مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣

مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣

40 0

٩١ . . . منذ ثلاثين سنة، في إحدى القرى المصرية الريفية، دخل سيد، الشاب الكادح الطيب، وهو يحمل في يده شهادة ميلاد ابنه، متوجهًا إلى زوجته بعد أن سلَّم عليها. _شوفتي الموظف النايم؟ كتب اسم ابننا يامن بدل أيمن. شهقت زوجته شهقة قصيرة وقالت في تعجب: _إيه يامن دا يا سيد؟ دا اسم يهودي ولا إيه؟ لا لا، لازم يبقى اسمه أيمن، اتصرف. _يهودي إيه يا بنت؟ دا اسم عادي، خلاص بقا، ابقي قوليله أيمن لو حابة، بس هو عالورق يامن وخلاص. مع ولادة يامن، بدأ والداه في تحديد مستقبله، من وسائل تجميع المال لتعليمه وإطعامه وكسوته، كانوا يفكرون ويخططون ليامن، بينما كانت تجلس بجانبه شقيقته الكبرى فريدة، التي تكبره بخمس سنوات، قد خططوا مستقبلها بالفعل الذي كان بعيد المنال عن التعليم. كبرت فريدة على وقع المسؤولية، فمنذ أن كانت في الثامنة من عمرها، بدأت قدماها تغوصان في الطين، تتبع والدها إلى الحقول مع أولى خيوط الفجر حتى الهاجرة. لم تكن شكواها تجد أذنًا تصغي، ولم يغيّر من حقيقة أن العمل كان قدرها الذي كُتب عليها منذ أن أبصرت النور في بيت يقدّس الكدح. وزادت المسؤولية على عاتقها مع ولادة أختها رضوى بعد يامن. لم تعد مهمتها تقتصر على حمل السلال وتقديم العون في الحقول، بل وجدت نفسها أمًّا ثانية، كان عليها أن تعتني بأخيها يامن في دراسته، وأن تهدهد الرضيعة الصغيرة إذا بكت، وأن تستيقظ قبل الجميع لتعد الطعام بضحبة أمها، ثم تنطلق إلى يومها الطويل في العمل بصحبة أبيها. أيقنت من والدتها أن النساء لا يتعلمن، ولا يملكن رفاهية الأحلام، بل عليهن أن يكنّ سواعد عاملة، أو صدورًا حانية تحتوي بكاء الأطفال. لم تسأل عن حقها في التعليم، إذ لم يخطر لها يومًا أن تتمنى ما لم يُمنح لغيرها من بنات القرية، فحرثت أمها في عقلها لسنين بأن البنات اللاتي يتعلمن هن من علية القوم أو ما شابه. إلى أن وصلت فريدة إلى سن الثانية عشرة، وأصبح يامن في السابعة، ورضوى في السادسة، كانت تحمل الابنة الرابعة بين يديها، رباب... حين كان يامن في المدرسة، وفريدة جالسة تُرضع رباب بالرضاعة، ورضوى تحاول اللعب معها، قالت فريدة ضاحكة: _سيبيها يا بت تاكل! دخلت الأم عليهن، وبيدها حقيبة، وقالت بوجه مبتهج: _شوفي يا رضوى بقا لبس مدرستك عامل إزاي؟ ركضت رضوى بمرح ولهفة إلى أمها، بينما كانت الأخيرة تُخرج ملابس المدرسة لها في مشهد لطيف دافئ، لكنه لم يكن دافئًا في نظر فريدة، فظلت تحدق بهن، وجسدها يقشعر من شعور القهر الذي جمّد عروقها، ثم قالت: _إيه دا يا ماما؟ هي رضوى هتروح المدرسة؟ _أه يا حبيبتي، في حاجة؟ بلعت فريدة ريقها، ظنًا منها أنها ستبتلع تلك الغصة العظيمة التي تضخمت في حلقها، وقالت بتهدج: _طب وأنا؟ _خلاص بقا يا حبيبتي، انتِ كبرتي، دلوقتي البنات بقت بتتعلم مش زي زمان، فعشان كدة رضوى ورباب إن شاء الله هيتعلموا، بس ميجيش في بالك إننا مفضلينهم عليكي ولا حاجة، بس الزمن اتطور مش أكتر. منذ هذه اللحظة، استوعبت فريدة أن حالتها لم تكن عامة كما تم خداعها لتظن، بل كانت خاصة، استغلالًا ممنهجًا وقع عليها دون إدراك منها. لم يكن منعها من التعليم ضرورة فرضها الفقر أو لكونها أنثى، بل كان قرارًا انتُزع منها بدم بارد، بينما مُنح لمن جاء بعدها دون تردد. بدأت ترى الأشياء من منظور مختلف، وكأن غشاوة سقطت عن عينيها فجأة، فأصبحت الحياة أكثر قسوة مما بدت عليه من قبل. أكملت حياتها المتبقية وهي تعمل وتراقب إخوتها، يامن ورضوى ورباب، وهم يحملون الكتب بين أيديهم، يتثقفون بمعلومات علمية ولغوية فريدة، يتناقشون عن المستقبل وأحلامهم، بينما كانت هي غارقة بين أكوام من المسؤوليات التي لا تنتهي. كانت ترى إخوتها يكبرون، يخطون نحو مستقبل مضمون، بينما هي عالقة في المكان ذاته، تحمل الرضيع الجديد، تغسل الأطباق، تحضّر الطعام، تمسح العرق عن جبينها بعد يوم طويل في الحقل أو المتجر. ولكن لم تكن وحدها من وقع تحت وطأة الحياة القاسية، بل حتى إخوتها، رغم حصولهم على فرصة التعليم، لم يسلموا من العمل المُضني. فالفقر كان وحشًا ينهش أرواحهم جميعًا بلا رحمة، وكان على يامن أن يعمل بجانب دراسته، كذلك رباب ورضوى، لكن الفرق كان واضحًا كحد السيف. هم كانوا يعملون ليبنوا مستقبلًا، أما فريدة، فقد كانت تعمل لتؤدي دورها الذي فُرض عليها منذ أن كانت في الثامنة، وكأنها خُلقت فقط لتكون خادمة في بيت لم يعد فيه مكان لأحلامها. وحين وُلِد محمد، ثم كريم، وجدت نفسها تعيد الدائرة الجحيمية ذاتها مرة أخرى. كلما أنجبت أمها طفلًا جديدًا، كانت فريدة هي اليد التي تحمل، والحضن الذي يحتوي، واليد التي تطعم، حتى لم يعد لديها وقت لتفكر في نفسها. باتت حياتها سلسلة متكررة من التضحيات غير المرئية، تلك التضحيات التي لم يسألها أحد إن كانت ترغب في تقديمها. عاشت فريدة حياتها الأشبه بالطاحونة التي تطحن روحها وتجعلها تدور في عجلة لا نهاية لها، لمدة ست سنوات إضافية، حتى بلغت الثامنة عشرة. في إحدى الليالي، دخلت منزلها بعد يوم شاق، استنشقت نفسًا عميقًا، لكن لم يُكتب لها أن ترتاح، إذ وجدت نفسها تفض نزاعًا جديدًا بين محمد وكريم، وحين فرغت أمها من الأعمال ألقت بهما على عاتقها. جلست لتأكل شطيرة وتشرب كوبًا من الشاي، قبل أن تقتحم سكينتها رضوى قائلة بلهفة: _فريدة، عايزاكي تسمعيلي دول بسرعة عشان المستر عامل امتحان بكرا عليهم، معلش. تنهدت فريدة وقالت: _ماشي، تعالي. جلست رضوى بمحاذاة فريدة، وأمسكت فريدة بالكتاب لتراجع ما تسمعه. كانت رضوى تقول كل ما حاولت حفظه بانسجام، منتظرة من فريدة أي رد يؤكد لها صحة ما قالته، لكن فريدة سرحت أثناء تناولها الشطيرة. أخذت تقلب صفحات الكتاب بفضول، وتقرأ منهج التاريخ بحماس، وحين لاحظت رضوى ذلك، انزعجت وسحبت الكتاب من يدها وهي تقول: _بتعملي إيه؟ مش قلتلك سمعيلي؟ قالت فريدة مبتسمة: _معلش يا رضوى، سرحت، حبيت أشوف إنتِ بتتعلمي إيه وكده، وشكلها حاجات حلوة. ما ينفعش في مرة تديني كتبك أقراها وكده؟ قالت رضوى وهي تنهرها: _لا طبعًا، أدهالك ليه أصلًا؟ إنتِ هتفهمي حاجة منهم؟ اندثرت ابتسامة فريدة غي صدمة، ثم قالت: _يعني إيه مش هفهم حاجة يا رضوى؟ إنتِ شايفاني أمّية يعني ولا إيه؟ إنتِ اتجننتي؟! _مش قصدي يعني، بس هتفهمي إيه برضو؟ إنتِ محتاجة تاخدي دروس وتروحي مدارس وتمري باللي مريت بيه عشان تفهمي اللي مكتوب ده. صاحت فريدة ساخطة، وبأعين متسعة من حديث رضوى المستفز: _أفهم إيه يا مفعوصة إنتِ؟! إنتِ لسه مطلعتيش من البيضة! إيه اللي إنتِ مريتي بيه مش فاهمة! أقسم بالله إنتِ متخلفة!! هنا دخلت الأم عليهما وهي تصيح: _إيه إيه؟ بتزعقي للبت كده ليه يا فريدة؟ هنخلص من محمد وكريم فتبدأوا إنتِ وهي؟ وقفت فريدة وهي تصيح في وجه أمها: _البت دي مربتيهاش ليه؟! ولا مستنياني أربيها أنا كمان فوق ما بربي محمد وكريم؟! بادلتها الصياح وهي محتدمة من حديث فريدة معها بهذا الأسلوب _إنتِ بتتكلمي معايا كدة ليه يابت؟! والله محدش مترباش في البيت ده غيرك! حملقت فريدة إلى أمها بقوة وهي تقول: _آه فعلًا... تعرفي ليه؟ عشان إنتوا ما دتونيش فرصة أربي نفسي حتى من كتر الشغل اللي كنت بعمله!! وخليتوا واحد مفعوصة زي دي تتكبر عليا أنا اللي كنت بغيرلها قرفها!! حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا! دفعت فريدة أمها بقوة وهي تمر بجانبها وتسير بخطوات مستشيطة إلى غرفتها، ثم دخلت وهي تضرب الباب متجاهلة صرخات أمها ومحاولة تهدئة أبيها لها لكي لا تبرحها ضربًا. ألقت فريدة بجسدها جالسة على سريرها، والدموع تنهمر من مقلتيها، من شدة قهرها وضيقها على حالها. لم يواسيها أحد سوى يامن ورباب، اللذين أتيا إليها يواسيانها بأيديهما الصغيرة. قال يامن: _متزعليش يا فريدة، أنا هسيبك تاخدي أي كتاب إنتِ بتحبيه. وقالت رباب: _على فكرة بقا، أنا بشوفك ماما أكتر من ماما نفسها، مش عايزاكِ تعيطي عشان هعيط أنا كمان. قد يكون هذان العصفوران الصغيران هما من يهونان عليها مرارة هذه الحياة، بمواساتهما البسيطة وقلقهما حيال مشاعرها. لم تستطع مقاومة ابتسامتها لهما، وضمتهما إلى صدرها لطمأنتهما، متقمصة دور الأم للمرة المليون. فأخت عادي مثلها قد تصرخ في وجهيهما وتزجرهما لكي تستكمل بكاءها وحدها، لكنها لن تقدر على ذلك، فقد أصبحت تراهما أولادها ولن تراهما بمنظور آخر سوى ذلك. أصبحت فريدة كسفينة تتقلب بين أمواج الدموع وتحقير الذات، تصطدم بمواقف تثبت لها أنها إنسانة نكرة لا حياة لها. كانت تصمد، ولكن أتى موقف حين وصلت لسن العشرين لم تستطع أن تقاوم بعده قسوة الحياة... بدأت في هذا السن بالعمل في صالون نسائي في القرية، واشتد بصر النساء تجاهها. لطالما رأوها تعمل في الحقول تارة وفي المتاجر تارة، وها هي تعمل الآن في صالون نسائي. حتى أقبلت فتاة في سنها تقريبًا، حامل في جنينها. تبادل النساء الحديث معها عن الحمل، ليغرسون القوة المعنوية في قلبها، والمعلومات عن خبرتهم، إلا أن نظرت الفتاة إلى فريدة التي كانت تقوم بتجميل قدميها. _وانتِ بقى يا فريدة، هنفرح بيكي إمتى؟ ابتسمت فريدة وقالت: _لا بقى، لسة بدري، متستنيش. _ليه بس كدة؟ أنتِ داخلة عالواحد وعشرين، ومينفعش تطولي أكتر من كدة يا حبيبتي. هو أنتِ بتتعلمي يعني، وكدة مشغولة بكليتك؟ عرضت فريدة ابتسامة القهر التي على شفتاها. _ل..لا، متعلمش ولا حاجة. _الله؟ يعني لا جواز ولا تعليم؟ أومال بتعملي إيه؟ ومستنية إيه؟ مش فاهمة. التزمت فريدة الصمت وهي تقاوم عقد حاجبيها وتكبح دموعها بابتسامة مرتجفة. لتستوعب فريدة للمرة الثانية على التوالي أن القهر الذي يعتلي روحها ليس بسبب مشقة العمل أو الحرمان من أبسط حقوقها، بل كان بسبب شعور نما داخلها ببطء حين توالت تلك المواقف الموجعة. شعور بأنها أقل شأنًا، بأنها لا قيمة لها، بأنها مجرد ترس في آلة ضخمة تدور ولا تتوقف، وبأن حياتها ليست ملكًا لها. حين تستمع إلى حديث النساء عن مستقبلهن، عن وظائفهن المستقرة، عن أزواجهن وعائلاتهن، وحين تستمع إلى إخوتها يتحدثون عن المواد التي يحبونها والتي يكرهونها، عن أحلامهم بعد التخرج، كانت تشعر وكأنها تنتمي إلى عالم مختلف تمامًا، عالم مغلق عليها، ثابت بداخله لا تتقدم ولا تملك حتى الحق في الحلم فيه. تلك الليلة لم تعود فريدة فيها إلى المنزل، وقد قلقت الأم وأشقاؤها عليها، وخرج سيد والدها في البحث عنها. ظل يهرول بين الأزقة والحقول، حتى وصل إلى حقل الذرة. تردد سيد في دخوله؛ حيث إن حقول الذرة عند منتصف الليل تكون أشبه بالثقب الأسود. إن خطا أحدهم فيها خطوة، لا يعود. لكن رغم ذلك، تشجع سيد ودخل، وهو يذكر الله. ظل يسير ويزحزح عيدان الذرة من حوله بعسر، حتى وصل إلى نهايته، عند البحيرة. وما إن وصل إليها حتى سمع صوت نحيب. لم يفزع أو يظن أنها النداهة مثلًا، فذلك النحيب يعلمه جيدًا نظرًا لسماعه المستمر له في الأيام الأخيرة. كان نحيب ابنته فريدة. وجدها جالسة امام البركة فاتجه إليها فورًا حين رآها تبكي، وقد انفطر قلبه عليها وهي بتلك الحالة. أتى تجاهها فورًا وهو يقول: _يابنتي، متعمليش في نفسك كدة. يابنتي استهدي بالله. تعالي معايا يا حبيبتي، تعالي، مينفعش تقعدي قدام الترعة في الساعة دي. يلبسوكي. _سيبني يا بابا، لو سمحت، مش طايقة أشوف حد، أبوس إيدك. توقف سيد مغلوبًا على أمره، ولم يقدر على فعل شيء سوى أن جلس بجانبها، يستمع إلى حرقتها البالغة الصادرة من نيران صدرها التي تكفي أن تحرق حقول مصر كلها. ولرغبتها في التنفيس، سردت له عن الموقف الذي واجهته هذا اليوم، وأنهت حديثها بسؤالها: _كل يوم بفكر... كل اللي بعمله في حياتي هيفيدني بإيه؟ الفلوس اللي بطلعها بطلوع الروح، مبتروحش لنفسي... التعب اللي بتعبه في البيت مبيبقاش في سبيل راحتي... كل حاجة بعملها في حياتي مش بتبقا عشان نفسي، بتبقا عشان اللي حواليا... وأنا هعمل حاجة لنفسي مرة واحدة في حياتي إمتى يا بابا؟ سكت سيد وهو ينصت لها بتحسر، ثم أردفت: _ليه خليتوني أقل من اللي حواليا؟ كل البنات اللي بشوفهم يا بيجهزوا لكليتهم يا بيجهزوا لجوازهم. الفلوس اللي بيطلعوها بمجهودهم بتبقا عشان مستقبلهم. وأنا إيه؟ أنا فين من كل دا؟ معقول رضوى ورباب هيكبروا ويتجوزوا ويتبسطوا وأنا هبقى لسة زي ما أنا؟ سكت سيد برهة ثم قال بأسى وتحسر: _سامحيني يا بنتي... كان في دماغي إن حياتنا هتبقى مليانة بالرزق أول ما أجيبكم... يمكن هي فعلاً مليانة رزق الحمد لله... بس إحنا اللي بنسعى غلط. سعينا غلط زي البهايم، خلاكي متحسيش إنك عايشة لنفسك... سامحيني يا بنتي... سامحيني يا حبيبتي. _خلاص بطل خلفه بقى، خلوني أخد نفسي، خلوني أعيش حياتي زي أي بنت. أنا بقيت أم وأنا عندي تسع سنين! دي حاجة ترضيك يعني؟! قال سيد وهو يحرك رأسه نافيًا: _لا يا بنتي، ما ترضينيش... والله ما ترضيني. أنا خلاص مخطط أبطل من بعد كريم. الطمع حرام برضو... وإن شاء الله هييجي اليوم اللي تعملي فيه كل حاجة عشان نفسك. ثقي في الله واصبري يا حبيبتي... اصبري. إن سيد رجلًا لا يستشعر مذاق المتعة في حياته القاسية المكتظة بالعمل الشاق سوى بالجنس، وقد يفسر هذا إنجابه الكثيف للأولاد، والذي يقع على عاتق فريدة في نهاية المطاف. ودموعها جعلته يعزم الأمر على أن يحذر من أن ينجب مجددًا. لم تكن دموعها فقط، بل رؤية أولاده يعملون ويدرسون ويحملون مسؤوليات لا تناسب سنهم كان هذا يمزق فؤاده، على عكس زوجته التي ترى أن هذا حق. ظلت فريدة صامتة كظيمة، وقد شعر والدها بغصتها ليقبل جبينها ويربت على ظهرها وهو يقول: _خلاص بقى يا حبيبتي، تعالي. تعالي عشان رباب مميتة نفسها من العياط عليكي. البت شايفاكي أمها بجد، متقطعيش قلبها. استخدم والدها نقطة ضعفها هنا، وهي رباب. وفور أن علمت ببكائها، قررت العودة في الحال، متناسية مأساتها بالكامل. وما كان لها أن تتخيل أن الله سيرجع رباب إليه بطريقة لا يمكن لأي روح أن تتعافى منها. حين تمت رباب سنها الثانية عشرة ومع قلة سكان القرية وتنقلهم إلى المدينة كانت تلك الإشارة للميلشيات في احتلال تلك القرية واتخاذها مقرًا لهم، وقيامهم بأشنع فعل قد يفعلونه لعائلة. حدث الأمر في وضح النهار، اقتحمت الميلشيات البيوت، بينما سيد وعائلته يلملمون امتعتهم لينتهزوا فرصة الفرار منهم. لم يكن هناك مقدمة، ولا تحذير. كل ما شعر به سيد هو انفجار عنيف للباب، ثم سيل من الخطوات الغليظة التي اخترقت عالمهم الصغير دون استئذان. حاول أن يقاوم، لكن بندقية سُددت إلى رأسه، دفعت جسده إلى الأرض. وقبضات غليظة امتدت إلى فريدة وبقية العائلة، جردوهم من الحركة، جعلوهم كتلة عاجزة، ليكونوا شاهدين على الجحيم الذي انفتح أمامها. كانت رباب، الطفلة المكافحة الطموحة في عملها، اختاروها الوحوش من بينهن ليقوموا باغتصابها والتناوب عليها. يد خشنة سحبتها من بينهم. ووجهها الصغير مشوهًا بالهلع ودموعها لم تمهلها حتى تفهم، بدأت بالصياح والعويل، نادت على أمها، على فريدة، على أي أحد اعتادت أن يكون ملاذها، لكن الرد جاء بصفعة أسكتت صوتها، وكسرت جزءًا من براءتها في لحظة واحدة. قاوم سيد بكل ما يملك، قاتل كوحش جريح، لكن ما يفعله رجل أعزل أمام فوهات البنادق؟ كان الدم يسيل من وجهه من ضربهم المبرح، جسده يتلوى وهو يشاهد ما لا يمكن أن يتحمله أب، ما لا يمكن أن يتحمله إنسان. يامن بدوره كان مقيدًا، رغم ارتجاف جسده إلا أنه كان يقاوم بصيحاته وتحركاته لعله يفلت منهم وينقذ أخته. أما فريدة والأم والبقيّة الذين لم يكفوا عن الصياح، فقد كانوا مربوطين، رؤوسهم موجهة نحو المشهد، كان عليهم أن يروا، ويسمعون صرخات رباب المدوية، صرخات أشبه بنصلًا منصهرًا ينغرس في قلوبهم، كافية لتمزق وتحرق العالم بأسره، لكن العالم لم يتوقف أو يتأثر، فقط استمر في دورانه البارد، تاركًا الطفلة وحدها تصرخ حتى انقطعت أنفاسها. بعدما انتهوا منها، غادروا وهم يضحكون ويهددون سيد أن يخرج بأهله تاركًا منزله قبل المغرب. كانت رباب جثة ترتجف على الأرض، ليست ميتة ولكن لم تكن على قيد الحياة ايضًا. كان جسدها هناك، لكنه لم يعد جسدها، لم يعد ملكًا لها، لم يعد له حرمة بعد الآن، ركضوا إليها وهم يصيحون باكيين محاولين مساعدتها على عكسها، لم تصرخ، لم تبكِ، تتنفس بلا روح. منذ تلك الحادثة، لم تعد رباب طفلة أو إنسانًا حتى. كانت مجرد طيف صغير، يسير بين جدران المنزل، لا يتحدث، لا يأكل، لا ينام، عالقة في ذلك اليوم وتلك اللحظة وما زالت تشعر بقبضه أيديهم على جسدها حتى بعد مرور سنة. ومع وصولهم إلى المدينة وسكنهم لشقة ذات الطابق العالي كان ذلك الضوء الأخضر لرباب الطفلة على إنهاء حياتها... وقررت بالفعل أن تقوم بتلك الخطوة في منتصف الليل والشاهد الوحيد على ذلك كان يامن الذي لم تسنح له الفرصة لإنقاذها، يامن الذي اكتظ في قلبه إلى حد الانفجار بالضغينة والكراهية وأفرغها في الذخائر في مستقبله. انتحار رباب هو انتحارهم جميعًا، ببطءٍ أشد قسوة، بلا حبل أو قفزة أو مدية، فقط حياة تذوي من الداخل، أصبحوا أجساد تمشي وتتنفس، لكنها لا تعيش. ورأت فريدة أن كل ما حدث لرباب هي ضريبة الفقر، ضريبة أن يسكن الشخص في قرية نكرة المكان والسكان، لم تعد من بعدها تهتم في أن تواكب الفتيات في سنها من حياة واهتمامات، فقط أصبح هدفها أن يعيشان الحياة الذي يحترمهم الجميع لأجلها... وإلا تتكرر ضحية أخرى من بينهم كرباب. من بعد رباب أنجبا منة ثم بسنت ومع كل نطفة يخلقها الله في رحم الأم تشتد العقدة في عنق فريدة إلى حد الاختناق العظيم، تُحكم وثاقها، تسحبها أعمق نحو قاع حياة لم تخترها. أصبحت حادة الطباع سريعة الغضب مع والديها تحديدًا، توبخهم وتنهرهم على كثرة الإنجاب الذي يقع فوق كاهلها هي وحدها، بدلًا من أن كانت تذهب لعملان أصبحت تذهب لأربعة، وحتى إن عادت للمنزل لا ترتاح وتستكمل الاهتمام بالرضع في حالة ارتياح الأم، وأصبح يامن ورضوى يهتمان هم كذلك معها بعد أن كبرا وأصبحا شابان. أصبحت تسمع وابل من العبارات ذاتها تُقال لها عن الزواج ومتى تتزوج ولماذا لا تتزوج ولقب "بايرة" الذي التصق بجبينها، وتلك المواقف الموجعة التي تتكرر كلما أتى شاب ليطلب يدها، ثم ينسحب في هدوء بعد أن يرى حجم الحِمل الذي تحمله. لكنّ الفقر، رغم ثِقله، كان هناك دائمًا ما هو أشد وأكثر قسوة وإذلالًا. ففي ليلة من الليالي التي لم يرحمها فيها التعب، دخل سيد على العائلة بوجهٍ خالٍ من الحياة، ليخبرهم أنه قام ببيع نفسه... فالرجل الذي قضى عمره في العمل والكدّ لم يعد يملك ما يقدمه سوى جسده، سوى حياته نفسها. رغم اعتراض عائلته وصدمتهم العارمة وصياحهم معترضين، إلا أنه اقنعهم أن هذا ليس اختيارًا، بل حكمًا فرضه الفقر. كان هذا القرار بمثابة طعنة في قلوبهم، خصوصًا أن سيد ترك زوجته وهي حامل في الشهر الخامس، وتضخمت تلك الطعنة قهرًا وغمًا عندما استولى عمهم الذي لم يظهر في حياتهم بشيء مفيد على مال أخيه المباع، وسلبه منهم ليتركهم كأشجارٍ اجتُثت من جذورها، لا ظلّ يُؤويهم، ولا ثمر يُطعمهم، ولا أرض تُثبّتهم. وأتى يوم كان على فريدة من أشد أيام حياتها، حيث من شدة إرهاقها الجسدي والنفسي في العمل والمنزل، والتغذية واهية الإفادة، جلست يومين في المستشفى بصحبة يامن وبعض من إخوتها من يزورها ويعود، ولم ترَ أمها أبدًا تزورها ولو مرة. ورغم أنها فتاة في مقتبل الثلاثين من عمرها... ولكن عدم وجود أمها أحرق روحها قهرًا، تلك الأم التي حملتها المسؤولية منذ طفولتها ولم ترَ منها أي حنان يسندها، وتتصرف في حياتها كما لو لم يكن لها وجود. شعرت أن قد طفح كيلها، وعودتها للمنزل هذه المرة ستكون نهاية لهذه المهزلة التي تعيشها في حياتها... عادت فريدة للمنزل واحتدامها بلغ عنان السماء، تدخل المنزل لتجد أمها جالسة تدرس لكريم. _فريدة، حمدلله على السلامة يا حبيبتي، الحقي بقا شوفي منة لأنها بتعيط عليكي من ساعة ما تعبتي. أتت إليها بأعينها الميتتين الباردتين. _مجيتيش المستشفى تطمني عليا ليه؟ _معلش يا حبيبتي، كنت مشغولة بالعيال، هما محتاجني طيب. قالت فريدة بجفاء وقد ضاقت بالأمر ذرعًا: _محدش فيهم محتاجك... هما بيحتاجوني أنا بس، فالاضمن كنتي تهتمي بيا وبصحتي، ومتشغليش بالك بيهم لأنهم كدة كدة عايزني أنا مش إنتِ. صاحت أمها ووقفت أمامها وهي تقول: _مالك يا بت في إيه؟ ما تتلمي؟! إحنا مش ناقصين قرفك، إحنا فينا اللي مكفينا. أجابتها فريدة ببرود: _إنتِ فعلاً مجيتليش المستشفى عشان كنتي مشغولة بيهم ولا عشان شايفاني مجرد جسم زي ما شوفتي رباب؟ جحظت أعين أمها في صدمة وهي تصيح: _يخرب بيتك إيه اللي بتقوليه دا؟! إنتِ شايفاني كدة؟! قالت فريدة وقد تعالى صوتها في سخط: _آه شايفاكي كدة!! وكلنا شايفينك كدة!! إنتِ عملتي لينا إيه؟ أنا اللي عملت كل حاجة!! أنا اللي علمت وربيت ونضفت وأكلت وأشتغلت!! يامن بقى صحفي ممتاز بسبب تربيتي ومذاكرتي ليه!! رضوى بقت في كلية محترمة ومعدلاتها عالية بسبب تربيتي ليها ومذاكرتي ليها!! رباب كانت بتحبني ومبتنامش إلا في حضني، وكانت هتبقى دكتورة جميلة، وزيهم زي محمد وكريم ومنة وبسنت كلهم، كلهم مستفدوش منك بحاجة، كلهم بيعترفوا إن مالكيش أي لازمة!! مستكترة على نفسك تيجي تطمني عليا في المستشفى مرة واحدة؟ إنتِ لسة شايفاني جهاز ريموت في إيدك تشتغل وتربي، ولو باظت خلاص في داهية؟! _يا بت إنتِ اتجننتي؟؟ إنتِ مخك لسه في المستشفى؟ ما كلنا تعبانين وبنشتغل وبنربي، مالك عاملة نفسك إنتِ الوحيدة اللي بتتعبي ليه؟ _لأن أنا الوحيدة اللي بتعب!!! أنا من إمتى ارتاحت؟ لما كنت خمس سنين؟ لما كنت اربع سنين؟ حتى اليومين اللي كنت فيهم في المستشفى مكنتش مرتاحة لأنك مكنتيش جنبي، كان نفسي بس أحس إنك أمي مرة واحدة، مرة واحدة بس!!! أشوف قلقك وخوفك عليا، أحسن إني مهمة ليكي. _يا بت أنا كنت مع كريم وراه امتحانات، عايزاني أسيب ابني يعني؟!! صرخت فريدة بكل ما أوتيها من قوة وقهر عظيم وأعينها مغرورقة من شدة حسرته: _ما أنا بنتك برضو!!!! سكتت أمها وهي تحدق فيها في صدمة من رد فعلها، لتردف فريدة: _إيه؟! اتصدمتي إيه؟ نسيتي إنّي بنتك؟ نسيتي إنّك أمي زي ما إنتِ امهم؟! أنا الطفلة اللي ولدتيها ورضعتيها وربيتيها، أنا الطفلة الوحيدة اللي إنتِ ربيتيها كأم بجد... ومن بعدها رمتيلي عيالك كلهم!! أنا بنتك يا ماما... أنا بنتك اللي نسياها من كتر ما خليتيها مشغولة بالشغل ومختفية عنك بين اللي يسوى واللي ميسواش!!! نسيتي بنتك من كتر ما كنتِ إنتِ وأبويا زي التيران الهايجة بتخلفوا وترموا حتى أقدر أقسمك بالله، إنتِ نسيتي رباب واللي حصل لها!! تلقت فريدة هنا صفعة قوية من يد أمها التي لم تستغلها لأن تربت على رأسها أو تحسس على وجنتها، بل استخدمتها لضربها صفعة قوية كما لو أنها ما زالت طفلة، ولكن فريدة لم تعد طفلة لترضى بكل ذلك، فريدة صاحبة قلب محتدم وعقل ملتهب من كظم السخط والهم منذ أكثر من عشرين سنة. وكل ما فعلته فريدة أنها دفعت أمها بقوة لتسقط على الأريكة وهي تصرخ: _أقسم بالله العظيم ما هتشوفوا وشي تاني في أم البيت دا، وابقي وريني ازاي هتعرفي تتصرفي!!! يا رب تموتي باللي في بطنك اللهم آمين ونخلص من قرفك يا شيخة. وهَرَعت إلى الغرفة ولملمت امتعتها البسيطة في حقيبتها مع منع اشقائها لها وصياح الأطفال وهم متشبثين بها، لكنها قاومتهم وخرجت من المنزل، وهي تسمع دعاء أمها عليها. وخرجت فريدة تسير في الزقاق تذرف الدموع وتنحب باكية في حرقة عارمة تاركة خلفها كل ما كبحها عن عيش حياة طبيعية كحياة كل بنت في سنها. غابت يومين عن المنزل وهي تبيت تارة في مكان عملها وتارة في الشارع، ولكنها عادت على اتصال هاتفي من يامن وهو يقول باكيا... إن أمّه ماتت وهي تلد زياد في الشهر السابع، وتستجاب دعوة فريدة عليها، ولكن هل هذا سيفيدها بشيء؟... لا.. ستعود فريدة لمسؤولياتها ولتكون الأم الوحيدة بينهم بعد الآن. . . . . لم تفعل فريدة في حياتها شيئًا لنفسها، لم تختر، لم تحلم، لم تملك رفاهية التفكير في ذاتها يومًا. لم تتذوق يومًا طعم الحياة التي تمنّتها، بل كانت دائمًا عالقة في دوامة لا خلاص منها، تُعيد نفس الدور، نفس الألم، نفس المصير، وكأنها كُتبت لتكون حجر الأساس الذي لا يراه أحد، لكنه يحمل الجميع فوقه. والاختيار الوحيد الذي اختارته لنفسها هو بيع نفسها، وانتقالها من سجنها الحالي إلى سجن آخر أشد قسوة ولغرض غير شخصي أيضًا. كانت جالسة في المهجع تتمسح على الأسورة التي منها سيكون الخلاص لسجناء دارين، ولكن هل سيكون الخلاص لها؟ هل ستهرب بالفعل وتكمل حياتها مع سليم في سلام؟ أحلام اليقظة تجعلها تبتسم في صبر وأمل، ومع تبقّي بضع ساعات على مناسبة ذبح المسلمين في السجن، هي إشارة على اقتراب تحريرهم كلهم...                            *********** «حضرتك الأخبار عن الميليشيات وأنها هي التي بتقوم بتلك المجازر كلها أخبار مزيفة، فمحافظات الصعيد والريف شعبها همجي بطبعه بسبب تطرفهم الديني والسلاح اللي بيخفونه ويخرجوه وقت الحاجة، فأول ما مات الرئيس فاروق الألفي لروحه السلام، أخدوا حريتهم في الهمجية، ودخلت معاهم حركة "ذود" الإرهابية التي يقودها الداعشي مصطفى عبدالباقي. مصر أصبحت مرتع للإرهابيين والشعب شايفهم أبطال، وآخر مجزرة في سانكتوريا تدل على أن "ذود" أبشع من داعش وطالبان والدولة الإسلامية بمليار مرة، وكل الفيديوهات التي تظهر أن أدهم داغر هو من نفذها بكاميرات المراقبة هي مجرد ذكاء اصطناعي لتبرئة "ذود" من إرهابهم البشع.» كان هذا حديث تقوله رجاء، والدة إسماعيل العلمانية، أكبر معارضة للإسلام ولمقاومة "ذود"، في مقابلة مباشرة على إحدى القنوات الإخبارية. كان سليم يستمع إليه بينما كان جالسًا في إحدى المقاهي الخاصة بالرجال، كان كظيم يحاول أن يتمالك نفسه وسط كل هذه الترهات عن أخيه وقلقه العارم حيال فريدة. كان جالسًا في المقهى ينتظر شخصًا مميزًا ليحدد معه خطة هروب سجناء دارين، ولم تمر عشر دقائق حتى أتى إليه رجل قوقازي بريطاني يُدعى أدريان، كان قد تواصل معه قبل يوم بعدما أكد له أنه مساعد من مساعدين الأميرة شارلوت، العازمة على مساعدة إبراهيم وسجناء دارين في هروبهم. ورغم ما كان في قلب سليم من شكوك تجاه هذا الرجل، إلا أنه لم يكن لديه خيار سوى الجلوس معه ورؤية مخططه. جلسا معًا وأدريان يحدثه بالإنجليزية: _مكان مثير للاهتمام في اختياره لمناقشة موضوع مهم. أجابه سليم ببرود ليظهر قوته النفسية كدرع في حال كان أدريان مخادعًا: _نعم، هذا أنسب مكان للمناقشة والتخطيط للرجال في مصر. أومأ أدريان برأسه ثم أخرج حاسوبًا لوحيًا ووضعه على المنضدة، وبه صورة لخريطة منطقة دارين، وهو يشرح لسليم: _إن سجن دارين يقع في منطقة تسمى "بوكا دي كويب"، كان يعيش فيها السكان المحليون وهم قبائل "الامبييرا"، وقد تم إبادتهم من قبل البريطانيين كالعادة ليُبنى هذا السجن فوق حطام مدينتهم. ومنطقة "بوكا دي كويب" تُعد من أخطر المناطق في دارين، فهي مليئة بالمستنقات الكثيفة والغابات المطيرة الوعرة، والحيوانات البرية الشرسة، والعصابات الإجرامية، وجماعات التهريب والميليشيات المسلحة التي تم تجنيدها من قبل اداريين السجن. في حال هروب أي أحد، يتم قتله فورًا. ولكننا سنساعدهم في تخطي كل ذلك. بدأ أدريان يشير على الخريطة لسليم ويشرح له الخطة الخاصة بإبراهيم، التي اتفق عليها مع شارلوت: _أولاً، سيغادرون "بوكا دي كويب" قرابة الفجر. سيسلكون المسارات الضيقة داخل الغابة، بعيدًا عن الطرق الرئيسية. الهدف هو التحرك بسرعة والحفاظ على السرية. بعد ذلك، سيتحركون نحو نهر "تشوكوناكي"، الذي يمكننا السير بمحاذاته. النهر سيوفر لهم بعض الحماية من الكشف، وقد قمنا بالتعامل مع العصابات في هذه المنطقة وجندناهم لصالحنا، لذلك فسيساعدونهم. بعدها، سيستمرون في السير حتى يصلوا إلى "توبيسا"، حيث يمكنهم التوقف لفترة قصيرة لتقييم الوضع والحصول على الإمدادات والمساعدات من مروحياتنا. وأنت ستكون في مروحية من المروحيات لتكون مسؤولًا عن التواصل معهم. بعد ذلك، يواصلون الطريق إلى "Puerto Obaldía"، وهو الميناء الذي سيكون فيه عشر من السفن الضخمة، والتي ستتوجه إلى ميناء في المغرب بعد أن اتفقنا مع الرئيس على استقباله لهم هناك، ومنها سيتجهون إلى مصر أو أي بلد يريدونه. نظر أدريان إلى سليم وقال له: _مصر تسبق منطقة دارين في التوقبت بسبع ساعات، أي يعني سنضطر في التحرك حاليا إليهم، مستعد؟ قال سليم وهو يومئ برأسه بثقة: _مستعد.                            ************ بعد ساعات من مجزرة سانكتوريا، كانت المدينة كساحة حرب دامية؛ الشوارع التي كانت يومًا نابضة بالحياة، أصبحت الآن أضخم من أي قبور جماعية، مليئة بالجثث التي تكدست فوق بعضها البعض كقطع لحمٍ مهدم. تحت سحب المغرب الرمادية، تجمعت فرق الإسعاف في الأماكن الأكثر ازدحامًا. كانت سيارات الإسعاف تزحف على الطرق الضيقة بين الجثث المتناثرة، تجد صعوبة في تحديد الطريق، بينما كانت بعض الفرق الطبية والدفاع المدني تقف، عاجزة عن التصرف، عيونهم فارغة، وأيديهم مشلولة أمام ما لا يمكن تصوره. كانت الطواقم تشق طريقها بين الجثث المحطمة. ورجال الشرطة والمحققون، فقد كانوا عالقين بين واجبهم وبين صدمة الحقيقة التي لا يمكنهم استيعابها. كانوا يحاولون التحقيق والاستطلاع على أي تبرير منطقي لكل هذا، يلفّون مواقع الحادث، وكل خطوة يخطونها كانت تأخذهم إلى مزيد من الأسئلة التي لا نهاية لها. أما الصحفيون، فقد وجدوا أنفسهم أمام معركة من نوع آخر. كانوا يركضون بين الجثث والأشلاء، يلتقطون الصور ويكتبون التقارير، يحاولون نقل الحقيقة كما هي، لكن الكاميرات كانت تتوقف عند كل زاوية لتلتقط مشهدًا مروعًا يُصيب القلوب بالجمود. كانت الكلمات تتساقط منهم بلا معنى، عاجزين عن نقل حجم الرعب الذي حلّ بهذه المدينة. كان عصام يتمعن بعض الكتابات في هذا الحي المكتوبة بدماء الضحايا؛ كانت كتابات مثل <لا إله إلا الله> <الله أكبر> وما إلى ذلك، ليثبت لصاحب العقل الساذج أن من فعل ذلك هي ذود ليس إلا. أثناء تمعنه في المكان بوجه متجهم، سمع صوتًا جعل قطابه وجهه تُمحى. ذلك الصوت الذي سمعه عصام ككسرٍ لحاجزٍ من الضجيج والفوضى، صوت نقي كأنغامٍ تسللت بهدوء عبر عواصف الزمان، تلامس الروح في لحظة غابت فيها الطمأنينة طوال خمسة أشهر. التفت ببطء، في خشيةٍ شديدة أن يكون ما يسمعه مجرد وهم آخر من أوهام وحدته وعقله الجلّاد. كان هذا الصوت... صوت... علا. وقف في صدمة عارمة جعلت حواسه تتعطل إلا عن صوتها، ونظراته التي تتعقبها بشوقٍ مرير، عينيه تلاحقانها، تلك التي كانت قبل لحظات مجرد أمنية بعيدة المنال. هي، علا، المرأة التي كانت يومًا ما شمس حياته، تقف هناك، تعبر بين الجثث، عيناها وكاميرتها تبحثان عن الحقائق كعادتها. كانت كشعلة وحيدة في ليلٍ سرمدي. يتأملها وهي مغمورة في عملها، كاميرتها معلقة على صدرها وهي تتبادل الحديث مع أحد رجال الدفاع المدني. لقد رآها أخيرًا بعد خمسة أشهر كاملة منذ أن فارقته وتبرأت منه بسبب خيانته الشنيعة التي لا تُغتفر. خمسة أشهر مرّ خلالها في دوامة من الندم، تتقاذفه أمواج من الذكريات اللاذعة. مشاعره حاليًا كسكاكين غائرة في أحشائه. كم ليلةً أمضاها يتمنى لو أن الزمن يعود به إلى تلك اللحظة قبل أن يفعل فعلته الرجسة تلك؟ والآن، ها هي أمامه، في أقسى مكانٍ يمكن أن يلتقيا فيه. كان يبتغي أن يهرع نحوها، أن يضمها إلى صدره، أن يعبر عن اشتياقه ولوعته التي لا تطاق. تقدم خطوة لا إرادية عفوية ليفعل ما يوده قلبه، ولكن عقله كبس المكبح لمشاعره الجياشة وتراجع خطوة إلى الوراء؛ فمشاعره كانت متضطربة رجراجة بشكل مفزع كأمواج البحر في ليلة عاصفة، الندم يوخز قلبه وهو يشهدها على مسافةٍ منه، موقن أنها تحمل ألمًا لا يقل عن آلامه. كلما أطال النظر إليها، تشتد التساؤلات: هل سامحته؟ هل ستشيح ببصرها عنه إن رأته الآن؟ أم أنها ستبتسم له، كما كانت تفعل دائمًا؟ أم أنها ستتجاهله كما لو أنه لا وجود له؟ هل تتذكره؟ هل تعلم بتوبته؟ هل تدرك أنه تغير؟ هل تعلم بالتشوهات التي أصابته؟ هل تعتقد أنه يستحق الغفران؟ أسئلة كثيرة كانت تلاحقه، وتتصادم في ذهنه. وقلبه ينفطر وهو يرى عينيها، تلك الأعين التي طالما أحبها، الآن خالية من أي ابتسامة، خالية من تلك البراءة التي كانت تطمئنه وتمنحه الأمان. وجودهما معًا هو قدر الله وتدبيره، ولن يمر الأمر وكأن شيئًا لم يكن. قام بعضف ذهنه وبدأ يفكر في أي وسيلةٍ يمكن أن يستخدمها للاقتراب منها دون أن تركض هاربة منه، كان بؤبؤ عينيه غير مستقر، وسار مبتعدًا إذ إن حضورها حوله يشتت تفكيره. ظل يسير حتى أتته فكرة، لا يدري إن كانت ستنجح أم لا. أثناء ما كانت علا تصور تلك الكتابات سمعت صوتًا من خلفها: _شكلك صحفية مجتهدة. اقشعر بدن علا في صدمة مكبوحة، والتفتت بسرعة ورفعت بصرها للأعلى لترى وجه القائل، صاحب الطول الشاهق، والذي كان عصام... تسارعت أنفاسها في تلك اللحظة المفاجئة، الغريبة، التي جعلت قنابل الماضي في قلبها تتفجر دفعة واحدة. كيف يمكن لقلبٍ أن ينبض بشدة، أن يتحطم في نفس اللحظة؟ كيف أن ترى أخاها فجأة في وقت عشوائي، ذلك الذي كان سببًا في إصابتها بأعظم صدمة قد تتلقاها في حياتها؟ وقد يتلقاها هو أيضًا... وما جعلها تعقد حاجبيها في صدمة وتهيّع عظيم أنه مد كفه لها وهو يقول: _اسمي عصام شرف، محقق خاص. نظرت علا ليده وهي لا تفهم ما الذي يجري، ليبعد يده وهو يقول: _أعتذر، واضح أن حضرتك مبتسلميش على رجالة غريبة، على العموم في كتابة مختلفة عن الكتابات دي ممكن تساعدك في شغلك وصحافتك، تحبي أعرفك على مكانها؟ ظلت علا تحدق فيه بنظرات الصدمة والتهيّع ذاتها، كانت تصرفاته سريعة مانعًا إياها أن تبدي أي رد فعل أو فرصة لعقلها في أن يستوعب وجوده من الأساس، وما يدل على ذلك أنه لم ينتظر منها إجابة حتى قال: _جميل، تعالي اتفضلي ورايا. التفت عصام وبدأ يسير بشكل مباشر دون الالتفات للتأكد إن كانت تسير خلفه أم لا، وكان عازمًا على ألا يلتفت من الأساس ولا أن يلح بقدومها، فقط سيسير دون أن يتدخل في إرادتها؛ فإن تبعته ستكون تلك إشارة على لين قلبها تجاهه، وإن لم تتبعه سيكون دليلًا على أنها لم تسامحه بعد ولا ترغب في أن تتواصل معه بأي وسيلة. ظل عصام يسير دقائق معدودات إلى أن وصل لشارع محدد وقد انتُشلت الجثث منه بالفعل. وقف والبلبلة العنيفة في مشاعره وروحه وأفكاره كادت أن تدخله في انهيار عصبي، متوتر، خائف، مهموم. علا لم تأتِ حتى الآن... ظل ينتظرها ولكنها لم تأتِ، لا يريد أن ينظر خلفه لكي لا يشتد انفطار قلبه. مرت دقيقة، اثنتان، ثلاث، لم تأت علا. مرت خمس دقائق وهو واقف وحيدًا، ممتن على عدم وجود جثث لتشهد على خذلانه ذلك، ولكنه ما زال يرى أنه يستحق على أي حال. _رجليك طويلة ما شاء الله، كنت تمشي بالراحة شوية. انتفض عصام واتسعت عيناه دهشًة والتفت بجانبه ليجدها تأتي وتقف بجانبه، وترى ما جعلها تأتي لأجله. كانت جملة مكتوبة بالدم على الأرض <أدهم هنا>، قامت علا بتصوير العبارة ثم قالت: _الخط يختلف عن الخط التاني. قال عصام محاولًا كبح رفرفة قلبه كالطير الهائج من حبوره العارم بقدومها: _ا.. اه، زي ما شوفنا في كاميرات المراقبة مشاهد محددة لأدهم، مابانش إن كان معاه حد، فلو قولنا إن أدهم هو اللي كاتب العبارات اللي عالحيطة، ففي حد يا إما نجا من المسلخة دي، أو كان مرافق لأدهم، واحد من عصابته مثلًا، هو اللي كتب الجملة دي. سكت عصام برهة وشعر أنه سيكتفي بالحديث معها عند هذا الحد، فاستأذن والتفت ليذهب، لكنها استوقفته بقولها: _معرفتكش عن نفسي يعني... توقف عصام فجأة والتفت نحوها، وعيناه تتشبثان بعينيها التي لم تعد تملك تلك القسوة التي كان يخشاها. لم تحتج علا إلى كثير من الكلمات؛ نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تترجم كل شيء، ولكنها رغم ذلك قالت، كمن يتمم طقسًا يعرفان كلاهما ضرورته دون شرح: _اسمي علا مرزوق، لو عندك أي معلومة جديدة متترددش إنك تقولهالي. ابتسم عصام ابتسامة عريضة رغم وهنها، ابتسامة طمأنينة على تصرفها الدال على تفهمها لمحاولته لملمة مشاعرهما، ثم أومأ برأسه إيماءة خفيفة، مخبئًا تحتها مئات الاعترافات. مضت لحظة طويلة في صمت، تبادل فيها نظراتهما الكثير مما عجز اللسان عن نطقه؛ نظرات وادعة، لينة، مترددة، تحمل من الشوق قدر ما تحمل من التحفظ، ومن الألم قدر ما تخفيه من رجاء. كانا كغريبين التقيا عند منتصف طريق يعرفه كل منهما الآخر جيدًا؛ طريق محفور في القلب لا تضيع معالمه مهما جار الزمن. ثم تركها عصام ومضى، بخطى متثاقلة، بينما علا وقفت تراقبه يبتعد، عيناها تغشاهما غبش من مشاعر لم تتبلور بعد إلى قرار. كلاهما يعرف الآخر معرفة العارف بنفسه، ومع ذلك، احتاجا إلى تلك اللحظة المراوغة ليبدآ من جديد... كأن كل شيء، رغم كل شيء، لا يزال ممكنًا.                            *********** بعد العشاء، أُقيم حد قذف المحصنات في عزيز ولؤي، ولكل منهما أربعمائة جلدة؛ حيث لكل امرأة قذفوها ثمانون جلدة. كان الأمر مُهلكًا للجلادين أنفسهم، إذ كان كل جلاد يتناوب مع آخر بعد كل ثمانين جلدة ليكمل الثمانين التالية، غير أن أحمد كان المثابر الوحيد الذي لم يكلّ أو يجهد في جلدهم؛ إذ جلد أحدهما الأربعمائة جلدة كاملة دون أن تنهكه أو تؤلمه أوصاله البتة. أشرف على إقامة الحد في ساحة المعسكر مصطفى وياسر، مع إجبار جميع الجنود على مشاهدة الحد وسماع صرخات عزيز ولؤي. وفور انتهاء الحد، أمر مصطفى بعض الجنود بأخذهما إلى العيادة ليداوي حمدي جراحهم، مع التنبيه أن يتبرع أي جندي دون تردد إن احتاجوا إلى الدم، بسبب النقص الشديد فيه. وما لا نعلمه أن هذا لم تكن تلك العقوبة الشرعية الوحيدة التي أُقيمت على تراب ساحة معسكر ذود؛ فقد كان مصطفى يعاقب المقصرين في دينهم والعبادات والمعاملات الإسلامية بعدما حذرهم مرارًا وتكرارًا. لطالما سمع شكاوى أو اعتراضات صادقة النية على هذا الأمر، ولكن مصطفى والقادة لم يكترثوا. وهنا أتى أحد الجنود الحديثين إلى مصطفى. _ابو مريم.. التفت مصطفى إليه ليقول الجندي مستفسرًا: _أنا جديد هنا وأول مرة أشوف حد من الحدود بيتنفذ قدامي بصراحة... بس هو مش من شرط إقامة الحد هو أخذ أمر الولي أو الحاكم؟ قال مصطفى بنبرة تخلو من التهكم بل كانت مفعمة بالتنبيه: _وهو فين الحاكم دا؟ سكت الجندي عاجزًا عن الرد، ليلتفت مصطفى لياسر وهو يقول: _راضي عن إقامة الحد دا يا سيادة الريس ولا لا؟ إن كنت غير راضي فتقدر تعاقب اللي عملوا الحد من غير رضاك. تعجب الجندي من حديث مصطفى لياسر، وحتى ياسر تهيّع ولم يفهم ما مقصد مصطفى من هذا التصرف، حتى لم يظهر على نبرته وتحركاته التهكم. فأجابه ياسر: _أه راضي طبعًا... بس... ليه بتقولي..... قاطعه مصطفى عن استكمال الحديث وأمسك المكبر ليلقي درسًا سريعًا للجنود الواقفين، وقال متدفقًا بين شفتيه الكلمات بثبات مهيب، والجنود من عادتهم إن سمعوا مصطفى يحدثهم كان لا يطرف لهم جفن هيبة وإجلالًا: _بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله المجاهد الشهيد، كلمة لتذكركم وتذكر نفسي يا جنود الله، من ظن لوهلة أن المسلمين سينتصرون في ظل انتشار الشرك، والبدع، والطعن في الدين، والإساءة للذات الإلهية، وترك الصلاة، والإفطار عمدًا في رمضان، وارتكاب القتل، والزنا، والربا، وأخذ أموال الناس بالباطل، وأكل أموال اليتامى، وسوء المعاملة، والظلم، وقذف المحصنات، وقطع الأرحام، والمخدرات والخمور، والحسد، والغيبة، والنميمة، والتعلق المفرط بالدنيا، والتراخي في الجهاد، فهو مخطئ، ولم يدرك سنة الله في عباده. ومن يظن أن الجهاد وحده كفيل بإنقاذ الأمة دون أن تبدأ في إصلاح نفسها إيمانيًا وأخلاقيًا، فقد استعجل الثمرة ولن يحصد إلا الخراب. فتمعنوا في قصة طالوت وجالوت، كيف غربل الله صفوف المجاهدين حتى اصطفى منهم الأتقياء، ففتح لهم. وتأملوا في أحداث غزوة أحد، كيف تبدل النصر إلى هزيمة بسبب مخالفة أمر واحد من أوامر النبي ﷺ، برغم أن القائد هو أتقى البشر، والجنود هم خير الأمة! فما بالنا اليوم، ونحن نرى هذه المعاصي تنتشر في كل مكان، وفي أرض الجهاد ذاتها!! أذكر نفسي وإياكم أن الهزيمة لا تأتي من الأعداء وحدهم، بل تأتي عندما نقصر في حق أنفسنا بمعاصينا، وعندما نبتعد عن اتباع أمر الله في كل شؤون حياتنا. ومن تسلَّل إلى قلبه تذمر خفيّ، أو خامرته ذرة اعتراض على الدروس المكثفة والعقوبات التي تُقام على التقصير في العبادات والمسؤوليات الدينية، فأسأل الله أن يهديه، وأدعوه صريحًا أن يعود إلى منزله بجوار أهله غير مأسوف عليه، فليعلم أننا لسنا بمعسكر قتال فحسب، بل هذا المكان سيكون، بإذن الله وحده، منارةً لإصلاح شباب الأمة، ومهدًا لبعثها من جديد. إنكم لا تعيشون هنا العاب الهواتف التي كنتم تعبثون بها صغارًا، بل تحيون واقعًا ثقيلًا مهيبًا؛ دماءً حقيقية، وشهداء قد بذلوا مهجهم في سبيل نصرة الدين. إنها لفتنة عمياء ما لم توضع لها حدود. وإن قساوة الحرب وشدة الجهاد لا يطيقها إلا مؤمن تقيٌّ ثابت القدم صادق العزم، ومجاهد في عباداته وأخلاقه أولًا! واذكروا أن يوم عرفة قد سيظلنا غدًا، ذاك اليوم الذي يباهي الله فيه بعباده أهل الأرض عند ملائكته، يوم تُغفر فيه الذنوب وتُعتق الرقاب من النيران. فلا تنسوا صيامه، فإنه جهاد للنفوس كما أنتم تجاهدون الأعداء، وهو زاد المؤمن في معترك الفتن. فاجعلوا صيامه قربى إلى الله، واستعينوا به على شدائد هذه الحرب، فإن من صبر على مشقة الطاعة، أعانه الله على مشقة الجهاد، وكان له النصر والتثبيت بإذن الله. واعلموا أن صيامكم في هذا اليوم من أسباب توفيق الله لكم، ونصره إياكم على أعدائكم، فإن الله لا يخذل عبدًا أطاعه، ولا يضيع جندًا صفّ قلوبهم بالإيمان وأخلصوا له القتال. نسأل الله أن يتوب علينا، وعلى المسلمين جميعًا، وأن يقر أعيننا بنصرة الإسلام وعزته، وإن كنا لسنا أهلًا لذلك، فإن رحمة الله واسعة، ودينه غالب، والحمد لله رب العالمين. بعدها ألقى عليهم السلام وأمرهم بالعودة إلى مهاجعهم حيث قد حل ميعاد الاستراحة والنوم. بعدها اتجه هو وياسر سويًا إلى مكتبه، وحين دخل وجد إسماعيل وجمال يقفون بوجه متجهم في صمت تام. فقال لهم مصطفى بعد أن ألقي عليهم السلام: _في حاجة حصلت؟ سعدية ومنار كويسين؟ قال إسماعيل: _أه، أه كويسين بس... بنفكر في حوار المجزرة اللي حصلت للمسيحيين النهاردة، في الأخبار خلاص كلهم اقتنعوا إننا اللي عملناها، بيتجاهلوا الدلايل الواضحة في تبرئتنا، بس الله يهديها أمي في كلامها في البرنامج النهاردة قعدت تطلع لكل دليل سبب عبيط مبيصدقهوش غير العبط اللي زيها وصدقوها. قال جمال هنا: _طب وبعدين؟ خبر زي دا هيعيقنا في هدفنا اللي بعد الحرب. قال ياسر مستفسرًا: _إيه هدفكم اللي بعد الحرب؟ قال جمال ونبرته مفعمة بالأمل والحماس رغم هدوئها: _إننا نخلي مصطفى رئيس الجمهورية لسنة ٢٠٤٣، ومصر حكمها يبقى إسلامي والأزهر ترجع هيبته والحدود ترجع في القانون تاني بالتالي هتقل الجرائم والفتن. عقد ياسر حاجبيه في تعجب شديد وهو يقول: _انتوا اتفقتوا على دا؟ _لا متفقناش... بس دا بديهي يحصل. ارخى ياسر حاجبيه ثم قال بنبرة متزنة: _مينفعش يا جمال، إحنا شغلتنا إننا ندافع عن الدين ومصر وبس، ومن بعد الحرب إن شاء الله يبقوا يجيبوا رئيس جديد إحنا مالناش دعوة بالحكم في مصر. قال جمال معترضًا: _يعني إيه؟ يعني بعد كل اللي عملناه دا عايزنا نرجع زي ما كنا؟ حكم عسكري؟ وناس مظلومة كتير في المعتقلات بتتعذب لمجرد إنهم بيصلوا الفجر؟ ومصطفى يرجع يتسجن تاني؟ وقانون ظالم مبيديش حق المجني عليهم؟ بعدين واحد جديد زي نور يظهر تاني وترجع الدوامة تاني؟ _الحكم الإسلامي برضو مش هيبقا مناسب، لو حكمنا بالأسلوب دا هيبقى فيه حروب طائفية كتير و.... قاطعة جمال وهو يقول: _معندناش طوائف في مصر، والطوائف ممنوعة في الدين أساسًا، لو فيه في مصر هنقدر نمنعها. وبعدين احنا مش هنبقى زي داعش ولا طالبان زي ما بيقولوا، حتى المسيحيين هنسيبهم في حالهم، يادوبك الجزية اللي هي أقل بكتير من الزكاة بتاعت المسلمين هيدفعوها وبس..، اللي اتأثروا معظمهم اتأثر بنور الديب مش هندبحهم احنا نعلمهم التعليم الديني الصحيح ونقوي عقيدتهم عشان حاجة زي دي متتكررش، واللي اغتصب طفلة يتعمله حد حرابه أو يتقتل ما ياخدش سنتين ويطلع. وأقل الإيمان كف الأذى عن الطريق، واللي بيرمي زبالة ندفعه غرامة. وحاجات كتير أوي لو استخدمنا الدين فيها الحياة هتبقى أحسن. قال ياسر وهو يحاول أن يعبر عن موقفه بهدوء: _يا حبيبي أنا عارف نيتك الصافية والله، أنا مش ضد فكرة حكم إسلامي حقيقي من مقاصد الشريعة، المشكلة مش في الإسلام نفسه، بل في واقعنا السياسي والاجتماعي النهاردة. في الظروف الحالية، شبه مستحيل تطبيق حكم إسلامي حقيقي، بسبب تحديات ضخمة على المستوى الداخلي والدولي. لأن الممارسة السياسية في العالم دلوقتي بقت متعمدة لنبذ أي تداخل مباشر بين الدين والدولة. والغرب، من سيطرته السياسية والاقتصادية، نشر النظام العلماني في العالم كله. قال جمال: _ما النظام ده يا ياسر هو نفسه اللي سبب دمار في الدول العربية. إبادة ومسالخ في العراق، سوريا، وفلسطين، واليمن، ولبنان، الإبادات اللي حصلت كلها كانت تحت شعار "التحرير" و"الديمقراطية". وفي الآخر، القيم اللي اتبنوا عليها دول ما جابتش استقرار ولا عدالة. بدل كده، شفنا ملايين من القتلى والمشردين بسبب التدخلات العسكرية الغربية. متقنعنيش إن الأنظمة العلمانية اللي فرضوها في بلادنا خلت فيه عدل، دي كانت بتخلي الطغاة يتجبروا في السلطة. الشعوب المسلمة جربت النظام ده قبل كده، ومشوفناش حاجة غير: الاحتلال، الاستبداد، القمع، الفقر والدمار والإبادات العرقية، حتى بقوا يبيعوا ويشتروا فينا زي البهايم! التاريخ بيوضح لنا إزاي الغرب استغل الأنظمة دي عشان يحقق مصالحه، حتى لو كان على حساب حياة الناس في منطقتنا. قال ياسر وهو يومئ برأسه موافقًا جمال: _دي حقيقة، بس النهاردة، لو حاولنا نرجع لحكم إسلامي حقيقي من غير توافق داخلي، هنواجه نفس المشاكل. النظام الدولي مش هيرحب بأي تغيير جدي في النظام السياسي. وأي محاولة لتطبيق حكم إسلامي حقيقي هتلاقى مقاومة كبيرة من القوى الغربية اللي مش هتحب تخسر مصالحها الاقتصادية أو السياسية في المنطقة. عشان كده، لازم نكون حذرين في التفكير في أي تغيير سياسي. لازم نعرف إن التغيير الحقيقي مش هيحصل إلا لو كان فيه توافق داخلي بين الناس، وكمان لازم نتفاهم مع الوضع الدولي الحالي. إن مصطفى يبقا رئيس وفرض فجأة الحكم الإسلامي دا هيسبب نتيجة عكسية وهتضيع مجهودنا اللي عملناه في الحرب دي. قال جمال ونبرته تفيض بالقهر واليأس: _وهو الحكم العلماني العسكري مش هيضيع مجهودنا اللي عملناه في الحرب دي؟ سكت ياسر برهة ثم قال: _نقدر نلاقي حل لدا... خصوصًا إن رئيس الأركان واقف معانا. نظر جمال إلى مصطفى وإسماعيل اللذان كانا يستمعان لهم في صمت تام وقال: _إيه رأيك يا مصطفى...؟ سكت مصطفى برهة ثم قال بهدوء وثبات: _ياسر عنده حق. جملة واحدة تتكون من ثلاث كلمات جعلت لسان جمال ينعقد وعقله يشل، لم يقدر على الإعتراض من احترامه الشديد لمصطفى وثقته فيه. كل ما فعله أنه أومأ برأسه وهو يقول: _بما إنك قلت إن ياسر على حق.. فهو على حق.. نظر مصطفى إلى جمال بنظرة ثابتة، تعكس أسى خفيًا، وتبادلا كلاهما النظرة ذاتها، نظرة الشاب المؤمن الذي تبخرت كل أحلامه في إصلاح هذا العالم الفاسد، رغم ما يملكونه من أسلحة وجيش وقوة. لكنهم، مع كل ذلك، ما زالوا عاجزين. شعر جمال بأنه يحتاج إلى بعض الوقت مع نفسه، فاستأذنهم وخرج. بعدها، قال مصطفى لإسماعيل: _جيبتوا الأضاحي يا إسماعيل؟ _آه، بعت جنود لسوق الشعلة في الواحات الخارجة يجيبوهم. أومأ مصطفى برأسه ثم استأذن إسماعيل هو أيضًا وخرج، كاد ياسر أن يخرج ولكن أوقفه مصطفى بقوله: _ياسر... أنا متفق معاك ومع جمال في نفس الوقت، مينفعش ننهي الحرب دي إلا لو حد فينا حط بصمته في دستور مصر وسياسها. سكت ياسر وهو يترقب ما سيقوله مصطفى، ثم أردف مصطفى: _محدش يعرف إنك قائد عندي، وأنت عندك خبرة سياسية كبيرة، قلبك كبير وبتحب بلدك وحلم حياتك تبقى أحسن، واجهت ثورات كتيرة وتعبت جدًا.. وناضلت كتير.. قعدت شبابك كله تناضل تقريبًا، واستخدمت فلوسك في إصلاح بلدك أكتر وأكتر، غير كده نظرتك الدينية كويسة وعقيدتك سليمة.... الحقيقة يا ياسر إن محدش يستحق إنه يبقى رئيس الجمهورية فينا غيرك... بعد الحرب أنت هترشح نفسك لرئاسة الجمهورية ٢٠٤٣ وهتفوز. تمام؟ لم يكن ياسر يتوقع أبدًا أن يواجه مثل هذا القرار. اختلطت مشاعره بين الدهشة والتقدير، ولكن وسط هذا الخليط من الأحاسيس، بدأ شيء أعمق ينبض بداخله. كانت تلك الكلمات، التي تحمل في طياتها تقديرًا عميقًا لمسيرته وتضحيته، بمثابة ضوء ساطع في نفق مظلم، يفتح أمامه طريقًا جديدًا مليئًا بالتحديات. بدلًا من الخوف، شعر بشيء من العزم يتراكم في قلبه. تلك اللحظة بمثابة اختبار حقيقي لإرادته، ولم يكن لديه خيار سوى أن يتبنى هذا الدور. هذه الفرصة، رغم ضخامتها، هي لحظة تاريخية لا يمكنه الهروب منها، وأنه مدفوع الآن بعزيمة لا تلين ليواجه هذا التحدي بكل ما أوتي من قوة. في الوقت ذاته يتجه موريس إلى مكتب جمال ليبلغه عن أمر ما بخصوص جنوده. طرق الباب ودخل حين سمح له، ولكن لاحظ بوجه جمال المتهجم العابس وهو يتمتم بالأذكار لتهدئة روحه الملتهبة، فنسي موريس ما أتى من أجله وقال: _جمال... أنت كويس؟ سكت جمال وهو يردد الأذكار، نظر لموريس نظرة سريعة ثم عاد ينظر للفراغ وهو يقول: _"الدُّنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ." ارتبك موريس وشعر أن جمال ينهره بطريقة غير مباشرة فقال: _شكلك مش حابب وجودي دلوقتي، أنا بس جيت عشان موضوع معين يخص جنودك كده بس هو مش مهم أوي لما يجيلك مزاج قولي، عن إذنك. كاد أن يعود موريس ولكن جمال استوقفه بقوله: _خليك يا موريس، خليك لو سمحت. توقف موريس وعاد إلى جمال وساد الصمت بينهما حيث بدا على جمال الهم واليأس المكبوت، وقال بصوته المبحوح التي تزيد من حسرته: _الواحد مننا ليه أحلام، أنت ليك أحلامك الخاصة، وأنا ليا أحلامي الخاصة، أحلامي الخاصة هي عبارة عن إني عايز أخلي بيئتي ودنيتي أحسن وأطهر وممنوع فيها الأذى. من بعد ما أخويا مات قدام عيني وامي ماتت بحسرتها بعديه، حاولت أدور على معنى للحياة، عن قيمة لدنيتي، عن الحقيقة، بقيت ملحد مرة، بقيت مسيحي مرة، جربت أبقى يهودي بس مكملتش أوي، لحد ما وصلت للإسلام، عرفت تفاصيل عقيدته، عرفت فلسفته الدنيوية، عرفت منطقه، عرفت غايته، عرفت ربنا الحقيقي منه. سكت جمال برهة ثم أضاف: _حسيت بسكينة وراحة كبيرة أوي من بعدها، عشان أخيرًا حسيت إني مش محتاج أتعب في التفكير تاني، كل تفاصيل حياتنا ليها قاعدة وقانون يفيدنا في دنيتنا وسلوكنا وحياتنا وفي آخرتنا لما نبعث من تاني. التفت جمال لموريس وهو يردف: _هو غلط أشارك السكينة دي لكل الناس؟ غلط أحاول أنهي العبث ده بالإسلام؟ هو أنا غلطان لما ده يبقى حلمي؟ حرك موريس رأسه نافيا: _لا... مش غلط، مش غلط خالص. وقف جمال وبدا يسير مقتربًا ببطء تجاه موريس يحدثه وهو يكظم غضبه: _طب ليه؟ ليه غلط إننا نحاول نعمل كده؟ ليه حرام علينا ننشر السلام وحلال ليهم ينشروا الفساد؟ ليه العالم متقبل مجازر من راجل أملس على إنه يتقبل أمان من راجل ملتحي؟ أمسك جمال بلحيته وهو يجذبها بينما هو يتحدث ويقترب من موريس شيئًا فشيئًا: _هي دي؟ هي دي اللي مزعلاكوا أوي؟ هي دي اللي خليتوا تسكتوا عن مجازر أمريكا واليهود والبريطانيين والميلشيات عشان متشوفوهاش؟ اشتد الارتباك على قلب موريس وابتعد بضع خطوات وهو يحرك رأسه نافيا: _لا والله... ل.. لا، ه.. هو بس تلاقيهم خايفين من الجماعات الإرهابية اللي باسم الإسلام المعروفة دي وكده... يعني خايفين الموضوع يتكرر، يعني ممكن أخدوا طابع عن الإسلام إنه دين عصابات أوي كده... و.. وده غلط طبعًا. _ليه؟ هما مش الـ KKK و Army of Gods و Broud Bros هما مش كل دول جماعات مسيحية إرهابية؟! هي مش الكنيسة كان ليها جرائم كتير في العصور الوسطى وحروب الفرنج؟ هو مش الجيش الأمريكي والبريطاني اللي إبيد نص اعراق الأرض من ناس مسيحيين؟ هما مش جيش اليهود اللي عمل أبشع مجازر في التاريخ الحديث من جنود ديانتهم يهودية ومسيحية؟! ليه محدش قال على كل دول إرهابيين؟ دول قتلوا ملايين الناس.. قتلوا ملايين الناس بس عشان هما مش بدقون محدش قال عليهم إرهابيين. قال موريس وهو يومئ برأسه مضطربًا من نظرات جمال الثاقبة له: _أيوة صح، عندك حق والله، عندك حق. أمسك جمال بسلاحه الذي على كتفه وهو يريه لموريس ويرجرجه ليثبت أنه حقيقة: _السلاح في إيدينا! إحنا نقدر نغير بلدنا ونخليها أحسن، نخليها خالية من أي استعباد للناس واستغلال ليهم، خالية من المجازر والعنصرية، خالية من المجرمين، إحنا نقدر نعمل كل ده! بس رغم كده... إحنا عاجزين.. عاجزين ليه؟ ليه الموضوع صعب إننا نحقق أحلامنا رغم إن الوسيلة في إيدينا أهي، ليه؟! ظل موريس صامتًا لا يعلم كيف يتصرف مع غضب جمال، ولكنه في نهاية المطاف قال لجمال: _عشان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر... سكت جمال تمامًا وقد لاحظ من رجفة في جسد موريس الطفيفة وأعينه المربكة التي تتجنب النظر إلى عينيه مباشرة، فسأله جمال بنبرة أهدأ من ذي قبل: _أنت خايف مني؟ _حضرتك القائد بتاعي طبيعي أهیبك. أومأ جمال برأسه وبكل هدوء حكم قبضته على سلاحه ثم وجهه تجاه رأس موريس في حركة غير متوقعة. _متأكد إنك مش خايف مني عشان انا مسلم وإنت مسيحي وكدة؟ أكيد اتقالك قد إيه فيه مسلمين نفسهم يقتلوا المسيحيين صح؟ شوفت اللي حصل في مجزرة سانكتوريا طبعًا. رغم ارتباك وقلق موريس المكبوح قال بثقة: _أنا عارف إن كل دا كدب عندكم، واللي حصل لسانكتوريا من أدهم، أنا عارف إنكم مش كده. سكت جمال برهة وهو يفكر ليختبر موريس على صدقه، فقال: _طب بص... إنت هتلف دلوقتي، ولو خايف مني وعارف إني هقتلك، افتح الباب واجري، بس لو واثق فيا وعارف إني مش كدة، افضل واقف خمس ثواني وشوف النتيجة النهائية، يلا لف... أيقن موريس أن ما يفعله جمال الآن هي مجرد الاعيب ليختبره كقائد، ولكن رغم ذلك فصوته الداخلي كان مذعور. وبخطوات وئيدة، التفت موريس ليصبح الباب أمامه، هل يهرب أم يبقى؟ إن قتله فلن يعلم به أحد، فهو المسيحي الوحيد من بينهم وسيتم إخفاء الأمر. كاد أن يخطو خطوة للأمام ليهرب، ولكن تراجع وظل ساكنًا ليحارب وساوسه. فلماذا سيقتله من الأساس؟ لقد مكث وحارب بينهم لمدة خمسة أشهر ولم يحاول أحد مسه أبدًا، وليس هذا من دينهم من الأساس. عزم موريس الأمر وظل واقفًا في انتظار الخطوة التالية من جمال، ليتبسم جمال ضاحكًا، وأنزل سلاحه، وبحركة خفيفة مازحة ضرب مؤخرة رأس موريس لينتفض ويلتفت وهو يلتقط أنفاسه في اطمئنان، وهو يضحك حين وجد جمال يضحك هو الآخر. _هزارك تقيل أوي على فكرة. قال موريس هذا ضاحكًا ليبادله جمال الضحكات، لتفجر ضحكتهما معًا أجواءً كانت مشحونة بالتوتر، فتبدلت حرارة المشهد المشتعل إلى برودة هادئة وسكينة عميقة بين روحيهما. مرّت الساعات حتى أتى الفجر وجاء يوم عرفة، وانتهوا من صلاته بعد أن أمّهم مصطفى، ثم توجهوا إلى المهاجع ليتجهزوا للتدريبات وهم صائمون. أثناء ذلك، كان مصطفى في مكتبه، وأثناء استعداده للخروج إلى الجنود، وقعت عيناه على خبر صادم في التلفاز: «أنباء عن مقتل فلوريان صبحي، هدى عوض، وهالة سعيد، في قصف نفذته مسيّرة مجهولة المصدر على سيارة هدى أثناء توجههم إلى مؤتمر خاص بمشروعهم، حيث يُرجح أن المسيّرة تابعة لجيش ذود، واستهدفت قتل فلوريان صبحي نظرًا لكونها مسيحية.» جحظت عينا مصطفى عند رؤية هذا الخبر المفجع، ولم تتح له فرصة للاستيعاب، إذ قُطعت أفكاره فجأة بصوت مدوٍّ هزَّ أركان المعسكر، وصيحات الجنود التي علت من كل حدب وصوب، كأنما أُطلق نداء الفزع. ما حدث في تلك اللحظة كان صاعقًا، إذ قصف صاروخ من مسيّرة الميليشيات، وسقط فوق مبنى المطعم والمهاجع الذي يضم آلاف الجنود في تلك اللحظة. وكان ذلك الصاروخ، الذي أضاء سماء المعسكر، هو بداية لحربٍ لا رحمة فيها، معلنًا عن فجر جديد من المعركة. -------------------- *فصل تحرير سجناء دارين وتحرير مصر من الميلشيات قريبًا*

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة