نبراس المستضعفين ٢

نبراس المستضعفين ٢

36 0

١٠٠ في ظهيرة رمادية هادئة، وبينما كانت العاصمة تستكمل حياتها في يومٍ جديد من أيام الجمهورية الحديثة، تحرك الموكب الرئاسي بهدوء، دون ضجّة إعلامية ولا مراسم احتفالية. كانت الوجهة مجهولة لغالب من في الموكب، عدا قائد الحرس الخاص وسائق السيارة الرئاسية، و... ياسر. خرج ياسر من قصر الرئاسة، وهو متجه في طريق لطالما سار عليه في ذات عصرٍ كئيب، متجهًا إلى المصحة النفسية، حيث يرقد صديقه القديم محمود. واليوم، يسلكه مجددًا، ولكن تحت شمسٍ مختلفة، بوجهٍ تغيّرت ملامحه، لا من السلطة، بل من الأشهر الطويلة من الحرب التي طحنت قلبه قبل أن تلامس جبينه علامات الوقار. ياسر الآن رئيس الجمهورية. رئيسها، لا لأنه سعى للكرسي، بل لأنه نُودي إليه حين عزّ في الأرض من يصلح أن يُنادى. وأول ما خطر بباله حين صدرت النتائج، لم يكن الاحتفال، ولا الخُطط، ولا الملفات، بل كان وجه محمود. قلبه يضطرب بذكرياتٍ لا تهدأ... ذكريات عن كيف التقى محمود.. وكيف اصبحا رفيقين في الهتاف، في الركض من القنابل المسيلة للدموع، في حماية الفتيات من ضربات العُصي، في اقتسام زجاجات المياه وهم يرفعون لافتاتهم. كان محمود، في الحادية والعشرين من عمره حينها، شابًا ضحوكًا، قائدًا بالفطرة، يحوّل اليأس إلى نكتة، والدم إلى أغنية. بينما كان ياسر أصغر سنًّا، يتعلّم منه الشجاعة كأنما يتعلّم الصلاة. لكن كل ذلك تغيّر في لحظة. تلك الرصاصة التي أصابت عين محمود لم تكن مجرد طلقة، كانت كأنها أُطلقت على الذاكرة، على الزمن، على الحلم. ومنذ تلك الليلة، انكفأ محمود إلى ذاته، حُشر وعيه في سنة ٢٠١١، وانفصل عن العالم الخارجي. لم يعد يعرف من مات، ولا من وُلد. يعيش في غرفةٍ داخل المصحة النفسية، وكأنها زنزانة لا بأسوار، ولكن بأسى لا ينتهي. اقترب ياسر من بوابة المصحة، وقد تملكته رعشة لا يدري أهي من الشوق، أم من الخوف، أم من التناقض الحاد بين ما هو عليه اليوم وما عليه صديقه. رجل يحكم البلاد، يأتي ليزور رجلاً ما زال يسكن لحظة الهزيمة الأولى... ما أقسى أن تكون أنت الخارج من النفق، وصديقك ما زال في عتمته، لا لأنه لم يحاول، بل لأن شيئًا ما داخله كُسر، ولا سبيل إلى إصلاحه. ترجّل ياسر من السيارة، وأمر الحراس بألا يدخلوا معه المصحة. ومع ترحيبٍ حار من الإداريين والموظفين، أمرهم أيضًا بألا يبالغوا في الأمر، لاجل محمود فقط. ومضى بخطى مثقلة نحو الحديقة التي تُجرى فيها الزيارات، وكلّ خطوة كانت تنكأ في صدره جرحًا غائرًا. كم من مرّة زاره، وخرج بذات الأسئلة، وذات الحسرة: عشر سنوات ومحمود لا يبرح مكانه. عشر سنوات وياسر يحاول، بكل ما أوتي، أن يجعل هذا الوطن يليق بعينٍ أُزهقت، وبروحٍ انطفأت. وحين أبصره، هناك، جالسًا على المقعد ذاته، يحدّق في لا شيء كعادته، تسارعت أنفاسه، وهو يخطو نحوه. وكانت تلك اللحظة، لحظة المفترق بين نهاية الحكاية القديمة وبداية حكايةٍ أخرى... حيث يخبر الرئيس صديقه، أن الثورة أخيرًا أنجبت رئيسًا من دمها. تقدّم ياسر نحو صديقه بخطًى يثقّلها الشوق والحنين، وما إن أبصره حتى ارتمى في حضنه، فتبادلا السلام بحرارة، بعدها جلسا سويًّا على المقعد الخشبي ذاته الذي شهد لقاءاتٍ كثيرة، تآكلت أطرافه بفعل الزمن، كما تآكلت أطراف الذاكرة في عقل محمود. _أخبارك إيه يا محمود؟ وأخبار أحوالك؟ _الحمد لله يا ياسر، الحمد لله.. غبت عليا أوي المرادي، مالك؟ اختفيت ليه كده؟ ابتسم ياسر ابتسامة شاحبة، وربت على ظهر صديقه بحنوّ من عاش عمره مدينًا له، ثم قال: _أنا آسف يا حبيبي والله... أشغال الحياة بقى. _عقبالي لما يبقى عندي أشغال حياة. ساد صمت خفيف، ومال ياسر بجسده نحو محمود، يطالع وجهه الذي استوطنه الزمن كأرضٍ بور لم تزرعها يد، ثم قال: _قولي يا محمود كل اللي نفسك فيه، تعبتك القعدة هنا؟ احكيلي لو حابب يكون ليك مهنة أو شغلة، لو حابب تغير المكان ده أوديك مكان تاني. طال سكوت محمود، كأن الكلمات تتردّد في صدره ولا تجد مخرجًا آمنًا. ثم نطق، بصوتٍ فيه رجفة من خوفٍ قديم لم يغادره: _هي أحوال البلد اتعدلت ولا لسه؟ مش هحب بصراحة أطلع الشارع ولسه فيه مظاهرات وضرب رصاص وقنابل مسيلة للدموع، كفاية عيني اللي راحت، مش عايز عيني التانية تروح كمان. شعر ياسر بوخزٍ حادٍ في روحه، وتلوّت ملامحه لحظةً من فرط الألم، وهو يرى صديقه لا يزال حبيس جدران الخوف، يختبئ من ماضٍ صار كابوسًا يسكنه منذ أكثر من ثلاثين عامًا. وللتذكير... لم يكن جنون محمود وليد لحظة، ولا كانت إصابته في "محمد محمود" هي القاضية وحدها، بل كانت الشرارة الأولى التي أشعلت في داخله نارًا ظلّت تتأجج عامًا بعد عام، حتى أتت على ما تبقّى من سلام عقله. فقد عينه، نعم، لكن لم يفقد معها حينها ذاكرته، ولا إدراكه، ولا توازنه. فقد عاد إلى بيته بعد الثورة، تزوّج، وأنجب أطفالًا، وشرع ينسج لنفسه حياة جديدة، كأنّه يحاول أن يُجبر الكسر، أو يقنع نفسه أن ما ضحّى به لم يذهب هباءً. لكن البلاد، بجمودها ونكوصها، كانت تمعن في تمزيق رجائه، وتقتات على إيمانه. كلما ازداد الانحدار، وكلما رأى بعينه السليمة الفساد يستشري، والظلم يعاود صعوده، كانت عينه الأخرى، تلك التي أُزهقت في سبيل حلمٍ لم يُكتب له الحياة، تنزف غيظًا وقهرًا داخل قلبه، وإن كانت لم تعد تبصر النور. كلما أمعن في متابعة المشهد السياسي المترنح، وتراكم الخيبات، وضياع مكتسبات الثورة، كانت روحه تهتز، وعقله يتداعى شيئًا فشيئًا. لم ينهَر دفعةً واحدة، بل تشققت جدران وعيه تدريجيًا، حتى غمرت مياه الألم كل حجر فيه. تآكلت ذاكرته من الأطراف، حتى طمست السنوات الأخيرة من حياته. لم يعد يتذكر زوجته، ولا أولاده الذين نادوه يومًا. لم يتذكر عمله، ولا الشارع الذي عاش فيه، ولا موت امه. كل تلك التفاصيل ذابت في عمق الجرح الأول، كأنّ الزمن توقف عنده يوم فقد عينه، واستأنف سيره في الاتجاه المعاكس. هكذا، تقادمت عليه الحياة كحلمٍ انقلب كابوسًا، ومع كل نكسة وطنية، وكل خيانة لدماء من رحلوا، كان محمود يغور أكثر في ظلال النسيان، حتى انتهى به المطاف إلى أبواب المصحة النفسية، لا لأنه جبُن عن الصمود، بل لأنه صدّق الحلم بصدقٍ لم يحتمله قلب بشر. وبات، مذّاك، ساكنًا في عام ٢٠١١، لا يبرحه، كأنّما ألقى به الزمان خارجه، وجعله سجينًا في لحظةٍ لم تشأ أن تمضي. ابتلع ياسر غصّته بمرارة قهرٍ لا تزال جمرته مشتعلة في داخله، ثم قال: _لا يا حبيبي، متخافش، خلاص معدش فيه ثورة، ومبارك خلاص مات. _والله العظيم؟ _آه والله. ارتسمت على وجه محمود ابتسامة عريضة، كشروق شمس بعد ليلٍ طويل، فأسرع ياسر يُكمل الحديث قبل أن تفيض سعادته: _وعايز أقولك بقى على خبر حلو أكتر. _إيه؟ قولي. _أنا بقيت رئيس جمهورية. ظلّ محمود يحدّق في وجه ياسر، محافظًا على ابتسامته دون أن تتغير ملامحه، كأن الخبر لم يَخلُق فيه أثرًا. لا ذهول، ولا فرح، ولا اندهاش. فقط هدوء غريب واستقرار عجيب، ثم قال: _ده بعده على طول؟ _آه... يعني مش بعده أوي... أومأ محمود برأسه بهدوء، ثم طاف بناظريه حول الحديقة، ينظر إلى الممرضين والمبنى والمكان، ثم عاد بنظره إلى ياسر وقال: _مقولتليش يعني إنك جيت. تعجب ياسر قليلًا، وأجاب وقد أربكه الرد: _ما أنا معاك أهو يا حبيبي... أنا قولت أعملك مفاجأة بس. _طب ما تقول كده، قعدت في أنهي عنبر عشان أبقى أجي أزورك. فهم ياسر ما يقصده محمود، فتلاشت ابتسامته في لحظةٍ من الذهول، ثم ما لبث أن انفجر ضاحكًا وهو يقهقه من عمق قلبه، ليضحك محمود معه، وهو يضرب كفًا بكف، كأنهما عادا إلى برهةٍ صافية من عمرٍ كان. وحين هدأت الضحكات، قال ياسر وهو يلهث من أثر الضحك: _حقك إنك متصدقنيش.. بس والله ده بجد. _يا عم ماشي، اللي تشوفه، بس مهما أقنعتني مش هصدقك. قال ياسر بنبرة مداعبة: _ليه يعني يا محمود؟ مشبهش يعني ولا مشبهش؟ قال محمود وقد خفت صوته وسكنت ملامحه، وكأن جدّية العالم كله هبطت على نبرته: _لا يا ياسر، متشبهش... انت إنسان طيب، وعندك رحمة وإنسانية... واللي بيوصل للخطوة دي عمره ما بيبقى كده... ولو هو كده، فهييجي اليوم اللي هيتغير ويدوس على الصفات دي بالجزمة...