مصارعة الوهم ٢

مصارعة الوهم ٢

40 1

١٣ علا مرزوق، هي صحفية مثيرة للجدل بسبب مقالاتها عن أدهم داغر وبسبب تصرفاتها الجريئة. زملاؤها في العمل دائمًا ما يشهدون على شجاعتها وجرأتها الغريبة، ولكن هذا في العمل فقط، فهي شخصية لطيفة للغاية وليست وقحة نهائيًا. لديها زميل يدعى يامن، هو مرافقها في باب الجريدة التي تعمل بها ويذهب معها إلى أي مكان للتحقيق فيه. هما الآن في قسم الشرطة الذي يعمل فيه عصام. حين وصلا لمكتبه، قالوا للعسكري الذي يقف بالخارج أن يدخل ليبلغ عصام عنهم، فقال يامن: _أنا مش مرتاح يا علا للراجل ده... سألته علا: _مش مرتاح له ولا غيران منه؟ ولا نفسك تكون زيه؟ نظر يامن لها مستغربًا ومصدومًا من ردها، لتبتسم ابتسامتها اللطيفة الخادعة تلك لتثبت انها كانت تمزح معه: _ياريت تحط رغباته وأمنياتك ومشاعرك على جنب، إحنا في شغل دلوقتي. دخلت المكتب ويامن خلفها. حين دخلا، سلما عليه، فرد السلام وقال: _اتفضلوا، قولوا إيه قضيتكم؟ ولو القضية غير القتل، ياريت تطلعوا بره. قالت علا: _لا، إحنا صحفيين... جايين عشان أدهم داغر. ظل عصام ينظر إليها بتمعن، وقال مبتسمًا بخبث: _عايزة معلومات عنه يا عسل؟ قالت علا بابتسامتها التي لم تفارق وجهها: _أه، عايزة معلومات عنه يا عسل. ضحك عصام ثم قال: _طب اقعدي. جلست علا وكاد أن يجلس يامن، فقال عصام له: _أنت متقعدش، أنت تطلع بره. امتعض يامن بشدة وقال: _أطلع بره ليه يعني؟ أنا صحفي زيي زيها. قالت علا: _معلش يا يامن، اطلع وأنا هبقى أقولك كل حاجة. تنهد يامن بنفاذ صبر وخرج من المكتب. هنا قال عصام: _عايزة تعرفي إيه بقى يا حلوة عن أدهم بالضبط؟ _أنا تابعت آخر قضيتين أنت حققت فيهم وعرفت كل تفاصيلهم، بس... عندي إحساس أنك ما قولتش كل حاجة. يعني في كل مرة سلاح الجريمة مش بتلاقوه في جرايم أدهم، وازاي محدش سمع أصوات الضحايا، وحاجات كتير مجهولة أنا عايزة أعرفها منك. ظل عصام يحدق في علا وجمالها ولا يعرف لماذا كان مبتسمًا بشدة وهو يراها تتحدث... شعر بشعور غريب تجاهها... فهذه المرة الأولى التي يرى فيها امرأة جميلة بعين غير عين الشهوة... بل هو حاليًا يراها بعين... اللطافة؟ وكأنها طفلة مثلًا وكأنه يريد ان يدللها بشكل اخوي جميل. تجاهل عصام شعوره هذا وأصر على أن يكون لديه شهوة تجاهها ليقول: _إيه رأيك تيجي بيتي ونقضي سهرة حلوة سوا وبعديها أحكيلك على كل حاجة؟ قالت علا بدون تردد أو تفكير بابتسامتها التي لم تتغير: _أه طبعًا... هاتلي عنوانك. ضحك عصام وكتب لها عنوانه وهو متحمس: _بكرة بالليل... ماشي؟ _ماشي... بس أنا محتاجة أروح للراجل اللي بيشتغل في عصابة أدهم اللي مسكتوه. اختفت ابتسامة عصام قليلاً، وقال مستغربًا: _أنتي عرفتي إزاي بالموضوع ده؟ _عرفت زي ما عرفت، أنا حاولت أوصله بس اكتشفت إنه مش موجود في أي أمن دولة في القاهرة ف... محتاجة مساعدتك تعرفني هو فين... أنا محتاجة أخد أقواله... أنت أخدت أقواله؟ _حاولت أخد بس مكانش بيقول حاجة. _تلاقيك سألته أسئلة ملهاش لازمة. _يعني إنتِ اللي هتسأليه أسئلة ليها لازمة؟ _أه. صمت عصام قليلًا ثم قال: _ماشي... تعالي هوديكي دلوقتي. _ياريت يامن يبقى معانا. _ماشي يا ستي. خرج عصام واتجه لمكتب رئيسه ويامن وعلا معه، ودخل المكتب وحده. _عايز تكلملي الامن الوطني عشان أدخل استجوب صاحب أدهم؟ _أنت مش استجوبته؟ _استجوبه تاني. _عصام... امشي اطلع بره، أنت ليك تستجوبه مرة واحدة بس... المخبرين هناك هم اللي بيستجوبوه. ظل عصام صامتًا يحدق في رئيسه قليلًا ثم قال: _صحيح، اخبار المدام ايه؟ نظر لعصام نظره وكأن عينيه تحترق من الغضب، وقال: _الله يرحمها. _إيه ده، قتلتها؟ _أيوة يا عصام... قتلتها. ضحك عصام بسخرية وقال: _طب ما تقتلني أنا كمان، مستني إيه؟ ده حتى قتلي هيكون أحسن... أصل أنا لسة عندي لسان... ولسة عندي بنات تانية هضيع مستقبلهم ومستقبل عيلتهم... هي مش بنتك اسمها چومانا برضو في جامعة عين شمس في كلية السن؟ غضب رئيسه بشدة وقال وهو يصرخ: _أنت عايز إيه بالضبط يا عصام؟ _عايز استجوب صاحب أدهم تاني... _خلاص هكلمهلك... روح أنت وفي طريقك هكون كلمتهم. ازدادت ابتسامته وهو يشعر بالانتصار وخرج من المكتب وقال لعلا: _يلا بينا.                              ******* علا فتاة تبلغ من العمر ثلاثًا وثلاثين سنة، صاحبة ملامح لطيفة آسيوية، وهذا ما جعل الرجال من حولها ينجدبون لها. فليس لأنها تمتلك ملامح آسيوية، بل يوجد خليط بين الجمال الآسيوي والجمال المصري في وجهها، يعطي طابعًا مميزًا وجميلًا جدًا لملامحها. وكل رجل يراها يعجب بها بكل سهولة. هي الآن أمام زنزانة هذا الشخص، ففتح عصام لها الباب ودخلت. _إزيك؟ نظر الرجل لها ولم يرد... يبدو أنه تم تعذيبه بشكل قاسٍ. _شكلك اتعذبت كتير... مع ذلك ماقولتش حاجة؟ لم يرد. _مين اللي قتل صحابك وقطع راس واحد منهم؟ وكنتم بعيدين عن أدهم ليه؟ وكأنكم كنتم في مهمة تانية. قال عصام: _سألناه عن الموضوع ده بالفعل بس هو ما بيردش. اقتربت علا أكثر من هذا الرجل وهي تقول: _طب أنا هسألك سؤال محدش سألهولك قبل كده. اقتربت منه أكثر لدرجة كادت ان تتلاصق أنفهما، وكان يحدق في عينيها بجمود وبرود، وقالت وهي تحدق في عينيه تمامًا: _إيه علاقة أدهم... بنوح؟ هنا بحركة لا إرادية رمش الرجل بشكل سريع، لتبتعد بسرعة وهي سعيدة، وتصرخ: _أنا صحح. قال عصام: _صح إيه، الواد مردش. _رد بعينه. ارتبك الرجل، فأمسكت رأسه لكي ينظر إليها عن قرب مجددًا، وقالت: _أدهم عنده عيال صح؟ صح؟؟ كان الرجل يبعد نظره وهو متوتر، فتبتعد علا وهي تقول: _أنا مش محتاجة ردك بلسانك... كفاية ملامحك... شكرًا ليك. وخرجت علا بسرعة.                              ******* في صباح اليوم التالي، الساعة السادسة صباحًا، تستيقظ غادة مفزوعة من ابنة عمتها التي أيقظتها بعنف: _قومي يا ***ة بقى، كل ده نوم... المفروض تصحي الساعة خمسة، إيه اللي نيمك ساعة زيادة؟ قالت غادة وهي تفرك عينيها: _اشتغلت كتير إمبارح... أنا تعبانة. _تعبانة؟ تحبي أجيبلك فطارك على السرير يا حبيبتي عشان ترتاحي؟ ما تقومي تعمليلنا لقمتين نطفحهم، مش كفاية إن أمي هي اللي بتعمل الغداء؟ _زعلانة ليه إن هي اللي بتعمل الغداء؟ ما أنا ماباكلش منه حاجة... أكلكم وانتوا حرين فيه. _أومال إنتي عايزة تلكلي من فلوسنا كمان؟ مش كفاية قاعدة في بيتنا على قلبنا؟ قومي يلا ومترغيش معايا. خرجت شهد ابنة عمتها، وقامت غادة وغسلت أسنانها ووجهها، ثم ذهبت إلى المطبخ وبدأت في الطبخ. هذا هو حال غادة، تعيش في ذل وإهانة وكأنها سندريلا، ولكن دائمًا ما يكون الواقع أبشع. فأي خطأ بسيط ترتكبه يتم إهانتها وضربها ضربًا مبرحًا من قبلهن. قبل أن تحصل على عمل، كانوا يستغلونها في كل شيء لأنها تأكل من طعامهن وترتدي بمالهن وتنام بمالهن. ودائمًا ما يذلانها على هذا المال الذي تعيش به، رغم أنه مال والدها وجدها. لم يرغبا في إنفاق أي شيء عليها حتى تم طردها من الكلية بسبب عدم دفع المصاريف لمدة سنتان، وملابسها التي ترتديها هي نفسها ملابسها منذ أكثر من خمس سنوات. لذلك، يعتبر العمل بالنسبة لغادة المنقذ الوحيد من كل هذا الذل، ومع ذلك ظلوا يستغلانها ويعاملانها كخادمة بسبب مكوثها في بيتهم. مهما فعلت، الذل يطاردها. _يعني إيه يجيلها عريس قبلي؟ ليه يعني هي أحلى مني في إيه؟ أثناء ما كانت غادة تطبخ، سمعت شهد تتحدث إلى أمها، وجذب انتباهها قولها هذا، فبدأت تنصت لحديثهم. _وطي صوتك يا بت، متخليهاش تعرف. مجدي كلمني وقال إن العريس هيجي كمان يومين ولازم يجوزها بنفسه وكان مستعجل اوي. متفهميش ليه... _وهو عرفها منين وعجبته في إيه دي؟ _مش موضوعنا دلوقتي، المهم إننا مش هنقولها وهو هييجي وهي متعرفش عشان يبان إنها بتطفشه. وكام كلمة مننا كده هو هيرفض، زي مثلًا نخلي المهر مليون جنيه حاجة كده. _أه، صح، ماشي تمام. _بس بقولك إيه يا بنت، متضربيهاش النهاردة عشان وشها ميظهرش، لحسن الراجل يقول علينا حاجة. _لا مقدرش، مضربهاش. هضربها وهبقى أحط لها مكياج عشان يداري كل ده. _اللي تشوفيه. _طب ما تقوليلي يا ماما ده اسمه إيه وبيشتغل إيه؟ ممكن أدور عليه. _اسمه نوح داغر وبيشتغل مدرس. صُدمت غادة بشدة وهي تتساءل: هل نوح سيأتي غدًا حقًا؟ إذن لماذا لم يخبرها؟ يجب أن تذهب إليه غدًا بعد عملها لتتأكد.                                 ****** في الوقت نفسه، نرى نوح يدخل متجر المشروبات تحت منزله. _السلام عليكم... إزيك يا عم جابر. _وعليكم السلام يا ابني، حالًا قهوتك هتبقى جاهزة. أثناء ما كان نوح واقفًا ينتظر، قال جابر له: _يابني، مش بتفكر تتجوز؟ والله بنتي جميلة وشاطرة وبتسمع الكلام... ما تاخذها. تنهد نوح بنفاذ صبر وقال: _عم جابر، أنا مش هتجوزها... اهدي بقى، كمان أنا كده كده هتجوز قريب، فمينفعش... _هتتجوز قريب؟ هو مش بنتي كانت أولى؟ _أنت بتتعامل معايا على إنك حمايا ليه كده؟ يا عم ربنا يكتبلها الزوج الصالح، ولو هتموت وتجوزها اوي كده، أشوف لها انا عريس... أخذ قهوته وسلم عليه وذهب إلى مدرسته. وصل إلى المدرسة وفور دخوله لغرفة المدرسين استغرب. فكلهم متجمعين وكأن هناك اجتماع سيُعقد بعد قليل. ما جعله يستغرب أكثر هو أن معظم المعلمين الذين اعتاد رؤيتهم غير موجودين وتم استبدالهم بمعلمين آخرين، ولكن رحمة وعلاء وأشرف موجودون ولم يتم استبدالهم. ما زاد استغرابه وصدمته هو أن رشا من بين هؤلاء المعلمين الجدد. رشا هي زوجته الثانية التي طلقها منذ ست سنوات. لم تتغير نهائيًا، بل بالعكس، فقد ازداد جمالها. في الحقيقة، مهنتها في هذه المدرسة ليست معلمة بل أخصائية اجتماعية. جلس نوح وقال لأشرف: _هو في إيه؟ مين دول؟ _هتفهم دلوقتي لما المدير الجديد يدخل. _هو في مدير جديد؟ هنا سمعت رشا تقول: _إزيك يا نوح، شكلك اتغير اوي عن زمان... شكلك بقى... مكتئب أكتر. نظر نوح لها وقال: _إزيك يا رشا، وإنتِ شكلك متغيرتش خالص. _دا مدح ولا ذم؟ _اللي تشوفيه.                                 ****** مريم الآن جالسة في فصلها تحاول أن تضع تركيزها كله على المعلمة وما تشرحه، ولكن صوت الرضيع الباكي لا يفارق أذنيها. بدأت تسد أذنيها بيديها، ولكن ما يجعلها تجن هو أن رغم انسداد أذنيها، لا زالت تسمع صوت الطفل. هنا ضحكن بعض الطالبات على مظهر مريم وهي تسد أذنيها. ظنوا أنها لا تريد أن تسمع صوت المعلمة. فنظرت المعلمة لمريم وقالت: _مريييم. انتفضت مريم ونظرت للمعلمة وقالت: _أ... أيوة يا ميس؟ _إيه اللي إنتِ بتعمليه ده؟ لو مش عايزة تسمعي الدرس اطلعي برة. _لا والله، أنا بس سامعة صوت عيل بيعيط، صوته وحش اوي. أنتِ مش سامعاه يا ميس؟ ضحكن الطالبات مجددًا، فتوقفت المعلمة وشعرت مريم بالإحراج والضغط. قالت المعلمة: _اخرجي يا مريم، اغسلي وشك وارجعي. شكلك مش فايقة. كادت أن تنهض مريم، ولكن لاحظت أن قلمها سقط على الأرض، فإنحنت لتلتقطه، وحين وقفت وجدت نفسها في مكان آخر تمامًا. ظلت تنظر حولها وهي مفزوعة لا تعرف أين هي. تحول الفصل إلى غرفة فارغة بها دماء متجلطة على الأرض. أما في الجدران، فلاحظت وجوهًا مرسومة بالدماء مرة وبالحجارة مرة. كانت وجوه مرسومة بشكل ماهر جدًا ودقيق. في الحقيقة، كانوا وجهين فقط، ولكن مرسومان بشكل مكرر يملأ الغرفة كلها، وجه لشاب ووجه لامرأة جميلة. _هي كانت هنا... ماتت هنا. سمعت مريم صوت فتاة لا تعرف من أين يصدر. _عارفة ماتت إزاي؟ هنا فجأة شعرت مريم بألم قوي في بطنها، تحديدًا في منطقة الرحم. وفجأة وجدت حبل سري خارج منها، كان الحبل طويلًا جدًا يصل إلى خارج الباب. لا إراديًا اتجهت خلفه وخرجت من الباب، وجدت أمامها ممر وسارت متتبعة ذلك الحبل السري. أثناء ما كانت تسير، كانت تمر على بعض الغرف التي كان بها مشاهد بشعة. كانت ترى غرفة بها خطاطيف معلق على كل خطاف منهم جثة عارية. كانت غرفة عبارة عن جثث معلقة وكأنهم يحتفظون بهم. كانت البرودة تظهر على جلودهم الصفراء. وكانت الجثث ليست سليمة أيضًا. يوجد من جمجمته مهشمة، ويوجد من أطرافه مقطوعة أو مهشمة، ويوجد من أحشائه كلها خارج بطنه، وما يزيد المأساة والمنظر البشع هو وجود أطفال بينهم. كانت مريم لا تفهم ما هذا المشهد الذي أمامها. اعتقدت أنهم دمى سيليكون أو شمعية، ولكن سمعت صوت الفتاة: _القسم ده قسم الجثث. الممر ده كل الأوض اللي فيه فيها جثث. بس كل اوضة ليها تخصص معين للجثث، في اوضة للسلخ، اللي بيسلخوا فيها جلودهم. بعد ما بيسلخوا جلودهم، بيروحوا لاوضة التشريح، بيشرحوهم ويطلعوا أعضائهم. بعد ما يصفوهم، بيودوهم على اوضة بيفصلوا فيها اللحم عن العضم. ساعات بياخدوا اللحوم يفرموها ويحطوها بين لحوم حيوانات ويتباعوا عشان الناس ياكلوها، أو يفرموهم ويحطوهم مع أكل كلاب أو قطط. أما الدم، فأكيد مش بيسيبوه، بيعبوه في أكياس ويودوهم لمستشفياتهم. أما العضم، فيستخدمونه وقود للنار في معظم أجهزتهم في المبنى ده. أثناء سير مريم وهي تسمع تلك الفتاة، كانت تمر على تلك الغرفة. أول غرفة هي غرفة السلخ، وهذا ما رأته بالتحديد. غرفة واسعة بها أربع أسرة من الحديد، فوق كل سرير جثة متصلة بها خرطوم رفيع يشفط الدم من آلة شفط معينة... وكل آلة شفط مكتوب عليها فصيلة دم محددة. كانوا أربع جثث: طفل يبدو في سن مريم، وطفلة قد تبلغ من العمر سنتين أو ثلاث سنوات، ورجلان. أثناء شفط الدماء، كانوا يسلخون الجثث بأدوات معينة وبشكل دقيق جداً وبنظام محدد. كان الرجال الذين يسلخون يرتدون بدلة بيضاء تغطي رؤوسهم بالكامل. لاحظت مريم أكواماً من الجلد حولهم. _هي دي الجلود؟ _أيوة. سارت مريم إلى الغرفة الأخرى، التي كانت تشبه الغرفة السابقة. رأتهم يفتحون الجذع بشكل كامل ويستخرجون الأعضاء بشكل حذر ودقيق. وتراهم يقتلعون الأعين والأسنان بطريقة جراحية ماهرة. واصلت سيرها لترى غرفة أخرى، ولكن هذه المرة كانوا يقطعون الجثث المسلوخة بساطور، وينزعون اللحم عن العظم، ويضعون اللحم في صناديق معينة ويلقون العظام في كيس كبير من الخيش. كان المشهد لمريم، صاحبة التسع سنوات، مؤلماً لعقلها، وليس جيداً لعقل أي إنسان سوي. أن ترى إنساناً يُسلخ ثم يُقطَّع كالمواشي، ويُستخرج عظامه ولحمه، هذا ليس شيئاً هيناً. _تخيلي المشهد ده على باباكي، أو مامتك، أو جدتك... كل اللي إنتِ شايفاهم دول ليهم أهل. كل اللي إنتِ شايفاهم دول كان لهم حياة، كان ليهم أحلام وطموحات، كان ليهم شغلهم وتعليمهم، كان ليهم أحبابهم وأعداؤهم، كان ليهم مواهبهم وهواياتهم... لكن كل ده راح منهم بسبب قرار هم مش مسؤولين عنه، بسبب أنهم وُلِدوا في بقعة معينة من الدنيا، أجبرتهم أن يكونوا هنا... ده مش غلطهم. _مين دول؟ وإيه المكان ده؟ هنا شعرت مريم بألم في بطنها فقررت أن تتبع الحبل بشكل أسرع إلى أن وصلت لغرفة أوسع، رأت فيها رجلاً لم يجذب انتباهها فيه سوى نظاراته الطبية. كان يشرح جثة فتاة... كانت فتاة جميلة، ولكن بطنها ممزق تماماً، وموضوع على منضدة ما... قطعة لحم حمراء تتحرك، كانت تلك القطعة متصلة بها الحبل السري الخارج من مريم. _الأوضة دي بتاعته لوحده... بيختار جثث معينة عشان يشرحها بنفسه ويختبر فيها شوية من مواده ويحللها ويعرف يبتكر أي حاجة منها... راجل مجنون... _هو... إيه البتاع الأحمر اللي على الترابيزة هناك ده؟ _ده ابنها... بعد ما خرجته ماتت. هي غير كل الجثث اللي أنتي شوفتيهم... هي عزيزة عليه بسبب قوتها الخاصة، عشان كده بعد ما هيشرحها هيحتفظ بيها. _هي مين دي؟ وليه ابنها متوصل بيا أنا؟ _ههههههه أقسم بالله أنتي مجنونة... أنتي بتعملي إيه؟ ههههههه. سمعت مريم صوت فتاة من فتيات فصلها فالتفتت فجأة ورأتها خلفها. _روان... أنتي بتعملي إيه هنا؟ أنتي جيتي إزاي؟ ظلت روان تضحك بشدة وهي تقول: _إنتِ هبلة أوي، أقسم بالله... مالك يا بت، بتتكلمي كده ليه؟ هو إيه اللي جيت إزاي؟ إيه الكلام اللي أنتي بتقولي ده؟ ظلت تضحك بشدة، وهذا أغضب مريم وقالت وهي تصرخ غاضبة: _متضحكيش عليا، بطلي تضحكي عليا، إنتِ بتضحكي عليا دايماً ليه؟ ازداد ضحك روان بشكل هيستيري، وفي تلك اللحظة شعرت مريم بدوار وكأن المشهد أمامها يغرق في السواد والتشويش الشديد، أشبه بدخولها في موج بحر شديد. حين هدأ هذا الموج، فتحت عينيها ووجدت نفسها في حمام المدرسة، ولكن أمامها... جثة روان... منحورة في رقبتها، والأرض مليئة بدمائها. ازدادت أنفاس مريم واتسعت عينيها بشدة، من شدة اتساعها قد تخرج من مكانها، قلبها ينتفض ويضرب في ضلوعها من هلعها. وما جعلها تدخل في حالة هيستيرية هو رؤيتها الدماء في يديها. صرخت مريم وسقطت على الأرض وهي تغمض عينيها، متأملة أن يكون كل هذا وهماً أيضاً كغيره. _مريم، أنتي هنا؟ _اهدي يا بنتي، اهدي، في إيه؟ _اهدي يا مريم، إنتِ كنتي فين؟ إيه اللي حصل؟ اهدي. تجمع المعلمون حولها، وفتحت مريم عينيها وهي تبكي وتصرخ بشكل هيستيري. وحين نظرت إلى مكان جثة روان، لم تجد شيئاً. ونظرت إلى يديها، فوجدت لا أثر للدماء. توقفت عن الصراخ ولكن لم تتوقف عن البكاء، وظلت تبكي بشدة وفقدت قدرتها على الوقوف، فأسندها المعلمون إلى غرفة الأخصائي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة