وهي تجهش بالبكاء، ثم دخلت وهي تقول: _الميليشيات أخدوا نوح يا هاجر، أخدوا نوح ورجعوني ومش عارفة هيعملوا فيه إيه. أُتت نجلاء في صدمة وازدادت أنفاسها من شدة هلعها من الخبر المفاجئ، ولكنها كظمت مشاعرها السلبية وبدأت تدعو بالصبر: _يارب ارحمنا، يارب انجد نوح ومصطفى، يارب، يارب دول الرجالتين اللي معندناش غيرهم، يارب احميهم، يارب. قالت هاجر وهي تصيح غاضبة: _خطفوه إزاي وليه؟؟! حد عملك حاجة؟؟ هزت غادة رأسها نافيه وقالت: _لا.. كانوا هيعملوا بس حد كبير منعهم تمامًا ومقربوش مني ورجعوني بسرعة أصلاً. مفهمتش كلامهم كانوا بيتكلموا فارسي. _مشوفتِيش روحتي فين وجيتي منين؟ _لا، للأسف... كانوا مغمّيين عيني. سكتت هاجر ووضعَت يدها على رأسها كما لو كانت تحاول تهدئتها وتجعله يستقر من كثرة اضطراباته والأفكار المتتالية التي تأتي فيه مع كل تلك الصدمات التي تأتي لهم واحدة تلو الأخرى. كل الأفكار التي تتغلغل في عقلها تنتهي بها المطاف إلى نور الديب. فهي واثقة أنه لديه علاقة بالميليشيات. ولكنها لم تكن تعلم أن ذهابها سيكون بلا فائدة، فهو ميت، لم يعد له وجود. ********* بعد ثلاثة أيام من تلك الليلة، تأتي ليلة أخرى ستكون أكثر سوادًا من تلك الأخيرة. بعد منتصف الليل، مروحية تهبط على أرض ساحتها العملاقة، يخرج منها عدد من الرجال الأقوياء يرتدون أزياء رسمية مهيبة، وآخرهم رجل أنيق قوي البنية، شاهق الطول يضع سماعات لاسلكية على أذنه، ويتطاير شعره الناعم المموج من رياح المروحية. ينزل درج المروحية بخطوات متراقصة باردة متجهًا إلى صديقه العزيز وعدوه اللدود في الوقت ذاته. اتجه أدهم إلى يوسف أمام الذي كان واقفًا في انتظاره، ووقف أمامه لتتقابل أعينهما، ثم نزع أدهم سماعته وهو يقول بابتسامة عريضة: _إزيك يا جوزيف، معجزتش إزاي لحد الوقت ده أنت صنعت عقار بيديك شباب دائم؟ قال يوسف ويظهر العبوس والبرود على وجهه: _كنت هقولك نفس الكلام، شكلك أصغر من عيالك، مكنتش كده آخر مرة شوفتك فيها. _يا حبيبي أنا جسمي يختلف عن أي حد. نظر يوسف للمروحية وهو يقول بتعجب بارد: _إيه لازمة الهيليكوبتر دي؟ أنت جاي منين؟ _جاي من طابا، حرقت شوية يهود ورجعت تاني، كنت عايز أعملهم صابون بس ملحقتش. تنهد يوسف بضيق وأشار لأدهم أن يذهبا، وأثناء سيرهما التفت يوسف إلى رجال أدهم وقال: _أنت جايب رجاله قليلين ليه؟ _وأجيب أكتر من كده ليه؟ يا عم وزير الزراعة بتاع كندا أخطر وأهم منه. التزم يوسف الصمت لعدم رغبته في التحاور مع أدهم، فهو يعلم جيدًا كيف يسير عقله ومنهجية تفكيره. يوسف يعلم أدهم جيدًا ويتنبأ بردوده وأفعاله وأفكاره، كما لو كان أدهم هو ولده الذي لم ينجبه. كان يوجد مجموعة من السيارات السوداء، دخلا كلاهما سيارتهما الأكبر حجمًا، وقال أدهم بعد جلوسهما: _مش عارف هستحمل الكلام مع فاروق إزاي، أنا مبطيقش الرجالة العجوزة، تحسه راجل محشش، عارف جون بايدن؟ أهو فاروق أهطل منه، ده بيتعامل معاملة أطفال يا جدع. ضحك أدهم على نكتته الخاصة لترتسم ابتسامة على شفتي يوسف على عكس طبيعته الباردة، ثم قال: _أنا مش عارف فعلاً إزاي هنتناقش معاه، غالبًا هيجيب حد يتكلم نيابة عنه. بينما كانت تسير السيارة، كان أدهم يطل برأسه من نافذتها مستمتعًا بتضارب الرياح في وجهه وشعره. يتأمل شوارع مصر التي تفيض بالكآبة كما لو كان المكان يتأثر بحالة ساكنيه النفسية. أثناء تأمله لتلك الشوارع المظلمة عند منتصف الليل المكفهر، قال: _بقالي كتير مجيتش مصر من قبل المرة اللي فاتت. _وحشتك؟ قال أدهم بعدما التفت ليوسف ناظرًا إليه: _هي مين؟ _مصر. لم يُجب أدهم وعاد وأطل برأسه من النافذة بصمت، وبعد صمت دام طويلًا، عاد ملتفتًا ليوسف وهو يسأله: _أنت قتلتها؟ _مصر؟ _ليلى. تنهد يوسف بنفاذ صبر، وبعدما صمت برهة أجابه: _لا، بس هي كانت المفروض تموت. اعتدل أدهم في جلسته بعدما قطب جبينه بابتسامة تفيض منها السخط، فمن عادته كلما يزداد احتدامه تزداد ابتسامته ظاهرًا أسنانه كما لو كان يكشر عن أنيابه غضبًا، وقال أدهم بعدما قهقه قهقة قصيرة وقال بنبرة عالية: _يعني شاركت في موتها!!!، ممنعتش سردار!!، مش قادر أصدق دا منك يا مجنون ليلى، أنت تقتل عيالك ومتقتلهاش! قال يوسف بنبرة باردة وثابتة معتادة: _أنا ماعنديش عيال، وبعدين هي مجرمة... لو ما ماتتش كانت هي هتموت نفسها، متخليش عشقك لليلى يخليك معمي عن مصايبها. رفع أدهم حاجبيه بتهكم وهو يميل رأسه ويقول هازئًا: _أنت بتكدب على مين يا يوسف؟، عايز تقنعني إنك راجل طيب محب للسلام وقاهر المجرمين؟ يلا دا أنت صنعت الروبوتات دول بس عشان تعمل علاقة مع روبوت من غير ما حد يقولك كلمة!!!، أنت صدقت نفسك إنك راجل صالح طالح يا *** يا ***. كاد أن يلكمه أدهم ليمسك يوسف بقبضته مدافعًا عن نفسه، ليردف أدهم بابتسامة عريضة مفزعة مستشيطة: _طب على كده بقى يا يويو، حطيت لليلى الوحمة اللي كانت على ضهرها لما عملت الروبوت بتاعها ولا لأ؟ آه صحيح أنت متعرفش إنها كانت موجودة لأنك راجل بائس وعبيط وكانت مبتحبكش وبتعاملك معاملة أطفال. كان يوسف متحفظًا على بروده وثبات انفعاله، ولكن لم يتحمل ولكم أدهم من حنقه لكي يخرس، ليلكمه أدهم هو الآخر ويدور بينهما شجار قوي في السيارة، ليقول السائق بنبرة مرتجفة تدل على هلعه واضطرابه الشديد: _ل.. لو سمحتوا، لو سمحتوا وقفوا عشان مانموتش كلنا لو سمحتوا. أراد يوسف أن يوقف هذا العبث ليمسك بيديه أدهم وهو يصيح في وجهه: _خلاص يا أدهم!!! خلاص مش وقته، خلينا نخلص أم المشوار ده بعدين ابقى اقتلني وقت ما تحب خلاص!!! توقف أدهم وهو يضحك محدقًا في يوسف، ثم ابتعد عنه عائدًا للطل من النافذة مستمرًا في القهقهة، ويوسف أخذ أنفاسه وهو ممتعض وعابس يحسن من شعره الذي تم بعثرته وينظف من سترته وقميصه على عكس أدهم الذي لم يكترث لبعثرة ملابسه وشعره. وصلوا لإحدى القصور الفاخرة في العاصمة الإدارية، وقال أدهم حين خرج من السيارة وهو يقف بجانب يوسف: _إيه ده؟ هو مش المفروض نروح القصر الجمهوري؟ _ده اجتماع سري يا غبي، هنروح القصر الجمهوري إزاي؟ لكم أدهم كتف يوسف وهو يقول: _طب متقولش غبي. دفعه يوسف غاضبًا: _وأنت متضربش. قال لهم أحد الحراس ليوقفهم عن شجارهم الطفولي: _لو سمحتوا.. محتاجين نحافظ على سلامة الناس الليلة دي. وتزداد علاقة أدهم ويوسف غرابة مع مرور الوقت، فيبدو أن علاقتهما عميقة ومستمرة منذ قديم الأزل، من يراهما لا يفهم هل هما أصدقاء أم أعداء. فكلاهما لديه القدرة على إنهاء حياة الآخر، ولكن رغم ذلك يوسف لم يقتل أدهم بعد، كذلك أدهم لم يقتل يوسف بعد. ومع تخطيهما منتصف العمر، فلم تكن هيئتهما الخارجية تظهر أنهما أصغر سنًا فحسب، بل سلوكهما سويًا يظهر أنهما مراهقان يتجادلان ويتشاجران بسبب أمور شخصية. إنه لأمر مرعب أن ترى أخطر رجلين في العالم يتعاملان مع بعضهما بهذا الأسلوب الهزلي. اتجها إلى باب القصر ويوسف يهدد أدهم: _أقسم بالله لو فكرت بس لو نص فكرة إنك تعمل حاجة أنا مش هرحمك. _محدش يمشي كلامه عليا. _كله عشان مصلحة عيالك. _عيالي أقوى من الخرع ده، ميتخافش عليهم. فتحت بوابة القصر لهم من قبل رجال الرئيس وحراسه، ووجهوهم إلى غرفة كبيرة قد تكون بحجم القاعة، فاخرة مترفة لأبعد حد. كان أدهم يبعث ببصره لكل ركن في المكان، يتأمل الأثاث الفاخر الثمين، والتكنولوجيا الحديثة القيمة، يطغى على المكان اللون الأبيض والألوان التي تتمتع بدفء اللون البني ونضارة اللون الأبيض (البيج). في جزء من تلك الغرفة خاص بالمقابلات والزيارات، جلس في كرسي عادل بخيت، وزير الوزراء. فور دخول أدهم ويوسف بصحبة رجالهم ورجال الرئيس، وقف عادل وهو يرحب بهم، ليرحب أدهم به متهكمًا: _أهلاً وسهلاً، تحيا مصر وتحيا الجيش. قال عادل بنبرة جادة يبطن بداخلها الرعب والقلق: _اقعد يا أدهم عشان ننهى الموضوع دا. جلسوا جميعًا، جلس عادل في كرسي أريكة وحده بينما جلس بجانبه أدهم ويوسف في أريكة مشتركة، وكانت الغرفة تعم برجال الحراسة والشّدائد. قال أدهم بلا مبالاة، واضعًا ساقه على الأخرى: _اتفضل يا سيدي، حاول تنهي معايا الموضوع قبل ما أنهي روحك. ابتلع عادل لعابه في قلق شديد وقال: _أنا هعمل معاك صفقة. _آه، عارف. أنت عايزني أديكم عمايل فاروق السودة، بس دا مقابل إيه؟ وياريت تنجز، عشان أنا مش من النوع اللي بيحب يقعد كتير. كاد أن يتحدث عادل، ولكن قاطعه أدهم قائلًا وهو يلتفت باحثًا عن فاروق: _ألا هو فين، صحيح؟ بيغير البامبرز بتاعه؟ ولا نسي ياخد دوا الزهايمر؟ تجاهل عادل نكات أدهم السمجة وقال: _إحنا هنديك مصر يا أدهم، هديك كل مواردها وآثارها، وتقدر تاخد من مال الدولة براحتك. ولو عايز رفعت يبقى هو الرئيس، ماشي. المهم تدينا كل اللي عندك يخص فخامته. زفر أدهم بضجر ولا مبالاة وقال وهو يعتدل في جلسته من غضبه الذي بدأ يتغلغل وابتسامته التي ازدادت: _مصر إيه دي يا عادل اللي اهتم بيها؟ وبعدين ما رفعت هو رئيسكم أصلاً؟ إحنا هنستهبل؟ رفعت اللي ماسك البلد دا، وأنتم كلاب عنده. دا أنتم مبتعرفوش تعملوا حاجة إلا لما تستعينوا بالميليشيات بتوعه. شوية الآثار والفلوس والأراضي دي اللي هتخليني أوافق؟ ازداد اضطراب عادل ورعبه المكتوم من أدهم. وهنا نظر ليوسف لكي يتحامى به، ليقول يوسف: _متخافش.. مش هيعملك حاجة. أومأ عادل برأسه وهو يقول، والعرق يتصبب من جبينه من شدة توتره: _معنديش غير حل واحد. نظر عادل لإحدى الحراس وأشار لهم أن يجلبوا ما يريده، ليخرج رجل منهم وبعد قليل يدخل عليهم ساحبًا أحدهم من شعره، كان الشخص أشبه بالجثة التي لا تقاوم، سحبه الرجل والقاه أمام أدهم ويوسف، مكبل اليدين، عينه اليمنى منزوعة تماما، أذنيه الاثنان مقطوعتان وسبعة من أصابع يده مقطوعة، وكسر في عظمه فخده اليمنى، معظم أسنانه مخلوعة والكدمات والحروق والجروح البليغة في كل شبر وسنتي في جسده، وهذا يزيد عن إصابات سقوطه من الدور السادس وكسور عموده الفقري التي لم يتم علاجهم بعد. لقد كان نوح، فبعد اختطافه من الميلشيات تم تعذيبة بوحشية بليغة لمدة ثلاث ايام، كانوا يكهربونه لمدة يومان وهو في سبات عميق لم يستفيق منه إلا بإستقبال جسده أعلى مراحل الفولت، وبعد أن أستيقظ تجبروا عليه اكثر وإفتكوا به بجميع أنواع التعذيب الممكنة ليسمعون صراخه الذي لم يسمعونه طيلة اليومان. فور أن القوه أمامهم لم يعرفه أدهم من زحام التشوهات في وجهه وجسده وشدتهم، ولكن علمه يوسف جيدًا، قطب وجهه وجحظت عيناه بصدمة واحتدام من بشاعة ما حدث لنوح، نهض مسرعًا وجلس ارضًا وهو يحاول افاقته خاشّ موته. _نوووح نوووحح سامعني؟؟؟ سامعني يا نوح، نوح رد عليا بأي حاجة، أتحرك يا نوح اعمل أي حاجة. أصدر نوح صوت أنين ضعيف جعل قلب يوسف ينفطر من صوته المهلك المرتجف، وفور أن علم أدهم أن هذا نوح إبنه اختفت ابتسامته وتحولت نظراته الهازئة اللا مبالية لنظرة جادة حادة، والتفت يوسف لعادل بنظرات أكثر استشاطًا من نظرات أدهم وهو يقول بنبرة صارمة ثابتة: _إنت مفكر اللي عملته دا لصالحك؟ تجاهله عادل وأشار لرجاله أن ينهضوا بنوح ويجلسوه على اخدى الكراسي، ولكنه لم يتحمل فبدأ يصرخ متألما مترجيًا أن يتركوا جسده نائمًا على الأرض، فالجلوس فعّل ألم فقراط ظهره المصابة وكسور فخده من الحركة، كان ألم جسيم لم يتحمل نوح وظل يئن بصوت عالٍ ويتفوه بكلمات لا معنى لها من إجثام الآلام في كل انحاء جسده هنا قال أدهم ببروده المعتاد: _أقعد يا يوسف، خلينا نشوف المسرحية اللي عادل عاملهالنا. جلس يوسف وهو ينظر لنوح بقلق عارم وشفقة شديدة وقال عادل هنا: _لو متعرفش دا مين يا أدهم، رغم إني أشك، فدا إبنك الوحيد، اللي لو مسمعتش كلامنا هنقتله قدامك، وزي ما إنت شايف احنا قدرنا نعمل فيه اللي أبشع من الموت. قال أدهم وهو مستمر في بروده وثباته الانفعالي: _متأكد؟، إيش عرفك يمكن إنت واخد مواطن برئ. أشار عادل لإحدي رجاله الواقفين بجانب نوح، ليسحب الرجل مسدسًا ويوجهه إلى رأس نوح ويضغط الزناد بدون تردد لينتفض نوح ويوسف من الفزعة ولكن لم يخرج أي رصاص، ليقول عادل_ _المسدس دا فيه رصاصة واحدة، لو فضلت تماطل وتكدب هنفضل ندوس لحد ما الرصاص تدخل نفوخه، فياريت تسمع كلامنها. قال ادهم ولم تتغير مشاعره: _ياعم دا مش إبني. _لو قولت إنه مش إبنك تاني هنقتله على طول من غير لعب بالمسدس، سبب إننا مقتلناهوش لحد دلوقتي إنه إبنك أصلا. هنا شعر أدهم ان الامر وصل إلى حده، كالكوب الذي يتصبب منه سائلة من كثرته، نظر أدهم ليوسف نظره سريعة، ليبادله يوسف النظرة ذاتها، كما لو كانوا قد خططوا لشيء من قبل وهذه هي إشارتهم، فهم يفهمون بعضهم من النظرات القصيرة. وبعد تلك النظرة في ثانية أخرج كل من ادهم ويوسف مسدساهما سويًا، يطلق أدهم رصاصة على رأس عادل ورصاصة يوسف تخترق رأس الرجل الموجه مسدسه لرأس نوح وتلك كانت الإشارة لبدء النزاع والحرب بين رجال ادهم ورجال الرئيس، ولم تطل تلك المعركة ليتم قتل كل رجال الرئيس مع سماع جزء منهم يهرب وهو يطلب بقدوم الجيش. وسرعان ما فك يوسف قيود نوح وأسنده لكي يسير معه وبدأ نوح يئن ويصرخ من شقاء ألمه الذي لا يحتمل ليقول يوسف محاولًا بث الصبر في قلبه: _معلش يا حبيبي إستحمل كلها دقايق بس إستحمل. سمعوا صوت وقع أقدام رجال كثير تركض بإتجاههم ليقول أدهم وهو يبتسم ابتسامة عريضةد _واضح إن الجيش جه، إطلعوا السطح، رفاييل مستنيكوا بطيارتهم إهربوا بيها لان الجيش هيكون محاصر المربع دلوقتي. قال يوسف متعجبًا: _إنت جيبت رفاييل؟ _آه، قولت ممكن نحتاجه، وأدينا إحتجناه. أسرع أدهم للطوابق العليا ليرشدهم إلى الطريق وحين لاحظ يوسف أن نوح لا يطيق الضغط على قدميه قرر أن يحمله فوق ظهره وسارع به خلف أدهم. صعدوا ثلاثتهم إلى السطح، وكانت بالفعل توجد مروحية، ولكنها كانت خاصة بالجيش. وكان هناك شاب قصير القامة لا يتعدى طوله المئة والستين سنتيمترًا، رغم ذلك ظهرت قوته وشراسته حينما رأوه واقفًا بين جثث الحراس وجنود الجيش المتناثرة حول تلك المروحية. كان هذا الشاب شديد البياض في بشرته وشعره، ووقوفه بين الجثث في ظلام الليل القاتم كان يظهر من بياض بشرته كشبح متوحش يقتل من حوله بشراسة. وبياض بشرته وشعره الشديد يظهر أنه مصاب باختلال جلدي يظهر غياب الصبغة للجلد والشعر والعينين وهو المهق. حتى عينيه كانت تتلون بلون أزرق دامس ممزوجًا بالبياض، وكان بؤبؤ عينيه يهتز اهتزازات دقيقة وسريعة بشكل بسيط لا تؤثر على نظره. أتوا إليه، وقال أدهم: _ركبهم الطيارة وسوق أنت، وسيب لي أنا الجيش. قال رفاييل بلغته الروسية بنبرة باردة تهكمية: _أتيت بي لأعود مروحية؟ قال أدهم: _يا عم، وصلهم وارجع تاني. هكون لسة مخلصتش. أصل أنا راجع عشان أدور على فاروق قبل ما يهربوه. أومأ رفاييل برأسه وركب المروحية. وقبل أن يركبوا، قال أدهم لنوح: _هشوفك تاني؟ نظر نوح إلى أبيه بعينه الفردية، ومن شدة إعيائه وتعبه لم يستطع الرد، واكتفى بالنظر. ابتسم أدهم وأشار إلى رفاييل أن ينطلق. وفور أن أقلعت الطائرة، عاد أدهم إلى القصر. للتذكير، فلعصابة أدهم أربعة نواب ملقبين بالأجنحة، وكل جناح يرأس خمسين ألفًا من أفراد عصابة أدهم، وكل منهم له وظيفة. فرفعت وظيفته هي تجارة المخدرات. كما ذكرت كاجويا سابقًا، هي جناح من الأجنحة التي تتحكم في عصابات الياكوزا في اليابان، ووظيفتها هي الدعارة. ورفاييل هو الجناح الثالث لعصابة أدهم من ضمن الأربعة، بجانب رفعت وكاجويا، والرابع المجهول المسؤول عن المجازر وقتل الأفراد. هو المسؤول عن عصابات روسيا كلها، ووظيفتهم هي الأسلحة والآثار والتجارة بهما. كان الوضع أمام القصر وحوله ما هي إلا فوضى عارمة، دبابات الجيش تقف أمامها محاصرين أدهم ورجاله، وجنود الجيش يدخلون لينقذون فاروق من بطش أدهم ولكن كل من يدخل لا يخرج مجددًا، من شدة همجية أدهم ورجالة وتعطشهم الخارق للدماء. كانت الدبابات والمروحيات مرتددة في إطلاق رصاصهم على القصر لكي لا يقتلون فاروق دون عمد، ولكن أدهم فاق توقاتهم. فبعد دقائق معدودات، صعد أدهم على سطح وهو ممسكًا بشيء في يده، جعل ظباط الجيش وجنودهم يتجمدون فزعًا وتُصعَق أجسادهم من شدة الصدمة. بابتسامة عريضة في وجهه تظهر أنيابه ونواجذه رفع أدهم رأس فاروق التي في يده لهم وبعدها يلقيها عليهم وهو يقهقه بهيستيرية ممسكًا ببطنه لا يطيق شده ضحكاته. ولكن سرعان ما سكتت ضحكاته فور أن إنطلق صاروخ مباشر على ادهم يبخر وجوده ويهدم الطابق كله فوق رأسه، وبعد دقائق من ظنونهم أنهم قضوا عليه وجدوه يعود ويقف وما زالت الابتسامة عريضة على شفتيه، من هذا الصاروخ ومن تلك الحجارة التي انهالت فوقه فقد اُصيب بحروق طفيفة وخدوش سطحية. ليصابوا بهلع عبروا عنه بطلقاتهم المستمرة الهيستيرية للرصاص ببنادقهم وبرشاشات المروحيات حولة، كان جسد أدهم خارق متين كجسد الفيلة، فالرصاص لم تؤثر فيه سوى بخدوش وكان يبعدهم بيده كما لو كان يلوح للذباب، ويمسك بحجارة عملاقة من الأنقاض كالدرع. وهنا اطلقت الدبابة صاروخ اخر أدى لدمارها وقتل معظم الظباط وجنود الجيش ودمار كل سياراتهم الحربية، إنه أمر غريب فذلك الصاروخ كان متوجهًا لأدهم، ولكنها في طرفه عين عادت لهم في سرعة خارقة لم يستوعبوها لتقتل كل من كان يحاصر القصر وتحولهم فتاتًا، فأدهم أمسك الصاروخ بيده والقاه عليهم في تلك المدة التي كانت أقل من الفيمتو ثانية. قفز أدهم الى الجنود المتبقين على قيد الحياة وبدأ يقتلهم بيديه العاريتين، ينزع رؤوسهم بيديه وينزع ذراعهم واطرافهم كما لو كان يمزق قطعة من الورقة، بعدها أتى صاروخ دبابة اخرى تجنبها أدهم وهرع بسرعة خارقة لعلية الدباب وفتح بابها وسحب الجندي من كان بالداخل وقتله بعدها دخل الدبابة وبدأ يطلق على الدبابة الاخرى ثم أطلق على المروحيتان التي كانتا تطلق عليه الرشاشات. كان أدهم يقوم بتلك الأفعال وهو لا يكف عن الضحك والابتسام، أعلى درجات النشوة والاستمتاع كان يشعر بهم حاليا، يتغلغل الدوبامين بين دمه وغدد جسده جاعلًا قلبة يقشعر فرحًا وكلما يقتل كلما طاقة جسده تزداد ويشتهي القتل أكثر وأكثر، كالرجل الشره الذي لا يستطيع ان يكف عن الأكل من سعادته وإرتفاع الدوبامين في جسده. بعدما أطاح بالمروحيتان خرج من الدبابة فهو لا يحبذ أن يتم تقييد حركته أثناء القتل، يحب الحرية في الحركة والإبداع في طرق القتل الممكنة، خرج ولملم أكثر الاسلحة الممكنة وارتداهم من احزمتهم وبدأ يسير وهو ممسكًا ببندقية رشاش. يسير خارج المربع السكني العملاق الخاص بالقصر ليتجه إلى المنازل والبيوت والعمائر ليبدأ في مجزرته، لم يعد يستعين برفعت وبمليشياته في هذه الحالة نظرًا لعدم ولائه له، لذلك اخرج هاتفه الذي لم يتأثر بأي مما حدث وإتصل بالجناح الرابع المسؤول عن القتلة المتسليلين او قيام المجازر، إتصل على جناحه الرابع وفور فُتح الخط قال: _تريسا، شوفي شغلك. ********* يدخل يوسف بيته مسرعًا متوجهًا إلى قبو منزله حيث مختبره العملاق، ثم دخل إحدى الغرف التي دخلها الصاوي مع ديميت سابقًا. كان في تلك الغرفة سرير موصل بقيود، فقام يوسف بوضع نوح برفق على هذا السرير وبدأ في ربطه بتلك القيود. وظل نوح يردد متألمًا بلفظ غير مفهوم من ثقل لسانه: _ا..أنا فين؟ أنا في واقع ولا وهم؟... أنا في المصحة ولا طلعت؟ قال يوسف وهو يجهز بعض الأشياء من المعمل: _أنت في واقعك يا نوح، وهثبت لك ده دلوقتي. بعدما أنهى من تحضير تلك المادة الأرجوانية المعالجة، عاد إلى نوح ونزع ما تبقى من ملابسه المهترئة ليقوم بالكشف على جميع الإصابات في جسده. كان نوح يئن لحد الصياح، لا يتحمل أي شيء، وكاد يتمنى الموت فقط لإنهاء هذا العذاب. ولكن تلك كانت البداية فقط، فقد قال يوسف لينبه نوح: _نوح، اسمعني، عايزك تمسك نفسك، الوجع اللي هتحس بيه ده هيبقى أسوأ وجع هتحسه في حياتك، أسوأ من كل التعذيب اللي أنت اتعذبته. بس الوجع ده يفرق، إنه وجع علاج، فلازم تستحمله، ماشي؟ بدأ يوسف بتعبئة ما يقارب العشرين حقنة بها تلك المادة التي ابتكرها هو وليلى وسردار من استخراج خلايا السلمندر، والتي تقوم بشفاء نفسه واسترجاع يده المبتورة مع الوقت. ومع بعض المواد الكيميائية التي تليق بخلايا الإنسان والمادة الغامضة صاحبة اللون الأرجواني، ابتكروا تلك المادة المعجزة. بعدها ظل يوسف يحقن مِللي ميترات في كل إصابة في جسده في أماكن دقيقة. حقن في عينيه المنزوعة، وحقن في يديه صاحبة الأصابع المقطوعة، وكذلك في أسنانه المنزوعة، وإصابات عظامه المكسورة والمشروخة في جميع جسده، من ساقيه إلى عموده الفقري إلى جمجمته. كذلك حقن في أماكن الحروق، التي كانت بليغة إلى حد بشع، كما لو كانوا يحرقونه بحمم بركانية. هنا قال يوسف بعدما انتهى: _استحمل الوجع يا نوح، أنت قوي. لو كنت أقدر أديك بنج، كنت أديلك والله... بس البنج هيبطل مفعول المادة. لم يبدأ المفعول في الثانية ذاتها، فبعد دقائق من استقرار نوح في وضعه، بدأ الألم الجسيم يتوغل في كل ذرة من جسده، حيث تلتئم جروحه وعظامه المكسورة، وكأن الإصابة تعود بشكل عكسي لتختفي. أصابعه تعود لتنمو، وعينيه تعود لتنمو، وأسعانه تنمو، وعظامه تتلاءم، وفقرات ظهره تتلاءم، وعضلاته وأوتاره تتلاءم، وجروحه وحروقه تتلاشى رويدًا رويدًا. تلك العملية العلاجية الشبيهة بالسحر كانت مقابل آلام جسدية أقوى من الإصابة نفسها. لم يصرخ نوح أبدًا في حياته بتلك العظمة والعلو والمجهود. صراخه إن سمعه أحدهم، سيقول إنه صوت مسرب من الجحيم لأحدهم يتم تعذيبه في قعر جهنم. كان يوسف ممسكًا بجسده مع القيود بسبب تململه القوي وانتفاض جسده العنيف. إنها ليست طريقة علاج أبدًا، بل أسلوب من وسائل التعذيب المطلقة. ظل على هذا الحال، ونوح يدعو بهلاكه وهو يصيح، ليقوم يوسف: _خلاص، كلها خمس دقايق، خلاص. امسك نفسك. واستمر نوح في استقبال كل أنواع الآلام الممكنة، وأضعافها مئة مرة، لمدة ما يقارب الربع ساعة، حتى فقد الوعي تمامًا فور انتهاء مفعول المادة وأصبح جسده في حالة سليمة تمامًا. استنشق يوسف نفسًا وهو منهك. بعدها أتى بجهاز تنفس ووضعه على فم نوح ليتيح له التنفس بشكل أنقى وأوسع، تجنبًا لاختناقه أثناء فقدان وعيه. فور أن سكت نوح، بدأ يسمع يوسف أصوات انفجارات على المدى البعيد وهزات أرضية متتالية. فصعد إلى الأعلى وخرج إلى حديقته ليشاهد مشهدًا حابسًا للأنفاس ومقبضًا للقلوب. ما يقارب مئات الصواريخ تنهال من السماء كسيل من المطر المنير الحارق. كان المطر عبارة عن كتل من المعادن المتفجرة الفتاكة الساحقة لأجساد الأنام، وعلم في الحال أن هذه صواريخ ومسيرات أدهم.
ROMISAA