، انت مش وش الحوار ده يا ياسر... انت أشرف من كده. كان لحديث محمود وقع عجيب في صدر ياسر؛ فلم يكن مجرد رأي صديقٍ في لحظة تجاذب أطراف الحديث، بل كانت كلمات حفرت في روحه سطرًا سيبقى محفورًا ما بقيت فيه أنفاس. تلاشت ضحكته، وخفَّ وهج ابتسامته، وارتسم على قسمات وجهه شيء من التأمل الحائر. جملة "انت أشرف من كده" لم تكن مديحًا، بل كانت تكليفًا، مسؤوليةً ألقتها عليه روح مشروخة من الماضي، روح محمود، ذلك الشاهد الحيّ على ثمن الغضب والرصاص، وعلى كلفة أن تُهمل الدولة أحد أبنائها في متاهة الجنون. تذكّر ياسر، وهو يُطيل النظر في عيني محمود، أن المناصب لا تُبقي في أصحابها شيئًا من الطهر إن هم سكنوها ونسوا لماذا حملوا مسؤوليتها. أدرك أن السلطة ليست مقامًا للعلو بل موضعًا دقيقًا على حافة الهاوية، إمّا أن تُمسِك فيها بأهداب الرحمة وتتشبث بإنسانيتك، أو تتهالك كمن سبقك إلى القاع، ولا تجد في نفسك أثرًا للوجه الذي بدأت به. وها هو اليوم، بعد ثلاثة اسابيع فقط من الحُكم، يفهم أن أكثر ما يخيفه ليس المعارضة ولا الانقلابات ولا الخسارة، بل أن يصدّقه محمود. أن يصدقه محمود، يعني أنه تغير... أن يصدقه محمود، يعني أنه خان ما أحبّته فيه هذه الروح الشفيفة... أن يصدقه محمود، يعني أنه فقد تلك البراءة التي جعلت منه ما هو عليه. وبينما كان قلبه يعيد صدى الحديث، شعر بأن هذه الكلمات ستكون علامة طريق، لا كتذكار عاطفي بل كوصية، كنبضٍ سريٍّ يجب أن يظل حاضرًا بين الملفات، والقرارات، وأصوات الوزراء، وحسابات المصالح. وهكذا، خرج ياسر من المصحّة، لا فقط وقد زار صديقًا، بل وقد زار أعماق نفسه، وخرج منها بحقيقة لا يعلو عليها شيء: أنّ هذا الحكم ليس شرفًا في ذاته، بل الشرف أن تحكم وأنت لم تخن من وثقوا بأنك "أشرف من أن تحكم".                           ********** في مقر الجريدة حيث تعمل علا، كان يامن جالسًا حين دخلت عليه بخفةٍ وبهجة، تحمل إليه البشرى كما لو كانت تحمل شعاع شمسٍ في كفّيها، وهي تخبره عن العفو الرئاسي الذي صدر لمصطفى، ثم أردفت بنبرة لا تخفي فرحتها: _أنا أخدت إذن أطلع بدري عشان ألحق أروح البيت قبل ما هو ييجي عشان أجهزهوله. نهض يامن من مجلسه، والفرح سرى في أوصاله بقوة لأجل قائده السابق الذي تعب معهما واستحق كل خير، ثم قال بحماسة: _بجد، حمدلله على سلامته! طب مش محتاجة أوصلك أو حا... انحبست الكلمات في حلقه فجأة، إذ تسللت إلى ذهنه تلك الحقيقة التي لا يكف قلبه عن إنكارها، بينما لا يكف عقله عن تذكيره بها: علا باتت مخطوبة لجمال منذ أسبوع. فابتلع عبارته، وسحب حديثه سريعًا وهو يتمتم معتذرًا: _ا.. آسف، معلش، اعذريني، نسيت... جمال مستنيكي دلوقتي؟ أجابته علا، وهي ترسم على وجهها ابتسامة خفيفة تنمّ عن تغافل: _آه، متقلقش، أنا قولتله. يلا، مع السلامة. غادرت، وبقي هو وحده في المكان، يجلس على الكرسي ذاته الذي شهد من قبل أفراحه الصغيرة وآماله الدفينة. جلس يامن يتذوق ذات المرارة التي اعتاد مذاقها كلما اقتحم جمال عالم علا، كلما أخذ منها خطوة جديدة نحوه، نحو قلبها، نحو حياتها. لم يكن يامن حاقدًا على جمال؛ فذلك ليس من طبيعته ولا من معدنه، بل كان يغبطه غبطة مؤلمة، يتجرعها كما يتجرع المريض دواءً مرًّا يعلم أنه لن يشفيه. تلك الفتاة التي أحبها لسنين، رفيقته في الدرب والمهنة، أنيسة لحظاته الصعبة، وملهمته حين يجفّ القلم وتخذله اللغة، لم تبادله حبًا بحب، ولا نظرةً بنظرة. سعى بكل جهده ليُظهر لها مشاعره، قدّم قلبه على كف الرجاء، وانتظر... وانتظر. حتى جاء جمال، بكل يسر وسهولة، ليحوز قلبها كما لو أن شيئًا لم يكن. كان يامن يعيد على نفسه ذات الأسئلة كل ليلة، يدور في ذات الدوامة التي لا يعرف لها نهاية: هل لم تحبه علا لأنه لا يوافق ذوقها؟ أم لأن جمال أوفر وسامة، أو أكثر جاذبية في الشخصية؟ هل ارتكب يامن خطأ جعلها تنفر منه؟ أم أنها رأت في جمال ما كانت تتمنّاه دومًا في شريك عمرها؟ ولكن، ما هو هذا الشيء يا تُرى؟ ما الذي وجدته فيه وكان يامن يفتقر إليه؟ تُجهد الأفكار عقل يامن، يحاول بها أن يُسكت قلبًا متمرّدًا لا يرضى بالسكون، فيهمس لنفسه بأجوبة قد تكون بديهية: ربما لم يكن لها خيار، فالمشاعر لا تُؤمَر، ومن أحبته توجهت إليه ببساطة، وربما لأن جمال أقرب إلى أخيها، وربما لأن جمال لا يعاني من صلع وراثي كما هو حال يامن. كلها أجوبة منها التافه ومنها المقنع، لكنها لم تكن سوى مسكنات، لا تداوي الجرح، بل تخدّره لحين. وبالرغم من كل شيء، لم يكن في حياته سواها. لم يكن له من الأمل سوى أن يمضي في دربه، متصالحًا مع واقعه، منتظرًا من الأقدار لحظة نسيان، أو بشارة تُنسيه إيّاها... إن جاءت. وعلى النقيض من يامن، كان هناك ماجد... زوج علا السابق، الذي ما إن وقعت عيناه على إعلان خطبتها منذ أسبوع، حتى بدأ يعدّ الأيام ويترقب اللحظة التي يلتقيها فيها وجهًا لوجه. وقد جاء هذا اليوم أخيرًا، كما تمنى، محملًا بثقل الماضي وخبث النوايا. وما إن خرجت علا من مبنى الجريدة حتى وقعت عيناها عليه، واقفًا على بُعد خطوات، جامدًا في مكانه كمن انتُزع من زمنٍ قديمٍ وأُلقي أمامها فجأة. فور أن لمحت وجهه، انقبض قلبها بشدة، وشعرت بغصة مريرة تعتصر حلقها؛ ذلك الوجه المشؤوم الذي ما رأته إلا وعادت بها الذاكرة إلى أيام الألم والخذلان. لم يمهلها لتستجمع أنفاسها، بل اندفع نحوها متلهفًا، وقال: _إزيك يا علا... ع.. عاملة إيه؟ فأجابته ببرودٍ جليّ، تخفي خلفه احتقانًا متراكمًا: _الحمدلله يا ماجد... مش خلاص بقى قولنا متجيليش تاني؟ حدّق ماجد في يدها المعلقة بها الخاتم، وقال بنبرة مقهورة: _اتخطبتي؟ خلاص نسيتي كل اللي كان بيننا؟ قطّبت علا جبينها، مستنكرةً غباء حديثه، وقالت: _نسيت إيه ومنسيتش إيه؟ إنت بتتكلم كده ليه؟ ما كل واحد يخليه في حاله بقى ويعيش حياته، إنت لسه بتفكر فيا ليه؟ ما خلاص بقى، احترم إنك متجوز ومخلف اتنين. لكنه أجابها بجُرحٍ مفتوح لم يندمل: _أنا آه اتجوزت، بس منسيتكيش. فأجابت بحدة لا تخلو من ضيقٍ متأصل: _مش هاممني يا ماجد تنساني ولا متنسانيش، ولا تتجوز ولا متتجوزش، ممكن تسيبني لو سمحت عشان مستعجلة؟ وفي هذه اللحظة، كان جمال ينتظرها في السيارة القريبة، يراقب الموقف من بعيد، حتى لاحظ ملامح الامتعاض المرتسمة على وجهها، فتأهّب قلقًا، وفهم من وقفتها المرتبكة أن ذلك الرجل يضايقها. ترجل من السيارة بسرعة، واتجه إليهما، وحين بلغهم، تحدث إلى ماجد بنبرة رزينة: _لو سمحت، حضرتك محتاج حاجة؟ نظر ماجد إليه، وتأمله لحظة كمن يقيس خصمًا في ساحة قتال، ثم التفت إلى علا قائلًا بسخرية خبيثة: _ما شاء الله، بقى ييجي يوصلك كمان؟ تعجب جمال من نبرته، وقال باستنكار: _نعم؟ مين حضرتك وبتكلمها كده ليه؟ اقترب ماجد منه خطوة، وقال متحديًا: _إنت متعرفش اللي متجوزها دي واحدة مطلقة؟! دي كانت مراتي وأنا طلقتها! قال ماجد كلماته بنبرة فجّة، كأنما يُلقي إهانة، لا وصفًا، ولكن جمال لم يُعر تلك الكلمة أدنى اعتبار، ولم يرَ في لقب "مطلّقة" ما يراه ماجد. بل نظر إليه بثبات، وربّت على كتفه بهدوء، وقال: _ماشي، يلا بقى امشي، ربنا يهديك، عشان ورانا مصالح ومش فاضيين للحوارات دي. يلا. لكن ماجد لم يهدأ، وأراد أن يغرس سهامه الأخيرة، مستهدفًا علاقة علا بخطيبها، فاقترب خطوة أخرى وقال محتدًا: _متبقاش عبيط كده! إنت معقول هتتجوز واحدة مطلقة؟ دا أنا جربتها قبل!! هتتجوز واحدة مستعملة؟! لقد تجاوز حدود الوقاحة حقًا، وتفوّه بما لا يُقال، حتى اتسعت عينا جمال من الصدمة والغيظ والاحتدام، وتجمّد الهواء من حولهم من هول ما قاله. كانت الكلمات كسيفٍ مسموم شقّ صدر علا، فتكسر قلبها قهرًا، ولكن جمال لم يتردد، ولم يبحث عن ردٍ سوى قبضته، التي انطلقت على الفور، ولكمته لكمة صاعقة، سُمع معها صوت كسرٍ حاد، وسقط ماجد أرضًا، يتلوّى من الألم. كاد جمال أن يندفع نحوه أكثر، لينقضّ عليه ويُفرغ غضبه الكامل، لولا أن ماجد بدأ يزحف إلى الخلف بتوسّلٍ مخزٍ، يقول: _خلاص والله خلاص آسف، والله آسف، خلاص. وقف جمال في مكانه، يرمقه بنظرة غليظة مستشيطة، تشي بكل ما في داخله من احتقار. وحين التفت رأى أن علا قد سبقته إلى السيارة، لم ينبس بكلمة، واكتفى بأن يدير له ظهره، ثم دخل إلى السيارة وانطلق، تاركًا ماجد ممددًا في العراء، بين جراحه وذنوبه. بدأ جمال القيادة وقد زفر بضيق، يطلق أنفاسه ثقيلةً تتلوها همسات استغفار خافتة، كمن يجاهد كي لا ينفجر غضبًا أو ينهار ألمًا. وخلفه، جلست علا تغالب أنفاسًا متسارعة، وعيناها مغرورقتين بالدموع، لا من ألم اللحظة وحده، بل من مزيجٍ مرير من الذل، والإهانة، والذكرى التي قُلبت أمام من أحبته في صمت. لم تكن تلك لحظة عابرة؛ لقد اخترقت كلمات ماجد جدارها الهش، وشرخت شيئًا ما في كرامتها، شعورها أشبه بالسقوط من علوٍ شاهق أمام رجلها، ولم تستطع بعد أن تلملم نفسها. منذ أُعلنت خطبتهما قبل أسبوع، كان جمال قد قرر أن يكون إلى جوارها في مهامها اليومية، يلازمها حيث ذهبت، ما استطاع، رغم انشغاله بعمله في إحدى الشركات التابعة لياسر. وضع شرطًا واضحًا: أن يصطحبها وينقلها لحيث ما تريد، دون حديثٍ أو مزاح، دون تلاقي نظراتٍ أو مشاركة خواطر. فهما في النهاية ما زالا غريبين في شرع الله، والقلوب تُضبط بالعفة، والنية تُحمى بالاحتياط. هكذا مضت رحلاتهما اليومية، صمت يلف الطريق، وجمود لا تخترقه الكلمات. لكنها اليوم، رغبت أن تخرج عن هذا الاتفاق، أن تبوح، أن تتكلم... لكنها لم تستطع، فحضور الله في قلبها كان أقوى، فتفجّرت دموعها صامتة، تنساب على وجنتيها دون صوت. عندها، لمح جمال ارتجافها عن نظر إليها من المرآة قال كلمةً واحدة، كانت كالحضن في صقيع: _متعيطيش... فكأنما بُعثت الروح في علا من جديد، ورفعت رأسها نحوه، متلهفةً أن تستوثق مما سمعت، كأنما لا تصدق أنه كسر الصمت أخيرًا: _هو كلامه أثر فيك يا جمال؟ أتمنى ميكونش أثر فيك في حاجة ناحيتي... فأجابها بصوت هادئ ببحته الدافئة: _مفيش حاجة أثرت فيا يا علا، اهدي وانسي. لم يطل الصمت بعدها، إذ انبعث رنين هاتفها فقطع السكون الذي كان يخيّم على السيارة. كان المتصل فياض، عمها. أجابت بسرعة، ومسحت دموعها بيد مرتجفة، قبل أن تتحدث بصوت متماسك قدر استطاعتها وبعد سلمت عليه فال لها: _مصطفى هييجي عندك؟ عشان أعمل حسابي وأجهّز معاكي البيت والأكل. _ا.. آه، هييجيلي، وأنا طلعت بدري أهو ورايحة البيت. شعر فياض بتكسر نبرتها، فبادره القلق في صوته: _مال صوتك يا حبيبتي؟ انتِ بتعيطي؟ قالت بانكسار لم تستطع إخفاءه: _حصلي موقف وحش أوي يا عمو... ثم شرعت تسرد ما حدث، بصوتٍ ينزف دموعًا، ولكن بصلابة تقاوم الانهيار. استرسلت حتى وصلت إلى أكثر ما آلمها، وقالت بحرقة: _أنا ما صدقت نسيت الأيام السودة اللي عشتها معاه، وبدأت أنسى موضوع ابني... جه دا وفكرني بكل حاجة، لا، وقال عليا كلمة وحشة أوي كمان! هو استفاد إيه من كل دا يعني؟ مش فاهمة؟! رد فياض بصوت حانٍ مطمئن: _ولا تزعلي يا حبيبتي، خلاص، هو أخد العلقة من جمال، وأكيد من بعدها مش هيطلعلك تاني. المفروض تفرحي باليوم دا، ما تتنكديش من ناس غبية زي الراجل دا... جمال قالك حاجة تضايقك من بعدها؟ أجابت بامتعاضٍ خانق: _لا، مقالش حاجة، أهو قاعد ساكت زي عادته، زي خيال المآتة، مش بيطمني بكلمة، وفي الآخر هيعمل فيّا مقلب وألاقيه فاسخ خطوبتنا. رمقها جمال من المرآة بنظرةٍ سريعةٍ لا تُقرأ، ثم أعاد بصره إلى الطريق، يلوذ بالصمت كعادته، بينما جاء صوت فياض من الهاتف ممتزجًا بالاستنكار: _ليه بس يا علا بتقولي كدة؟ ما تتشائميش بالشكل دا. جمال ليه يعمل كدة؟ انتِ عملتِ إيه؟ ردت بصوت منكسر: _معرفش يا عمو... مفيش، هتتقال على خطيبته كدة، وهيكمل معاها في الآخر... فقال فياض بحزمٍ مشوب بالحنان: _بصي، انسي كل دا خالص، وأنا هبقى أكلمه. لو هو مكسوف يتكلم معاكي، أنا هسمع منه كل أفكاره عن الموضوع دا، ولا تقلقي. وهو راجل بيحبك وعنده عقل، ما أظنش إنه هيخذلنا في حاجة. روقي كدة عشان أخوكي يشوف وشك الحلو دا وهو بيضحك بعد ما يرجع.                            ********* _إيه يا أنوبيس؟ مش فرحانة إنك شفتيني أخيرًا بعد أكتر من سبع شهور؟ مالك واقفة كده ليه؟ تعالي يا حبيبتي، تعالي لحضن بابا. في الجهة المقابلة، كانت هاجر تقف كمن شُلَّ عنها الزمن، لا تفارق عيناها ملامح والدها التي ظنَّت أنها دفنتها في رمال النسيان. تحدّق فيه بصمتٍ مخنوق، صدمة تعصف في صدرها، مشوبة بمرارة القهر ووهن العجز. ذاك الذي جفّفت روحها هربًا من ظله، واحتاجت شهورًا طوالًا لتقنع نفسها أنها تخلّصت من آثاره... ها هو يقف أمامها مجددًا، بجسده الكامل، وصوته، وبسخريته القديمة، كما لو أن شيئًا لم يكن، كما لو لم تُكسَر، ولم تُدفن، ولم تُبعثر ألف مرة على يديه. الشيطان الذي أقسمت ألّا تطأ موضعًا يحتمل أن يكون قد مرّ به، يظهر اليوم في وضح الذاكرة، كأنما بُعث من رمادها، لتسحق خطواته ما تبقّى من ركامها، ويبدّد رحلة تعافٍ شاقة، كانت تظنها بدأت تُثمر. تقدّمت خطوةً واحدة، وهنا امسك إبراهيم يدها ليمنعها، فتلتفت إليه، عيناها تغليان بغضبٍ لا يخلو من رجاء، وهو يقول: _سيبني يا إبراهيم، انت اتجننت؟ _إنتِ اللي اتجننتي؟ إنتِ رايحاله؟ _لو مروحتلهوش، احتمال القيامة تقوم... سيبني يا إبراهيم، مش هيحصلي حاجة! سحبت يدها من قبضته بعنفٍ يائس، وتقدمت نحوه بثباتٍ مشوب بالارتجاف. على الجانب الآخر، كانت ابتسامة أدهم تتمدد على وجهه الماكر، كمن يستقبل غائبًا طال انتظاره. بسط ذراعيه نحوها، مستعدًا لاحتضانها، كما يفعل كل الآباء، إلا أن حنانه لم يكن يومًا كحنانهم، ولا حبه كحبهم. وما إن بلغت بين ذراعيه، حتى ضمّها إلى صدره بقوة، وحاصرها بعنقه كما لو كان يخشى أن تنسلّ منه. الاحتضان الذي قد يبدو حانيًا من بعيد، كان في داخلها شيئًا آخر؛ اختناق قديم، ودوّامة من صراعات لم تُحسم، ولا تعرف لها مخرجًا. لم تبادله العناق، لم ترفّ له جفنًا، فقط تركت جسدها ساكنًا بين ذراعيه، مستسلمة لحقيقةٍ سافرة طالما أنكرتها. لحظةٌ واحدة بدت كأنها تسحب من أعماقها كل ما قاومت أن تتذكره، كل ما دفنته، كل ما رمّمته بشقّ الأنفُس. هو والدها... نعم. لكنها لا تعرف كيف يمكن أن تكون الابنة في حضن والدها وتشعر بهذا القدر من التيه، والتناقض، والتوجّس. علاقتهما لم تكن يومًا مفهومة لها أو لأحدٍ قد علم عنها؛ علاقة لم تنجُ من التشوّه، ولم تُغلق صفحتها بعد. كانت دائمًا معقّدة، متشابكة، كأنها خيوط متنافرة؛ فحب أدهم لها لم يكن عاديًا، لم يكن رحيمًا، لم يكن أبويًا حتى وإن تشدّق بذلك، لقد كان حبًا مسمومًا، ينمو من تربة مسودّة بالرغبة في التملّك، ويزهر بأشواك الطاعة العمياء. أحبها كما يحب الجلاد سوطه، كما يحب القاتل نصل سكينه... يتفقّده كل ليلة، يلمّعه، ويخفيه بين طيّات معطفه، لا لأنه يخاف عليه، بل لأنه لا يحتمل فكرة أن يعيش دونه. منذ نعومة أظفارها، لم تعرف هاجر للحنان شكلًا نقيًّا بسبب هذا النوع من الحب الصادر منه... كانت تُربَّت على رأسها بعد أن تقترف ما يُطلب منها، وتُحتضن بعدما تغمس يديها في الدم، وتُكافأ عندما تكتم صراخها في جوف الليل... كانت رائحة الدم تسبق كل صباح في حياتها، وكل ما يشبه الطفولة فيها قد ذُبح بصمت على مذبح محبّته. حبه ألبسها جلدًا لا يناسبها، صنع منها ظلًا لرغبته، تحت مسمى أن تكون الناجية دائمًا وأبدًا. لذلك، لم تكن تميّز بين الحنان والهيمنة، بين الخوف والطاعة، بين الحماية والسيطرة. كل تلك المفاهيم اختلطت داخلها، تشكّلت بصورة أدهم، وانطبعت كالأختام الحارقة على جلد ذاكرتها. والآن، وهو يضمّها، تعود كل تلك الندوب لتلتهب من الداخل، كأن قلبها نفسه يرفض هذا القرب، لكنه لا يعرف كيف يهرب منه. وطفلة الأمس عادت تتقوقع في قفصها الأول، دون مقاومة، دون صراخ... وربما دون إرادة. مرّت لحظات لم تتجاوز الثواني، لكنها بدت كدهرٍ ينوء بثقل الألم، ويغصّ بمرارة الذكريات، قبل أن تسمع صوته ينساب عند أذنها، رخيمًا، بذات النبرة التي كانت تفتك بها وهي طفلة، النبرة التي لم تفقد سلطانها رغم كل ما خَبَرَته بعدها من وجع: _حضنك وحشني أوي يا حبيبتي، كده تغيبي عني كل ده؟ ثم ابتعد قليلًا، وبدأ يتفحّص وجهها بعينين تلمعان بشيءٍ لم تستطع أن تسميه؛ أهو حنان حقيقي؟ أم نشوة نصرٍ؟ أم تلك الشهوة الخبيثة للسيطرة الأبدية؟ مدّ يده يتحسّس شعرها، وتكاد لمسته تحفر في جلدها أثرًا لا يُمحى، وقال بنبرةٍ تتلوّن بالصدق: _أنا عارف إنك مش هتصدقيني... بس من ساعة ما هربتي وأنا بجد زعلان... زعلان أوي... بس في كل الأحوال، مستحيل أزعل منك، إنتِ بنتي حبيبتي، مبحبش ولا هحب حد من عيالي قدك... كانت هاجر لا تزال جامدة، كأن الزمن علق بها. نظراتها مسمّرة في عينيه، لا تحمل سؤالًا ولا رجاءً، فقط تَقشُّر داخلي بطيء، كلماتُه لم تلج إلى قلبها، بل انغرست فيه كالإبر، تفتّق ما حسبته اندمل. وخلفها، وقف إبراهيم يراقب المشهد بصمتٍ متحجّر، وجهه متماسك لا يهتز، لا يبدو فيه ذعر أو خوف، بل نظرة مشحونة بتحدٍّ هادئ، كأن صبره يحرس صمته. رفع أدهم بصره إليه، تبادلا النظرات لحظة، نظرات مشتعلة برمادٍ قديم. ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، كشخصٍ يعرف أنه خسر، لكنه يرفض الاعتراف بذلك. أعاد نظره إلى هاجر وقال: _هو ده اللي حبيتيه واتجوزتيه؟ ده اللي حبيتيه أكتر مني؟ عندها، لم تعد هاجر قادرة على الاحتمال، فتدفّقت الكلمات من فمها كمن يقطع الحبل قبل أن يختنق: _قولي إنت جاي ليه، وأنا هعملك اللي إنت عايزه عشان تسيبني أنا وهو في حالنا. سكت أدهم برهة، وعيناه تتأملانها بصمتٍ أثقل من الكلام، ثم... شُهِد في عينيه انكسار غريب، شيء لم تألفه فيه من قبل، شيء أربكها لوهلة، ثم قال: _أنا مش عايز منك حاجة يا حبيبتي، أنا جيت عشان أتأكد إنك مبسوطة ولا لأ... ودي أهم حاجة عندي، وشكلك بالفعل مبسوطة، خصوصًا بعد ما الواد ده اتجوزك. عقدت حاجبيها، وقد غمرها تعجب مشوب بالارتياب، لكنها لم تقاطعه، فأردف: _لقائنا ده اعتبريه وداع... لأني معتبره كده... _وداع؟ يعني إيه وداع؟ مش فاهمة؟ التزم الصمت... صمت حادّ كالسكاكين، ثم عاد وضمّها إلى صدره، بعناقٍ أطول من سابقه، وأشد صمتًا، ثم قبّلها جبينها قبلة طويلة، وقال: _سلام يا أنوبيس... بس حطي في بالك إني مش ندمان على الطريقة اللي ربيتك بيها... هتيجي الأيام اللي تخليكي تقولي إني كنت على حق... سلام يا حبيبتي. ثم مرّ بجانبها دون أن تلتفت إليه، وتقدم نحو إبراهيم، وألقى عليه نظرة خاطفة بطرف عينه، ثم تجاوزهما، يمضي في طريقه، تاركًا خلفه دوّامة من الحيرة، والغموض، ومشاعر ممزّقة لا يُرجى لها التئام.                             ********* كان نوح واقفًا قبالة مهاب في إحدى الغرف، يتأمّله بنظرة ثابتة، بينما تقف غادة على مقربة تراقبهما في صمت مشوب بالتوتر. كان نوح يلمّع مسدسه بحركات واثقة، وعلى وجهه ابتسامة عريضة تنمّ عن رضا غريب. _جاهز يا مهاب؟ أجابه مهاب بصوت متماسك، وإن لم يخلُ من الارتباك: _جاهز... بس انت ليه فرحان أوي كده؟ ابتسم نوح ابتسامة أكثر اتساعًا، ورفع المسدس ببطء موجّهًا إياه إلى رأس مهاب، ثم قال بنبرة خافتة مشبعة بالشغف: _عشان كان نفسي أعمل فيك كده من يوم ما طلعتلي تحت الدرس. أغمض مهاب عينيه وفي لحظة خاطفة، ضغط الزناد ودوّى صوت الرصاصة واخترقت جمجمته مباشرة، لتُزهق روحه في لحظة خاطفة. ارتطم جسد مهاب بالأرض بعنف، وتحول في طرفة عين إلى جثة هامدة، فيما راحت الدماء الساخنة تتفجّر من رأسه، مرتسمة على الأرض كوشم أحمر ثقيل. وقف نوح في مكانه، وهو يحدق إلى الجثة ببرود وترقب بلا حراك. عندها تقدّمت غادة بسرعة، جثت على ركبتيها بجواره، وجسّت نبضه، ثم رفعت رأسها مؤكدة بصوت خافت أنه فارق الحياة. وفي تلك اللحظة، انبعث صوت رنين مألوف من جهاز الاستنساخ، فقطع صمت الغرفة كصفّارة إنذار مباغتة. هرع نوح وغادة إلى الحجرة المجاورة، حيث الجهاز، وهناك رأياه... مهاب، يخرج من قلب الآلة وهو يلهث بأنفاس متقطعة، قابضًا على رأسه كمن خرج من كابوس حقيقي، والأنين ينساب من بين شفتيه في موجات متقطعة من الألم. شهقت غادة بدهشة وذهول، امتزج فيهما مشاعر الفرح ومذاق النجاح الحلو، فيما اندفع سليم نحوه، يربّت على ظهره بعفوية وحماس، مردّدًا بانفعال: _انت كويس يا بطل؟! كويس؟ أومأ مهاب برأسه ببطء، وعيناه نصف مغمضتين من شدّة الإعياء، ثم قال مبتسمًا رغم وجعه: _أنا كويس... الاختراع نجح الحمد لله أخيرًا، بس دماغي وجعتني أوي... حسّيت بوجع الرصاصة بجد... قالت غادة، وهي تحدّق فيه بقلق طبيبٍ يعرف ما قد تخفيه الأعصاب من عطب خفي: _لو الوجع طول معاك ابقا اعمل أشعة رنين مغناطيسي عشان نتأكد مفيش أي عرض جانبي. اتضح هنا الآن أن الجسد الذي أُجريت عليه التجربة طيلة الشهرين الماضيين كان نسخة مستنسخة من مهاب، وأن اللحظة التي انتظروها طويلاً قد حلّت أخيرًا؛ لحظة إثبات نجاح المشروع، بوفاة النسخة بعد أن تمّ الربط الكامل بين وعي الجسد الأصلي ووعي الجسد المستنسخ. لقد تمّت عملية ربط الوعي بنجاح تام بفضل عبقرية نوح الرياضية، واستُنسخ الجسد البشري بكل ما فيه من تعقيد بفضل عبقرية غادة البيولوجية، ليس فقط على المستوى العضوي، بل على مستوى الإدراك والشعور والتفاعل، حتى إن مهاب الأصلي شعر بألم الموت كما لو كان حقيقيًا، وهو ما يثبت أن وعيه كان قد انتقل بالكامل إلى ذلك الجسد، قبل أن يعود ليستقر مجددًا في أصله عند فنائه. ومع جهود سليم ومهاب التقنية في الاختراع وربط الكيمياء بالفيزياء... نجح المشروع نجاحًا ليس كسائر النجاحات العلمية، بل خطوة تاريخية تقف على تخوم ما كان يُعدّ خيالًا علميًا حتى الأمس القريب. إنّه ليس مجرّد تجربة ناجحة… بل إعلان عن ولادة عهدٍ جديد، يوشك أن يعيد صياغة الحدود الفاصلة بين الإنسان وظله، بين الفناء والبقاء، بين المستحيل والممكن. ما إن انتهت تلك التجربة المفصلية حتى انطلق نوح وغادة في مهمتهما التالية، يحملان في قلبيهما مزيجًا من الحماسة والترقب. كانت وجهتهما هذه المرة إلى دار الأيتام المجهولة التي دوّن أدهم عنوانها في الورقة، إلى جانب اسم "حبيبة"، الاسم الذي بدا كنداء غامض يحمل في طياته شيئًا من الترقب. وخلال الطريق، بلغهما خبرٌ طال انتظاره؛ مصطفى، بعد طول اعتقال، قد نال عفوًا رئاسيًا، وسيعود أخيرًا إلى منزل علا. وقد كان فياض قد رتّب أمرًا جميلاً، استأذن من نوح أن يأخذ ملك من نزهة تتنزهها مع صديقتها، ويتوجّه بها إلى هناك ليقضوا أمسية عائلية دافئة، ليلة تليق برجلٍ عاد من رحلة المنفى القاسي، تستقبله القلوب قبل الأبواب. وفي السيارة، كان الحماس يملأ صوت غادة، تتحدث بشغف يكاد يتفجّر: _كده أنا محتاجة آخد عينة من النخاع بتاعك وبتاع نجلاء وبتاع مصطفى وبتاع عصام وبتاع علا، وبتاع مريم طبعًا دي أهم واحدة... ومين تاني... ضحك نوح وهو يجيبها بسخرية خفيفة: _وانتوا هتصنعوا الأجهزة لكل دول إزاي؟ _معرفش بقى دي شغلانة سليم، يبقى يتصرف هو... بس اللي مجنّني هي كمية الأبموف. _الواد مهاب مقالش يوسف بيجيب الكميات دي منين؟ _لا والله، مقالش، لأنه لسه مبيعرفش أساس مكانهم إيه... بس هو قال لما بيسافر سفرية طويلة جوا مصر، بيرجع بكميات كبيرة منهم. عقد نوح حاجبيه حين انتبه لما قالته، وعاد يسأل بتأكيد: _جوا مصر؟ _آه، هو بيعرفهم سفرياته بتبقى برا مصر ولا جوا، عشان لو احتاجهم في وقت سريع. ساد صمت قصير، غرق خلاله نوح في تفكير عميق، ثم قال بنبرة تنمّ عن يقينٍ ينمو: _أنا حاسس إننا لازم نرجع للبيت اللي في إسكندرية ده، آنية مكتبتهوش ليا عبث... ووجود جثة جدي هناك وأدهم برضه... إحنا لازم نروحه أول ما نلاقي فرصة. _أيوه والله، أنا لسه كنت بفكر في كده... وبيت عيلة عِكرمة اللي إسماعيل قالك عليه. _آه، وده برضه. يبدو أن الشهرين الماضيين شهدا تبادلًا عميقًا بين نوح وإسماعيل حول تاريخ عائلته الملبّد بالغموض، لكن تلك الملفات المؤجلة لم تكن لتُفتح بعد. فقد وصلا أخيرًا إلى بوابة الملجأ، وتوقفت سيارة نوح أمامه. ترجّلا معًا، استعدادًا لاكتشاف ما تخفيه قصة "حبيبة" من ألغاز. وقد يظنّ الناظر لأول وهلة أن اتكاء نوح على عكّازه يكشف مظهر رجلٍ هرم أنهكته الحياة، لا سيّما مع الشعيرات البيضاء التي عادت تزحف على رأسه ولحيته، لكن النظرة العابرة تخدع. فمظهر نوح لم يكن يومًا مرادفًا للوهن أو الانكسار. بل إن خطواته كانت تحمل في طيّاتها شيئًا من التحدي الصامت، كما لو أن العكاز ليس وسيلة دعم، بل شعار يرافقه، يعلن عن مقاومة لا تلين. كان يمشي بعكازه في يده اليسرى، بينما تتحرك ساقه اليسرى بثقلٍ واضح، إلا أن جذعه ظل منتصبًا كجذع شجرة شامخة، وكتفاه العريضان يعلوان بثبات، ونظرته تظل ثابتة، لا تتزحزح ولا تهتز، لا تهرب من الأنظار ولا تنكسر أمامها. كان يسير متكئًا، نعم، لكن قوامه يظل ممشوقًا، وهيبته لا يُنتقص منها. خطواته ليست سريعة، لكنها حازمة، تنبئ عن رجلٍ يقاوم ولا يرغب أن يُجبره الزمن على الانحناء، ولا يأبه بنظرات العابرين. حتى طريقته في دخول الغرف أو الوقوف أمام الآخرين لم تفقد شيئًا من رزانته وهيبته القديمة، المألوفة لكل من عرف نوح. وكان لصوت عكازه على الأرض وقع خاص، إيقاع لا يشبه سواه، كأنه توقيع وجوده، أو صدى عزيمته. _لو سمحت، في واحدة هنا اسمها حبيبة؟ كان السؤال أول ما خرج من فم نوح لحظة دخولهما إلى الدار، إذ أوقف أول موظف صادفهما عند الباب، وقد ارتسم على وجهه القلق والجدية. فأجاب الموظف بسؤالٍ هنا: _حضرتك عايز حد معين؟ _في واحدة هنا اسمها حبيبة بس... مش متذكر اسمها الكامل. _لا والله مفيش واحدة هنا اسمها حبيبة. سكت نوح وقد ارتسمت الحيرة على ملامحه، وتبادل النظرات مع غادة، التي تقدمت بالسؤال: _طب فيه طفلة هنا اسمها حبيبة أو حاجة؟ _آه، فيه. عايزين تشوفوها؟ نظرت غادة إلى نوح تستأذن منه بعينيها، وكأن إحساسًا غامضًا يخبرها أن ما بعد هذه اللحظة لن يكون كما قبلها. وبالرغم من استغراب نوح من احتمال أن تكون حبيبة مجرد طفلة، أومأ برأسه موافقًا وقال: _تمام، ماشي، وريهالنا. انطلقوا جميعًا في ممرات الدار التي سرعان ما كشفت عن حالها البائس، إذ كانت الجدران مهترئة، والهواء يعبق برائحة الرطوبة، والأرضية متّسخة بشكل يدعو للأسى. لا أثر لعناية أو اهتمام، لا بالبيئة ولا بالأرواح الصغيرة التي تسكن المكان. كل شيء يوحي بالإهمال، كأن الزمان نفسه نسي أن يمرّ من هنا. دخلوا إحدى الغرف التي جمعت عددًا من الأطفال متعددي السن، وقد كان البؤس مخيمًا فوق رؤوسهم كظل لا يزول. أشار الموظف إلى رضيعة بعينها، فاقترب منها نوح وغادة يحدّقان فيها، وكانت الصغيرة تبكي بكاءً هيستيريًا، ينهش القلوب ولا يترك مجالًا للتماسك. نظر نوح إليها وقد بدت عليه ملامح الحيرة والارتباك، ثم قال بصوت متهدّج: _أنا مش فاهم حاجة..... قالت غادة، وقد انعكست الحيرة في عينيها هي الأخرى: _هو أبوك خلف تاني ولا إيه؟ التفت نوح إلى المرأة التي بدت كمشرفة أو ممرضة وسألها: _هي دي عمرها كام؟ فأجابته بلا أدنى اكتراث: _شهرين.... وسكتت، كأنما لا ترى في الأمر ما يستحق التوضيح. لتسارع غادة بالسؤل: _عارف هي جاتلكوا إزاي؟ هزّت المرأة رأسها نافية في صمتٍ جاف. فتنحنح نوح وقال وهو يشير إلى الطفلة الباكية: _طب البت بتعيّط أوي... شكلها عايزة ترضع ولا حاجة. قالت المرأة بنبرة ضجر، كأنها اعتادت تبرير الكارثة حتى فقدت القدرة على الاستنكار: _معندناش لبن... ومعندناش فلوس نجيب لبن... بنرضعهم مية، ولو عايز تبلّغ علينا بلّغ. جاء الرد كصفعة على وجهي نوح وغادة، وارتفع صوت صدمتهما معًا: ^^مية؟!^^ تجمّدت النظرة في عيني غادة، وكادت أن تنحدر دموعها وهي تنظر إلى الرضيعة المسكينة وتقول بانكسار: _نوح، إحنا لازم نكفلها... لو فضلت هنا أكتر هتموت! رمقها نوح بنظرة مشوبة بالقلق وقال: _نكفلها إيه يا غادة؟ دي مسؤولية كبيرة أوي أوي أوي، انتِ متخيلة؟ _روحها أهم من المسؤولية يا نوح... حتى البت تتغذى زي العيال الطبيعية، بعدين نبقى نشوف، لو مقدرناش نتحمل مسؤوليتها أكلم سهام، هي بتعتني بالأطفال دي. _سهام مين؟ _دي واحدة من المتطوعين في نبراس، إبراهيم حكالي عنها عشان بتزور نبراس كتير، عرفت إنها مكفلة ييجي خمس أطفال، وتعرف ناس كتير في المجال دا... أكيد لو خليت إبراهيم يكلمها هتساعدنا فيها. سكت نوح برهة، وأعاد نظره إلى الرضيعة التي لا تزال تصرخ من شدة الجوع، وقد رقّ قلبه بشدة، شيء في وجهها المسكين نزع ما تبقّى من حيرته. ثم التفت إلى المرأة وقال: _عايز أكفلها، إيه الإجراءات المطلوبة؟ ردت المرأة بلامبالاة مماثلة: _اطلع اسأل أستاذة نهال برا، أنا معرفش. تنهد نوح ممتعضًا من فجاجة اسلوبها، ثم قال قبل أن يستدير مغادرًا: _أنا هبلّغ عليكوا على فكرة. اكتفت المرأة بإيماءة باردة وهي تقول: _اتفضل، اتفضل.                            ********** بالقرب من ساعة المغيب، تصل السيارة الوفية لصاحبها إلى موقف "نبراس"، بعد أن لازمته في جميع أزماته، حين فقد القريب والبعيد. يترجّل منها عمر، الذي ما إن ينهي دوامه في المصحة حتى يتوجه مباشرة إلى عمله الثاني في "نبراس"، وكأنّ ما به من تعب لا يُقاوم إلا بخدمة من يحتاج. وأثناء سيره بخطاه الهادئة، لمحت عيناه سيارة فارهة المظهر، تنمّ عن ثراءٍ لافت، وبداخلها ثلاثة كلاب ضخمة، جالسة بثباتٍ مهيب يدلّ على تدريبٍ صارم. حينها فقط، أدرك أنها وصلت... فارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، واستأنف طريقه نحوها. في ساحة "نبراس"، لمحها تخرج من أحد المباني، تتحدث مع أحد الموظفين بنبرة هادئة ووجهٍ يفيض حزمًا وودًا. وما إن التقت نظراتهما، حتى استأذنت من الموظف وتقدمت نحوه بخطى واثقة، يعلو وجهها حبور لا يخفى. فبادلها عمر ابتسامةً مشبعة بالسرور، وكأنّه لقي في عينيها وطنًا مؤجل اللقاء. كانت تلك هي سهام... جارته منذ نعومة أظفاره، وحب الطفولة. ها هي اليوم امرأة ذات جمال مصري خالص، ملامحها فرعونية آسرة، يزيّنها حجاب أنيق يعكس رقيّها وبساطتها، وشخصيةٌ رحيمة تحمل اتزان الحكماء، ورهافة الأمهات. رغم ملامحها الوادعة، واتزانها في مداواة كل مسكين مستضعف؛ فهي تحت هذا السكون امرأة تشبه الحرائق. كانت فتاة بسيطة وُلدت في إحدى قرى الصعيد، ولم تكن تملك شيئًا، ولا تعرف من أين يبدأ السعي، لكن كان فيها عناد يُشبه جذور القصب، لا يُرى لكنه يغذّي النبتة حتى تستقيم... فبعد مسيرتها الجامعية فازت بمنحة دراسية إلى إسطنبول، وسافرت برفقة خالها الذي كان له مقدرة على ذلك، سافرت تحمل في حقيبة يدها ثيابًا قليلة، وفي صدرها حلمًا لا يتّسع له الوطن. في تلك المدينة التي تفيض بالحركة والأسواق والوجوه، لم تكن سهام تسعى إلى رفاهية، بل إلى معنى. أكملت دراستها في إدارة الأعمال، وعملت في كل ما يُتاح: نادلة في مطعمٍ عربي، عاملة تنظيف، مندوبة توصيل... لا تخجل من العرق، ولا تأبى من الشقاء. لكنها، وسط كل ذلك، كانت ترقُب شيئًا آخر. عيناها لا تفلتان تفاصيل السوق، ولا أذناها تغفلان عن حديث السيّاح والعابرين. إلى أن لاحظت كيف تُبهر الروائح الشرقية السيّاح الأوروبيين، وكيف يُقبلون على شراء أعشاب وتوابل ومصنوعات يدوية بأسعار باهظة، رغم أن البائعين أنفسهم لا يقدّرون ما يملكون. عندها فقط، أيقنت أن ما يُباع هنا بالرخيص، يُشترى هناك بالغالي... بشرطٍ واحد: أن يُغلّف بالذوق والفكرة والحكاية. من بعدها بدأت صغيرة. طرود ترسلها بالبريد لصديقات في أوروبا: أعشاب نادرة، عطور طبيعية، منسوجات يدوية. ثم بدأت تطلب أكثر، وتبيع أكثر، وتفكر أكثر. لم تكن صانعة للمنتج، بل صانعة للمعنى. صمّمت شعارًا، واختارت اسمًا.. وبدأ مشروعها بالنمو. وفي أحد المعارض، التقت سيدة فرنسية مسلمة أعجبت بفكرتها، وعرضت عليها شراكة لتوريد المنتجات إلى متجرها في مدينة "ليون". وافقت سهام بحدس المُديرات، وأسّستا معًا مشروعًا لوجستيًا بسيطًا. استأجرت مخزنًا، وظّفت فتاةً تُساعدها، وأعادت بعنادٍ صعيديّ نسج خيوط التجارة بين الشرق والغرب، بخيطٍ نسائيّ يرفض الانكسار. واليوم، تمتلك سهام شركات تصدير مسجلة في خمس دول، تدير علامات تجارية لمنتجاتٍ طبيعية شرقية الطابع، وتسوقها بدهاء يُدهش الأوروبيين. وعلى الرغم من زواجٍ لم يدم، وانفصالٍ جاء مبكرًا، قررت أن تُكمل الطريق وحدها، دون أن تجعل العلاقات عائقًا أو محورًا. كذلك لم تنس مصر، بل جعلت من نجاحها جسرًا للمشاركة بأي شيء إيجابي في بلدها، فأسهمت بمالها وجهدها في دعم المستضعفين. إلى جانب ابنها زين من زواجها الأول، قررت أن تُكفِل ثلاثة أطفال: بنتين وولد، أرضعتهم بوعيٍ وإرادة، لتكون لهم أمًا حقيقية لا يُنكرها الدين ولا العرف، أمًا تُثبت أن الأمومة قرار ومسؤولية، لا مجرّد صلة دم. وها هي اليوم في "نبراس"، تتطوع بمالها ووقتها، وتستثمر في هذا المشروع النبيل، وتتواصل مع عمر من جديد، بعدما لم يغادر قلبها ولو للحظة طوال تلك السنين. كانا يجلسان على نحو عابرٍ، جلسة قصيرة تجمع بينهما كما اعتادا؛ حديثًا هادئًا لا يخلو من الألفة المتوارية خلف الحذر. _بلاحظ إن بقالك شهر مبتجيش إلا في وقت الوردية بتاعتي.. حاسس إن الموضوع مش صدفة. ابتسمت سهام في صمت، ثم أجابت بنبرة خافتة تنضح بالثقة: _لا متحسش.. اتأكد إنه مش صدفة. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه عمر، وأشاح ببصره عنها، بينما استمرت هي في التحديق إليه بذلك الإعجاب القديم، إعجاب لم يخفت منذ مراهقتها، وإن بدا على عمر أنه تجاوز تلك المرحلة وخلّف مشاعرها خلف ظهره. لكنها، برغم وعيها بهذا التحول، لم تُجزَع، بل رأته أمرًا طبيعيًّا، لا بل واجبًا، بعدما مرّ به من تحولات وعواصف لا تترك للقلب خيارًا سوى التبدل. أما هي، فقد آثرت أن تحتفظ بمشاعرها طيّ السر، مكتفيةً بعلاقتهما السطحية الراهنة، كمن يكتفي بظل شجرة لا يجرؤ على مطالبتها بالثمار. _مش حاسس بتعب وضغط مع الشغلين المتعبين دول كل يوم؟ صمت عمر برهة عقب سؤالها، الذي أفصح عن قلقٍ خفيّ، ثم قال: _أظن التعب الحقيقي لما أشوف نفسي فاضي... ووحيد...، في حد من المرضى بيشتكوا؟ _لا بالعكس، كل اللي بدأ معاك رحلة علاجه كان بيشكر فيك وفي مستواك المهني. إنت لسه مكمل مع الدكتور النفسي انت كمان صح؟ _آه آه مكمل معاه، والحمد لله حالتي اتحسنت بكتير... الحمد لله... شكرًا إنك رشحتيه... من زمان ما قابلتش دكتور فاهم كده. ابتسمت سهام في امتنان، ثم ساد بينهما صمت طويل، قبل أن يقطع عمر السكون بسؤاله: _لسه بتروحيلهم هناك؟ _آه، بقيت بزور أمي كتير الفترة دي بعد ما أبويا ودّع... تعثّرت الكلمات على شفتيها، وأشاحت ببصرها بعيدًا، وقد عَلا العبوس ملامحها. وحين لاحظ عمر التحول المفاجئ في نبرتها، طأطأ برأسه قليلًا ليرى وجهها بوضوح، وسأل برفق: _إنتِ زعلانة عليه؟ عادت بنظراتها إليه، وهزّت رأسها نافية بشدة: _لا لا لا طبعًا... بس... فكرة إني أروح هناك كتير متعبة شوية... بسمع الجيران وقرايبنا بيقولولي كلام وحش أوي، فكرة إني أكون مطلقة، وحيدة، مع عيال مش عيالي، وغنية، وبشتغل دايمًا... دي حاجة... مجنناهم شوية. أومأ عمر برأسه في تفهم وقال: _آه فاهم... مفيش حل أحسن غير إنك تجيبي أمك معاكي... خلي خالك يقنعها. _أنا ياما أقنعتها أنا وهو... واشتريت لها حتى شقة جميلة في أرقى مكان وصورتها لها وحتى قولتلها تقعد معايا في فيلتي وهي رافضة... هي ماعادتش بتحبني بصراحة، بس... دي أمي برضه، لازم أبقى معاها... ادعي إن قلبها يحن عليا. _ربنا يهديها ويحنن قلبها عليكي. ساد بينهما صمت آخر، طويل وعميق، إلى أن تبسّمت سهام فجأة ونظرت إليه بحماسةٍ صافية: _مش هيعملوا المرماح الأسبوع الجاي؟ ابتسم عمر، وابتسمت معه الذكرى: _يااااه يا سهام... هما لسه بيعملوها؟ _أيوه، أنا لسه بحب أشوفها وأحضرها أوي... وبفتكرك لما كنت بتشارك، وكنت متمكن أوي فيها. _آه، ومحدش كان بيحب يتفرج عليا فاكر آه. ضحكت سهام من أعماقها، وضحك عمر معها، قبل أن تقول: _ما تيجي نروح هناك وتشارك فيها. _عايزاني أنا وإنتِ سوا نروح القرية ويشوفونا؟ يا بنتي أنا بقيت في البلاك ليست، ولا المجرم المطلوب عندهم... فوق كده هما مش طايقينك... لو رحنا أنا وإنتِ هناك، هيقيموا علينا حد الردة! تبادلا الضحك مجددًا، في أجواء خفيفة، عذبة، ترطّب ما بينهما من حزن ساكن، حتى خيّم السكون ثانية. ثم قطع عمر الصمت بسؤال: _ندمانة على كده؟ _لا خالص... وإنت؟ _لا طبعًا. تبسمت سهام بخفوتٍ ثم قالت: _كانت فيه وصية للإمام مالك قالها للإمام الشافعي بيقول فيها: "لا تسكن القرى فيذهب علمك، من أراد العلا هجر القرى". ابتسم عمر وأومأ برأسه موافقًا، وإذا بالطبيب النفسي الذي سيبدّله في الوردية يخرج من المبنى، فنهضت سهام قائلة: _واضح إن ورديتك بدأت... عن إذنك. شعر عمر بضيقٍ خفيّ لمجرد فكرة أنها ستغادر، فنهض مودّعًا، ثم قال: _ابقي اتواصلي معايا دايمًا يا سهام في حالة لو ماقدرتيش تيجي... أو اديني أي عنوان لشركة ليكي أو مكان بتقعدي فيه عشان أزورك أنا بدل ما بتزوريني دايمًا. سكتت سهام للحظة، بدا خلالها عليها التوتر، ثم أجابت: _لو حابب ماشي... أنا بس مش عايزة أضغط عليك في حاجة. _أنا عارف شعورك... أنا عارف إنك بتحسي من ناحيتي إني مش طايقك مثلًا أو كده بس... إنتِ عارفة الواحد ما بقاش قادر يطلع أي مشاعر... الحوار ده نافعني في شغلي أوي، بس أنا عارف إنه مش هينفعني في علاقاتي، بس... وحين لاحظت سهام صعوبة تفوهه بالكلمات، اقتربت منه خطوة، وقالت بنبرة حانية، مطمئنة: _مش محتاج تبررلي يا حبيب... ق.. قصدي يا عمر، أنا عارفة، ولو كنت فاهماك غلط من الأول، كنت مش هقابلك تاني بعد المقابلة الأولى. بس أنا فاهماك، ومراعية إن الإنسان أكيد لازم يتغير بعد كل اللي مريت بيه... فكرة تجنبي لأني أتواصل معاك أكتر هي عشان انشغالك الدايم بس... إنما لو محتاج، فدي حاجة تسعدني جدًا. تبسم عمر في امتنان، كذلك بادلته الابتسامة ذاتها وبادلها النظرات... التي لم تكن مجرد نظرات، بل كانت أشبه بنداء خافت من قلبٍ إلى قلب، نداءٍ يعبر تلك المسافة الغامضة بين الحنين والغربة، بين ما كان وما لم يكن. بعدها تنفّست سهام ببطء، كأنها تبتلع شيئًا ثقيلًا استقر في صدرها، ثم سلّمت عليه وأشاحت بنظرها في هدوء، وابتسمت ابتسامة خفيفة خالية من الادّعاء، لكنها ممتلئة بما لا يُقال. رفعت حقيبتها الصغيرة برشاقة معتادة، وهمّت بالانصراف. أما عمر فقد تابعها بعينين مضمومتين، وكأن بقايا الحديث ما زالت تتردد في رأسه، أو كأنه يشعر أن شيئًا ما فيها يتسرب منه دون أن يوقفه.                            ********* بالقرب من موعد العشاء، كانت ملك تتنزه مع صديقتها... أو من زعمت لفياض أنها صديقتها، في حين أن الحقيقة تخفي وجهًا آخر؛ فقد كانت تتنزه مع طه، الشاب الذي تعرفت عليه قبل شهرين في إحدى دروسها، ونشأ بينهما إعجاب صامت، لم يصل إلى مسامع فياض بعد. وما لم تكن ملك تدريه، هو أن "طه" لم يكن سوى رفاييل ذاته، وقد نجح بدهاء في الاقتراب منها، مستغلًا انفتاحها الأخير على عائلة نوح. كانت ملك مأخوذة بهيئة رفاييل المميزة: بشرته البيضاء النقية، شعره الأبيض، وعيناه اللتان تأرجحتا بين زرقةٍ باهتة وظلال بنفسجية تميل إلى الحمرة. أُعجبت بلهجته المصرية الضعيفة، كما راقها أن يكون "طه" كما قدّم نفسه، ليس مصريًا خالصًا. لم تكن العلاقة بينهما قد اكتسبت عمقًا بعد، لكنها كانت قائمة، قائمة بما يكفي لتُبقي احتمالات التطور مفتوحة. وهكذا، جلسا سويًا على أحد المقاهي يتبادلان الحديث، والكلمات تتدفق بينهما بسلاسة تشي بما لا يُقال. _يعني دلوقتي يا طه، انت متقدرش تطلع في الشمس خالص؟ _لا، أكيد بخرج، بس لما بخرج شكلي بيبقى زي الجواسيس. ببقى لازم ألبس لبس بأكمام طويلة، وممكن آخد معايا شمسية، وفوق الطاقية اللي بلبسها نضارة شمس طبية، ووجع دماغ كبير أوي. حتى الصن سكرين اللي بحطه نوع خاص، عشان كده غالي أوي أوي... _ربنا معاك يا رب... مش قادرة أتخيل كنت عامل إزاي لما كنت بتروح المدارس. عندها، التقط رفاييل خيطًا آخر من الحديث، وقد علقت عيناه بالحقيبة الخاصة بها. بدا له أنه يعرفها جيدًا، لكنه أراد أن يُثبت ظنه، فسألها: _حلوة أوي الشنطة دي، جايباها منين؟ _بجد حلوة؟ _آه جدًا، شكلها جديد ونوعها حلو. أضاءت ابتسامة فخورة وجه ملك، وردّت بسرور: _أصل فيه واحدة مش عارفة يابانية ولا صينية أخدت شقة عندنا في العمارة، وبقت تبيع حاجات من شي إن من غير فلوس جمارك والجو ده، وبقيت أجيب منها دايمًا. بجد الهدوم اللي بتبيعها والشنط والأجهزة وكل حاجة حلوين أوي أوي وبأسعار حلوة. تظاهر رفاييل بدهشة حقيقية وهو يسأل: _بتطلعلها الشقة عادي لوحدك؟ _لا، بابا بيطلع معايا عشان هو مبيثقش في الناس. وعادي، شقتها في العمارة، واتعرفت إنها خاصة للجيران، وبقينا عارفين نزورها إمتى ومنزورهاش إمتى. ساد لحظة من الصمت، ثم اعتدلت ملك في جلستها قليلًا، وكأن الحديث القادم يحتاج إلى مساحةٍ من القرب، فقالت بنبرة بها شك: _بس بيني وبينك يا طه... بحس إن عينها على أبويا، معرفش ليه. اعتدل رفاييل بدوره، وقد تظاهر بالدهشة، وهو يسأل بنبرةٍ مستفهمة تحمل فضولًا هادئًا: _فعلاً؟ إزاي؟ _لما نجيلها، بتبقى بتبصله بصات كده غريبة، وساعات كتير بيشتكيلي إنها بتخبط عليه وبتكلمه وقت ما أنا مببقاش موجودة، وبيبقى عندها رغبة إنها تخش وتقعد، بس بابا بيصدها. نظر إليها رفاييل مطولًا، ثم سأل: _وانتِ رأيك إيه في الموضوع ده؟ هزت ملك كتفيها بتردد، وقالت: _والله ما أعرف.. أنا حابة الست بصراحة، وهي قالتلي إنها كبيرة في الأربعينات كده، بس شكلها وطريقتها في الكلام معايا كانت كأنها شابة صغيرة، كأني قاعدة مع صاحبتي، ودي حاجة حلوة... وهي يا حرام وحيدة، فيمكن نفسها يبقى عندها صحاب مثلًا. صمت رفاييل لحظة، ينظر في عينيها بنظرةٍ يصعب فكّ شيفرتها، ثم قال: _مش يمكن عايزة تتجوز أبوكي؟ عقدت ملك حاجبيها فورًا، وكأنّ الفكرة باغتتها في صميمها، ثم قالت بنبرة قاطعة: _لا طبعًا، مش للدرجة دي! وفي تلك اللحظة، اقتربت سيارة نوح ببطء في طريق المقهى، كانت غادة تجلس بجوار نوح، الذي أبطأ من سرعته وهو يلمح ملك جالسة على الطاولة، تقابل شابًا غريبًا. توقفت السيارة قرب الرصيف، وألقى نوح نظرةً طويلة على الثنائي، فارتسمت على وجهه علامات الحيرة والريبة، ثم التفت إلى غادة وقال، وعيناه لا تزالان معلّقتين على المشهد: _مين ده؟ مش قالت إنها نازلة مع صاحبتها؟ قالت غادة، وابتسامة خفيفة تعبث بشفتيها: _شكلنا هنعيش دراما مراهقين قريب. ثم أخرجت هاتفها لتجري اتصالًا بها، فيما كانت عينا نوح ما تزالان معلقتين على رفاييل، تحدّقان فيه بجمود. كان ثمة شعور ينهش ذاكرته؛ إحساس غامض بأن ملامحه مألوفة حد الإزعاج، كأنه التقى به من قبل في زمن غامض أو مكان منسي، لكنه عجز تمامًا عن تذكُّر متى وأين... وذلك العجز تحديدًا كان يربكه ويثير قلقه. _ألو يا ملك، إزيك يا حبيبتي. _أيوة يا غادة، الحمد لله. _بقولك إحنا رايحين لبيت علا عشان باباكي هناك، وعايزك هناك دلوقتي عشان مصطفى رجع وهنقعد كلنا سوا كده. ساد الصمت طرف المكالمة الآخر لحظة قصيرة، بدت فيها ملامح ملك متحفظة بعض الشيء، وكأن في الأمر ما لا يروق لها. لكنها كانت فتاة نشأت على قدرٍ عالٍ من التهذيب واللباقة؛ لم تسمح لاستيائها بالظهور، ولم تفتح بابًا للاعتراض. كل ما فعلته أنها ابتسمت، وقالت بهدوء: _تمام، حمد لله على سلامته والله.. طب أروح إمتى؟ أقوم دلوقتي؟ _آه يا حبيبتي، بس هو باباكي قالنا نجيلك أنا ونوح بالعربية، لأن كده كده كنا برا، فإحنا وصلنا عند الكافيه اللي قالنا عليه، اهو لفي وهتلاقينا واقفين. في تلك اللحظة، شعرت ملك بالورطة، والحرج لكنها كبحته بشيء من التماسك الظاهري، ثم التفتت برأسها لترى بعينها السيارة المركونة على جانب الطريق، وفي داخلها نوح وغادة، والأخيرة تلوّح لها بحماس. في المقابل، كان رفاييل يراقب ما يحدث بصمت، وحين لاحظ اتجاه نظر ملك نحو نوح ونظر له هو أيضًا، ارتبك بدوره وانحنى برأسه محاولًا إخفاء وجهه. وكانت تلك الحركة، في حد ذاتها، بمثابة شرارة زادت من شكوك نوح، بل وأشعلت داخله نيران الريبة أكثر. ودّعت ملك رفاييل سريعًا، وأمسكت بحقيبتها، ثم اتجهت إلى السيارة ودخلت، وألقت التحية على من فيها. هنا، انبعث صوت نوح بنبرة معينة لا تخلو من استعلاء الأستاذ المتعالِم، تلك النبرة التي طالما لجأ إليها في لحظات التوبيخ: _أنا مش عارف الغباء اللي انتِ فيه ده... معرفة أبوكي على اسم الكافيه وعنوانه، وفي الآخر تقعدي مع واحد في ديت وانتِ قايلاله إنك خارجة مع صاحبتك؟ طب كنتِ تكملي الكدبة وتقولي مكان مزيف... همست ملك، وقد بدت ملامحها ممتعضة، تخفي غضبًا مغلفًا بالتحفّظ: _ده مش ديت... لكن غادة لم تترك الأمور تنزلق نحو مشادة، فاكتفت بإشارة خفية نحو نوح تطلب منه التوقف عن الجدال والمضي قدمًا، فاستجاب صامتًا؛ لم يكن مهتمًا حقًا بالجدل ولا بالموضوع كله من الأساس، فاستدار بعينيه إلى الطريق، وانطلقت السيارة نحو منزل علا، حيث كان اللقاء المنتظر. ثم انطلقت السيارة في طريقها نحو منزل علا، حيث كانت تنتظرهم لحظة اللقاء... لقاء عائلةٍ منكسرة جُمع شتاتها كما يُجمع فتات الزجاج بغراءٍ اسمه مصطفى.                               ********* مصطفى الآن جالس في زنزانته؛ تلك التي جلس فيها، وفي غيرها مما يشبهها، خلال هذه السنة، أكثرَ مما جلس مع ابنته. كان رئيس الأركان قد وعده بألّا يتعرّض له أحد، وهذا ما حدث بالفعل، لكن مقابل ذلك... جُوِّع حتى كاد يهلك. كانوا يكتفون بإعطائه ثلاث وجبات فقط في الأسبوع، واستمرّ ذلك لشهرين كاملين. وتلك ليست سوى نقطةٍ في بحر الإذلال والقمع الذي مُورس عليه. كلّ شيء كان مباحًا... إلا ضربه وتعذيبه. كان مصطفى يجلس على الأرض الصلبة، ظهره مستند إلى الجدار البارد، ولم يكن في الزنزانة سوى نافذة ضيّقة أعلى الحائط، تنزف ضوءًا شاحبًا في خطٍ مستقيم، لا يكاد يبلغ أطرافه. كان ضوء النهار كأنما يحاول أن يعتذر عن حضوره الخجول في ركنٍ منسيٍّ من العالم، حيث العدل منفيّ، والكرامة مصلوبة على أبواب السلطة. عيناه، اللتان ظلّتا نافذتين على العالم حتى في أحلك اللحظات، بدا فيهما شيء من الخمول، لا موتًا ولا حياة، بل سكينة المؤمن إذا طال به الخلوة، سكينة من ذاق مراراتِ الصبر حتى بات مذاقه ماءً معتادًا في فمه. لم يكن غاضبًا، ولم يكن ساخطًا، بل كأنه انكفأ على نفسه، يعجن الألم بالعزيمة، وينسج من الجوع صلاةً، ومن الظلم مناجاة. ثلاث وجباتٍ في الأسبوع... لم يكن يتذكر آخر مرة أكل فيها حتى الشبع، لكنه لم يكن يعدُّ ذلك ابتلاءه الأشد؛ فقد اعتاد أن يُترك جانبًا، أن يُنسى عمدًا، أن يُهمَّش وهو في عزّ القيادة، فكيف بزنزانة؟ كان يعرف أن هذا الجوع عقوبة مستترة منهم، لا تُصنَّف تعذيبًا في التقارير، ولا تُوقظ ضميرًا دوليًّا نائمًا. ومع ذلك، لم يشكُ، ولم يتسوّل الرحمة ممّن سلبها. كلّ شيءٍ إلا الضرب... وعد التزم به الضباط ووفَوا به، لكنهم نزعوا عنه وجوده بطريقةٍ أخرى، بطريقةٍ أبطأ، أكثر فتكًا: صمت، عزلة، جوع، تجاهل. وكأنهم أرادوا أن ينزعوا اسمه من جسده. إلا أنه ظلّ مصطفى، كما هو، في صمته هيبة، وفي ضعفه ثبات، وفي وحدته دولة. لم يكن يعلم أن قراراتهم بدأت تتشقّق في الخفاء، وأن الأوراق التي ستحرّره قد وُقِّعت، وأن خطواتِ الحرية بدأت تهتزّ في الممر، تقترب من بوابة زنزانته. كان جالسًا هناك، يردد في سرّه شيئًا من القرآن والأذكار وجوامع الدعاء، بينما في الخارج، جندي يتجه إلى الزنزانة، وهو يرتّب مفاتيحه استعدادًا لتحرير مصطفى. لم يكن يدري أن بعد دقائقَ قليلة، ستُفتح الزنزانة، وسيناديه أحدهم باسمه... لا برقم، ولا بلقب، بل باسمه الذي جاهدوا لطمسه. وسينهض، لا بعصبية، بل بثقل الحكيم، وسيمشي نحو الشمس، لا لأنه نجا، بل لأن الله قدّر له أن ينهض دائمًا. وها هو ذا باب الزنزانة يُفتح ببطء، ليظهر من خلفه وجه مصطفى، ينظر بعينين جامدتين، لا حياة فيهما، نحو القادم، بحركة رتيبة كأنما انتُزعت منه الإرادة. حتى إذا تبيّن ملامح الجندي، وجده... عماد. رفع مصطفى عينيه إليه بنظرة خافتة، باردة، عصيّة على التأويل، بينما كانت نظرات عماد تفيض باللين الشفيف، مشوبٍ بالندم والرجاء والذنب، كأن كلَّ ما في صدره قد انسكب في عينيه. اقترب عماد بخطًى متردّدة، وجثا أمام مصطفى، وكأنّ قلبه يثقل خطواته. _ازيك يا أبو مريم... جاء رد مصطفى بنبرة جامدة كصقيع الليل: _الحمدلله.. ابتسم عماد، ابتسامة مغلولة بنظرة حسرة، تفضح ما يعتمل في داخله من ألمٍ على ما آل إليه حال مصطفى، ثم قال: _تعرف إنك أخدت عفو رئاسي؟ لم يُجِب مصطفى، بل اكتفى بابتسامة واهنة، شفيفة كالدعاء، حمد الله بعدها بصوت لم يُسمع، بل رُئي على شفتيه فقط. عندها واصل عماد حديثه، كأنما يحاول تفريغ ثقلٍ يعصر قلبه منذ زمن: _أنا مسمحتش لحد ياخدك لحد بيت أخت حضرتك غيري... أنا... أنا عايزك تسامحني يا شيخ مصطفى، بالله عليك سامحني. انت مش متخيّل حبي ليك... أنا كنت مجبور... كانت أوامر، ومكانش في إيدي إني أرفضها... اعذرني في دا أرجوك. ظلّ مصطفى على صمته المُطبِق، كأن الكلمات لا مكان لها في صدره المنهك، والرد اصبح عبئًا آخر ينوء به كيانه المستنزف. وقد أدرك عماد ذلك، وأدرك ما بلغ إليه مصطفى من إنهاكٍ جسديٍّ ونفسيٍّ بالغ، فعفّ عن الكلام، وراح يراعي صمته كمن يراعي جُرحًا لا يجوز لمسه. ثم نهض عماد، ومدّ يده ليساعد مصطفى على الوقوف، في صمتٍ مهيب.. وفي سيارةٍ تقودها يدُ عماد المرتجفة، انطلقت الرحلة بصمتٍ ثقيل نحو منزل علا، بينما جلس مصطفى إلى جواره، يُحدّق في النافذة، كأنما يحاول أن يتجاوز الزجاج، لينفذ إلى عالمٍ أبعد من كل ما تركه خلفه. كان وجهه ساكنًا كجبلٍ ناءٍ، شاحبًا كأنما لم يتبقَّ فيه لون سوى الذكر، وشفاهُه تتحرك في صمت، تردد الأذكار والتسابيح فهما الحبل الأخير الذي يتشبّث به قلبه من أن يسقط في هاوية الألم. مرت ساعة كاملة، والصمت يملأ السيارة، إلا من صوت المحرك وتنهيدات لا تُسمع. ثم فجأة، شقّ صوت مصطفى السكون بتلاوته لآيةٍ قرآنية، جاءت كنصلٍ مباغت: _{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} التفت عماد إليه، وقد انتبه لصوت القرآن الذي خضّ كيانه، وإذا بمصطفى يردف بنبرةٍ متماسكة، وملامح لم تخلُ من ذلك الحزن الذي يحمل في عمقه يقينًا لا يُزعزع: _ابن تيمية لما جاله الجلّاد في سجنه في دمشق وقال له:"اغفر لي يا شيخنا فأنا مأمور."، فقال له ابن تيمية: "والله لولاك ما ظلموا!"...... والإمام سفيان الثوري لما جاله خيّاط يسأله:"إني رجل أخيط ثياب السلطان، هل أكون من أعوان الظلمة؟"، فقال له سفيان:"بل أنت من الظلمة أنفسهم، ولكن أعوان الظلمة من يبيع منك الإبرة والخيوط."...... ولما اتسجن أحمد بن حنبل، جه السجّان يسأله: "يا أبا عبد الله، هل الحديث الذي رُوي في الظلمة وأعوانهم صحيح؟"، فقال الإمام أحمد: "نعم"، قال السجّان: "فأنا من أعوان الظلمة؟" فقال الإمام أحمد: "أعوان الظلمة من يأخذ شعرك، ويغسل ثوبك، ويصلح طعامك، ويبيع ويشتري منك، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم." انهمرت الكلمات من مصطفى كالسياط، لا عنفًا، بل صدقًا، وجعلت وجه عماد يتبدل شيئًا فشيئًا، كأن كلّ جملة ترجرج في قلبه جدارًا قديمًا، حتى أوشك أن ينهار بين يديه، قهرًا وتحسرًا، وهو يحاول جاهدًا كبح دموعٍ لا يجرؤ على إطلاقها. ثم التفت إليه مصطفى، وبنظرةً عميقة، لا ارتجاف فيها، وقال بهدوءٍ يقطع من الحناجر ما لا تقطعه الصرخات: _لو مفكّر إن ربنا هيراعيك في عملك دا لأنك مغصوب، فتبقى غلطان... انت ظالم زيك زيهم... وأنا مبسامحش الظالمين...، بس لعلّ الله يجعل من مسامحتي ليك هو دافع ليك إنك تسلك طريق الحق وتسيب الطريق اللي انت فيه دا... عشان كده، أنا مسامحك يا عماد. قالها مصطفى، لا عن ضعف، بل عن قوّة من اختبر الألم، وعرف أن الغفران حين يأتي من مجروح، فإن له صوتًا أقوى من اللعن، وأبلغ من الانتقام. ومضت السيارة في طريقها، تشقّ عتمة الطريق كما يشقّ الأمل ظلمة القلب. وعلى الرغم من آثار السجن التي لا تزال مرتسمة على وجه مصطفى، كالنقش العميق في الحجر، إلا أن عينيه كانتا تشعّان بضياء مختلف... ضياء الحرية. كان قلبه يخفق بشوقٍ حار، يسبق عجلات السيارة إلى الباب الذي طالما تاق لأن يُفتح على وجه ابنته مريم، وهي تهرع إليه، تحتضنه بذراعيها الصغيرتين تردّ له عمرًا ضاع. كانت لهفته إلى رؤية نجلاء، تلك المرأة التي شاركته كل ما مضى من وجع، تتفجر في صدره كشلالٍ عذبٍ بعد قحطٍ طويل، وكان يتخيّل نفسه بين أسرته، لا كرمزٍ مكسور، ولا كبطلٍ منسي، بل كأبٍ طبيعي، كزوجٍ طبيعي، كإنسانٍ يُجالس من يحب، يضحك، يربّي، ويسير في الأسواق دون قيود. ورغم كل ما أُخذ منه، لم يكن في قلبه مكان للندم. لم يندم على لحظةٍ وقف فيها في وجه الظلم، ولا على كلمةٍ قالها في وجه الطغيان، ولا على ليلةٍ قضاها في الزنزانة. بل كان يشعر، وهو يخرج من السجن، أن المعركة لم تنتهِ، وأن ما فعله كان البداية فقط. إنه الآن أكثر ثباتًا، أكثر وعيًا، أكثر تصميمًا على أن يكون شوكةً في حلق الباطل، ومرآةً ناصعةً تُظهر الحقيقة، مهما تكالبت عليها الأوهام. سيحيا بينهم كأب، وكزوج، ومعها سيظل أيضًا، ذلك الرجل الذي آمن أن السكوت عن الظلم خيانة، وأن المهادنة ضياع، وأن الحق لا يُستردّ إلا إذا وقف له أهله. لقد خرج مصطفى من سجنه... لكن قلبه لا يعرف الراحة، ما دام هناك مظلومٌ يئنّ، وحقّ يُدفن.                            ********** في زاوية مكتب التحقيقات، جلس عصام بين رفوف مكتبته المزدحمة، وأمامه رجل تبدو عليه أمارات القلق والانكسار، يشكو إليه اختفاء ابنته وقصة من هذا القبيل، تشبه كثيرًا تلك الحكايات التي اعتاد عصام أن يسمعها، لكنه لم يعد يتعامل معها باعتبارها مجرد شكاوى عابرة، بل مفاتيح لألغازٍ تُفضي غالبًا إلى حقائق دامغة. وما لا يعلمه كثيرون أن عصام، بمكتب تحقيقاته هذا، قد أسهم في حل قضايا معقدة استعصت على أجهزة الشرطة، بل كان دليلًا لهم في التوصل إلى قضايا خفية مطمورة في الظل، كان من المستحيل أن يصلوا لها، ولا يملك أن يراها أو يتنبّه لوجودها أحد سواه. وبينما كان يُدوّن التفاصيل بعناية بعد انصراف الرجل، رنّ هاتفه الموضوع إلى جانبه، فالتفت إليه ليرى المتصل فياض. التقط الهاتف وأجابه، وبعد تبادل السلام، قال فياض: _إنت فاضي دلوقتي يا حبيبي؟ _لا بصراحة، بس ممكن أفضّي نفسي عادي. _أصل مصطفى هيرجع على بيت علا، وهي عايزانا كلنا هناك. اعتدل عصام في جلسته وقد تلبّسته مشاعر مزيجة من الذهول والفرح، وسأل بنبرة لا تخلو من الترقب: _بجد؟ عادي أجيلها فعلًا؟ _أيوه يا حبيبي، تعالى. حتى قالتلي عليك بالاسم... يلا، اجهز بقى عشان مصطفى زمانه قرب. ابتسم عصام في رضا وحبور، وقد انفرجت أساريره كأن قلبه استنشق نفسًا طويلًا من السعادة المنتظرة: _حاضر حاضر، هخلّص اللي في إيدي وهقوم أهو. وما إن أنهى المكالمة وأغلق الخط، حتى اخترق أذنيه صوت صراخٍ مفاجئ في الخارج، صادر من مجموعة من الزبائن، تبعته أصوات ركضٍ مسعور، وبلبلةٍ تسارعت كأن شيئًا جللًا قد وقع. لم يُتح له الوقت الكافي ليستغرب أو ينهض ليستطلع الأمر؛ ففي ذات اللحظة، انفتح باب المكتب ببطءٍ شديد، وتقدم الداخل بخطى واثقة، هادئة، لكنها تحمل في طياتها ما يكفي لإثارة الذعر في القلوب. لقد كان أدهم... وساد سكون ثقيل، كأن الزمن نفسه قد توقف على عتبة تلك اللحظة... ووقف عصام في مكانه، متسمّرًا، لا ينبس بحرف، وقد تجمّدت عضلات وجهه بين دهشةٍ حادة وحذرٍ غريزي، كأن جسده أدرك خطر الموقف قبل أن يستوعبه عقله. ووقف أدهم ببساطة لا تخلو من التهديد، ملامحه ساكنة، ساكنة حدّ القلق، وعيناه لا تزيغان عن نظرةٍ ثابتة غائرة، تحمل ألف معنى ولا تبوح بشيء. كأن وجهه لوحة نُسجت بدقّة كي لا تفضح ما وراءها. لا غضب، لا استغراب، لا تحية، فقط... حضور كثيف، يطغى على الهواء، ويختزل في صمته عواصف كاملة. عصام لم يتحرّك، ولم يرفع يده إلى شيء، بل بقي كما هو، تحدّق عيناه في وجه الرجل، كأنما يحاول التنبؤ بما لا يُتنبأ به، وأحسّ أن شيئًا في داخله ينتفض، لا لأنه خائف، بل لأنه لا يملك تفسيرًا لمجيء كهذا، ولا توقيتٍ كهذا، ولا نظرةٍ لا تشبه إلا الصقيع. لحظة واحدة، امتدّت كالدهر، وقف فيها الرجلان قبالة بعضهما، لا يفصل بينهما إلا طاولة، ولا يجمع بينهما إلا ماضٍ لم ينطفئ بعد. ولا شيء... لا شيء على الإطلاق في وجه أدهم، سوى ثباتٍ لا يتزعزع، كأن قدومه لم يكن زيارة، بل حكمًا أزليًا... قد حان أوانه. وأخيرًا، نطق عصام، بصوت متحفّظ، يحمل في طياته حذرًا متيقظًا، وتبرُّمًا لا تخطئه الأذن: _عايز إيه؟ لم يرد أدهم على الفور، بل تفرّس في ملامح عصام كأنّه يقرأ فيها بقايا زمنٍ غابر، ثم قال بثباتٍ لا يخلو من عبثٍ هادئ: _معندكش كلبشات؟ انعقد حاجبا عصام بدهشة ممزوجة بالسخرية، وسرعان ما بدّل توتره المعتاد برداء نبرته التهكمية التي يلجأ إليها حين تضيق عليه زوايا الفهم: _نعم يا خويا؟ ليه، خلصوا من عندك في الريد مونكي؟ ظهرت على وجه أدهم ابتسامة باهتة، خالية من اللهو، تحمل شيئًا من الغرابة التي لا تعرف لها أصلًا، وقال بصوت متزن كأنه يعلن حقيقة لا تستدعي الشرح: _هو إنت مش حلم حياتك إنك تقبض عليا؟ اشتدت القطبة في جبين عصام، واشتد عبوس وجهه، إذ لم يفهم إن كان ما يسمعه فخًّا جديدًا يُنصب له بدهاء، ثم قال بحدّةٍ يلفّها الارتباك: _وبعدين؟ عايز إيه برضو؟ ساد السكون مجددًا، لكن هذه المرة، كان مختلفًا. تأمل أدهم المكان بعينيه للحظة، دون أن يتحرك من موضعه، وكأنّه ينظر إلى فراغٍ أبعد من الجدران، ثم عاد ببصره نحو عصام، وقال بصوت هادئ، جاد، خالٍ من الانفعال، لم ترتجف فيه نبرة، ولم تهتز فيه قسمه: _عايز أسلّم نفسي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة