١٩ خبر جعل الشعب المصري في غضب وحسرة شديدة، فبعد بيع بعض محافظات مصر لليهود ولدولة عربية تشبهها، تم تسريح الكثير من عمال المصانع التي تم بيعها في هذه المحافظات وتسريح بعض من موظفي الشركات لاستبدالهم بروبوتات أو عمال غير مصريين. وصلت الروبوتات إلى مصر بشكل محدود، وستكون مكانها الأول المصانع والشركات التي تم بيعها للمستعمر. وأصبح ٣٥٪ من رجال مصر عاطلين عن العمل ولا يوجد لديهم أي مصدر دخل، وكأنها خطة شيطانية لتدمير مصر. في يوم إصدار هذا الخبر، كانت أنوبيس تسير عائدة إلى منزل ديميت بيدها الطعام ومستلزمات المنزل. _يعني إيه؟؟ هنعمل إيه؟؟ هنأكل عيالنا إزاي؟؟ _تعالى نبيعهم... صدقني هما هيروحوا مكان أحسن من الجحيم اللي عايشين فيه. _لا، لا مستحيل أبيع عيالي، مستحيل... حتى لو هيروحوا الجنة ماقدرش يا سيد... اللي بيتباع بيروح ومبيرجعش ومبنعرفش له خبر... وأنا مستحيل أعمل كده. توقفت أنوبيس عند إحدى المقاهي الخاصة بالرجال (القهوة)... كان جميعهم جالسين، والحسرة والقلق والحزن تعلو ملامحهم المتعبة الذي يظهر عليها الزمن والاجهاد، شعروا أن هذه هي نهاية العالم... فكل رجل منهم يتخذ عمله كمصدر للحياة له ولمن حوله مثل الأكسجين... ولكن الآن انقطع الأكسجين عنه وعن أهله وأطفاله... كيف يتصرف؟ أين يذهب؟ ماذا سيقول لأطفاله حين يروا عجزه عن تلبية أبسط أمنياتهم؟ انه حقا كابوس كل رجل. كانت أنوبيس واقفة تستمع لكل رجل وحديثه مع الآخر، وهنا سمعت رجالًا آخرين يقولون: _أنا جاتلي فكرة أني أبيع نفسي والله... بس مراتي رافضة ومتمسكة بيا... هي شايفة الدنيا عالم سمسم وهي مش عارفة المصيبة اللي فيها. _يا بختك يا عم مراتك متمسكة بيك... دا أنا مراتي بتهددني أنها هتبيعني... وأنا مش عايز أتباع... قال ثالثهم: _مش عايز تتباع ليه يا راجل أنت؟ دول هيسفروك ببلاش وهيدوا لاهلك فلوس ولا يحلموا بيها ووقتها يقدروا يروحوا للعلمين او العاصمة الجديدة ويتبسطوا هناك زي بقية الشعب، إيه اللي مانعك؟ الغربة؟ خايف تتغرب؟ أنت هتروح مكان أحسن وهتشتغل شغلانة أحسن من القرف اللي إحنا فيه دا، أنا قررت خلاص أني هبيع نفسي... واتفقت مع مراتي واخواتي عشان يمضوا ويوافقوا على البيعة. _هو شرط البيع إيه؟ _أربعة من عيلتك يمضوا على موافقة... بس كده. قال رجل رابع: _يعني أنت متأكد أن اللي بيتباع ما بيحصلوش حاجة؟ أنا مراتي مسممة بدني بكلامها الوسخ... ودائمًا بتقولي بيع نفسك بيع نفسك وأنا مش قادر أعمل الخطوة دي... مش قادر. _لا أقدر... أقدر ولما تبقى تسافر أبقى أتجوزلك واحدة أحلى منها يا عم. كانت انوبيس تستمع لكل هذا بصدمة وفمها مفتوح من حديثهم عن هذا الامر وكانه عادي، لم تتحمل وتدخلت قائلة بغضب: _أنتم بتقولوا إيه؟؟؟ نظروا إليها جميع من في المقهى، وعادت وهي تقول: _محدش يبيع نفسه... واللي مراته تقوله بيع نفسك وتجبره على كده يضربها قلمين ويسكتها، اللي بيتباع ما بيسافرش يتفسح ولا بيشتغل... اللي بيتباع بيكون عبد وبيتعذب وبيستغلوه أسوأ استغلال... مين المتخلف اللي أقنعكوا أنها سفرية ببلاش؟؟ محدش يبيع نفسه ولا حد يبيع ولاده ولا بناته... أرجوكم محدش يعمل كده لأن هما دا اللي عايزينه عشان يستغلوكوا ويستعبدوكوا.... وبعدها سارت وهي غاضبة بشدة وذهبت وتركتهم. ****** عادت أنوبيس إلى بيت ديميت واكتشفت أن سليم موجود يحدث أمه. _إيه دا، أنت سايب البنات؟ _بقولك إيه، أنا أمي وحشتني ومقدرتش أبعد عنها أكتر من كده... روحي أنت اقعدي معاهم بقى. _كده كده أنا كلمت مجدي عشان أطمنه على بناته، وقالي خلاص الفرح الخميس الجاي... فخلاص هقعد معاهم الكام يوم دول. قالت ديميت: _بعد ما تخلصوا حواركم ده تعالي اقعدي معانا يا حبيبتي... أنا حبيت قعدتك معايا. ابتسمت أنوبيس وهي تقول: _حاضر من عينيّا. نظرت أنوبيس له وهي تقول: _عرفت غادة بتشتغل فين؟ _آه، خدي. أخرج سليم هاتفًا وهو يقول لها: _ده موبايلي القديم كان بايظ وصلحته، ابقي استخدميه الفترة دي... عليه رقم غادة وعنوان محلها. _جيبت رقمها إزاي؟ _جبته زي ما جبته بقى. ******* نرى غادة في متجر الألعاب التي تعمل به، وكانت واقفة تسجل المبيعات وحدها في هذا القسم، فموظفوا المتجر الآخرون في أقسام أخرى. يدخل هنا أحدهم المتجر فرفعت رأسها بشكل تلقائي لكي ترى الزبون. ولكن اختفت ابتسامتها حين رأته... _إزيك يا غادة؟ _الحمد لله. _عرفت أنك... هتتجوزي خلاص. ابتسمت وهي تقول: _أيوة، أخيرًا الحمد لله... عقبالك يا محمد. _إنتِ جايبة الجحود ده منين؟ إزاي تسيبيني بالشكل ده وبعدين تتجوزي كده بكل برود، كأن كان في واحد بيحبك وبيرتب حياته عشانك؟ نظرت إليه ببرود وسخرية: _بيرتب حياته عشانك؟ محمد، أنت انتهيت بالنسبالي خلاص... أنا بعد ما كبرت استوعبت أن علاقتنا دي مبتتغيرش وملهاش لازمة قعدت أترجاك عشان تيجي تخطبني على الأقل، وأنت كنت عمال تأجل وتقول أعذار ملهاش لازمة، فخلاص بقى شيلتك من دماغي... الموضوع بسيط، وأنا تخطيتك، فياريت تتخطاني أنت كمان... أنا سايباك من ثلاث سنين فأنسى بقى. _أنا مستحيل أنساكي... وبعدين هتجوزك إزاي؟ أنا فلوس شغلي مكانتش بتكفي حاجة. _أنت عندك شقة... وأنا قولتلك إني مش مهتمة أعمل فرح... إيه بقى اللي كان مانعك؟ عارف إيه اللي كان مانعك؟ الكام بنت اللي كنت بتكلمهم ورايا. صدم محمد هنا، وقالت غادة له: _آه أنا كنت عارفة، وعارفة أنك لسة بتكلمهم لحد دلوقتي... فارجوك يا محمد، خليك في حالك وسيبني في حالي. _أنا بلعب بيهم بس، أنتِ اللي بحبها بجد... أنا مستحيل أنساكي يا غادة، أرجوكي افهمي ده. _وأنت البنت اللي بتحبها بجد تفضل تلعب بيها كده؟ اللي بتحبها بجد بتحاول تلمسها وتغتصبها؟ أنت مفكرني نسيت يا محمد؟ الراجل اللي بيحب يكون عاقل ويقدر يشيل مسؤولية... وأنت مش كده، فارجوك حل عني بقى وانساني، ولو هتشتري حاجة ياريت تتفضل، ولو مش هتشتري ياريت تتفضل برضو عشان ده مكان شغل مش مكان رغي. _ماشي يا غادة... هتشوفي... خرج غاضبًا، وهنا رأت غادة أنوبيس واقفة تشاهد هذا الحوار، فقالت غادة وهي سعيدة بشدة بنبرة فرحة: _أنوبيس! ضحكت وقالت: _عمري ما شوفت حد بينطق اسمي بالسعادة دي. _كويس إنك جيتي... أنا فرحي الخميس الجاي. _آه، أنا عارفة.... _وبعدين معاكي بقى. ضحكت أنوبيس ثم قالت غادة: _إنتِ قاعدة فين دلوقتي صحيح؟ "مع سليم... أمه ست عسلية." _عندهم بانيو؟ استغربت أنوبيس قليلاً ثم قالت: _آه عندهم... بتسألي ليه؟ _عشانك بس... يعني كنت شايلة همك بصراحة... وشكلك كنتي حابة البانيو اللي عندنا أوي، فلما مشيتي زعلت إنك مش هتقعدي فيه تاني. ظلت أنوبيس تحدق لغادة وهي مبتسمة، وكأنها ترى أمامها الملاك بذاته الذي انقذها واهتم بها... فهي اهتمت بسعادتها وفكرت بها في غيابها.. هنا قالت غادة حين لاحظت تلك النظرة في عيون أنوبيس: _الأصحاب بيهتموا ببعض كده على فكرة... مش إحنا أصحاب برضو؟ قالت أنوبيس بابتسامة عريضة: _أيوة إحنا صحاب... وهنفضل صحاب لحد ما نموت... مش كده؟ _أكيد. ******* مصطفى الآن جالس في مكتبه في الشركة التي يعمل فيها، وفجأة دخل المدير عليه. _إزّيك يا مصطفى؟ _الحمد لله. _شوفت الخبر بتاع النهاردة؟ _خبر إيه حضرتك مش واخد بالي، اعذرني. _إيه يا مصطفى، ما بقيتش تعرف أخبار؟ أومال فين مصطفى المناضل اللي بيعرف أخبار البلد أول بأول وبيعترض دايمًا؟ واضح أن أمن الدولة فعلاً بتغير الواحد. قال مصطفى، وهو يتمتع بثبات انفعالي كبير مبتسمًا ابتسامته اللطيفة: _حضرتك ممكن تقولي جاي ليه؟ _إحنا ماعدناش عايزيك يا مصطفى... اختفت ابتسامة مصطفى بصدمة وهو يقول: _إنت... بترفدني؟ _صدقني دي تعليمات... أنا مش بإيدي حاجة... والتعليمات جايالي بالاسم... أن مصطفى عبد الباقي يتم رفده وتبديله بموظف أحسن. على فكرة، مش إنت بس اللي اترفدوا من شغلهم... نص رجالة الشعب المصري تقريبًا حصلهم كده، بس عشان متحسش أننا بنتآمر عليك عشان دقنك طويلة شوية... أصل أنا عارف تفكيرك. _و... بعدين؟ _ولا قبلين يا حبيبي، اتفضل روح بيتك... وإحنا حطينلك خمسين الف جنيه في حسابك كمكافأة عشان متطلعش زعلان... هتوحشنا والله. وخرج المدير تاركًا مصطفى مصدومًا وحائرًا. ظل مدة طويلة صامت يحاول استيعاب تلك المصيبة شعر انه تائه كالتي تركته امه بلا عودة، حين استوعب الأمر وأدرك أنه أصبح عاطلًا تمامًا ولم يعد يوجد اي مصدر للرزق منه، وضع يديه على وجهه وهو يمسحه وبدأ يستغفر ربه ويسبح من هول المصيبة التي هو فيها الآن. أخذ نفسًا عميقًا وقال: _أفوض أمري لله... إنا لله وإنا إليه راجعون. أخذ حقيبته وخرج وركب سيارته وعاد جالسا لمدة ساعة تقريبا يحدق في الفراغ يفكر لا يعلم ماذا يفعل في حياته الأن، الصدمة جعلت عقله يشل وكأنه نسي كل شيء. حتي نسيت كيف يقود السيارة. بعدما حاول ترتيب افكاره بعصوبة شديدة قرر الذهاب لمدرسة ابنته. وحين وصل عندها ظل جالسًا ينتظرها ليأخذها إلى المنزل. في العادة، كانت نجلاء هي من تأتي لمريم لأنها تخرج من عملها قبل مصطفى، والمستشفى التي تعمل بها قريبة من المدرسة أيضًا. أخرج مصطفى هاتفه واتصل بنجلاء، ولم ترد... اتصل مجددًا، ولم ترد... اتصل للمرة الثالثة، ولم ترد ايضًا. نظر إلى الساعة ووجد أنه تبقى ثلاث ساعات لكي تنتهي مريم، فقرر أن يذهب إلى نجلاء ليطمئن عليها. بدأ القيادة ووصل إلى المستشفى ودخلها، وحين سأل عليها أحد الممرضين: _آه، الدكتورة نجلاء بتعمل عملية دلوقتي. بيقولوا ثلاث توائم والعملية صعبة أوي... حوض البنت صغير وبتتعمل قيصري. حضرتك جوزها، صح؟ _أيوة. _عايز أقولك يا أستاذ إن الدكتورة نجلاء ما شاء الله عليها كنز من كنوز المستشفى دي... والستات بيحبوها حب جبار من شطارتها... دي حتى أشطر من معظم الدكاترة الرجالة اللي هنا. والله يا أستاذ الدكتورة نجلاء عملت عمليات ميقدرش يعملها دكتور راجل في المستشفى دي... بنقولها تقدم على مستشفى أحسن وأنظف من دي ترفض. _وبترفض ليه بقى؟ _بتقول عشان تكون قريبة من حضرتك ومن بنت حضرتك. ابتسم مصطفى وصمت، ثم قال له الممرض: _تحب أوديك لمكتبها تستناها هناك؟ _آه، ياريت. ذهب إلى مكتبها أو لمكتب أطباء النساء بشكل عام، وظل جالسًا ينتظرها، ظل جالسًا شاردًا مجددًا، وبعد ساعة تقريبًا، سمع من خارج الباب صوتها وهي تقول: _خلاص بقى يا دكتور، اتفضل على شغلك وسيبني في حالي بقى. دخلت وكان خلفها أحد الأطباء، أغلقت الباب في وجهه بسرعة وأخرجت المفتاح وأغلقت به الباب، ليضحك الطبيب ويقول: _ملهاش لازمة المفتاح يا دكتورة، أنا مش هاكلك يعني... تنهدت نجلاء بنفاد صبر والتفتت لتجد مصطفى واقفًا فصرخت وهي تسمي الله مفزوعة من وجوده المفاجيء لينتفض مصطفى ويقول وهو يقترب منها: _بس بس، اهدي يا حبيبتي، دا أنا. _حرام عليك يا مصطفى تخضني كده. _مكانش قصدي، أنا آسف... _إنت طلعت من شغلك بدري أوي ليه كده؟ صمت مصطفى ولم يرد، ولكنه لاحظ أنها منزعجة بشدة، فقال لها: _الدكتور دا كان بيعملك إيه؟ _دا دكتور التخدير وبجد خانقني يا مصطفى، عايز يدردش كأننا عيال... وأنا بجد كل لما أخلص أي عملية بجري منه. _تعدى عليكي بالكلام أو بإيده؟ _لا، لا خالص، هو بس رغاي... وبهرب منه عشان حرام ومينفعش اللي هو عايزه ده... بجد الرجالة بقل عندها قلة دين مش طبيعية. _طب اهدي... أنا هتكلم معاه... ولو كررها تاني... هقطعله لسانه. جلست نجلاء وجلس بجانبها مصطفى وهو يقول: _اتحكالي عن شطارتك... رغم كده أنا لسة شايف إن لو مشتغلتيش هيكون أحسن ليكي. _أنا بحب أساعد الستات، إنت عارفني. ابتسم مصطفى وهو يقول: _إنتِ بتحبي تساعدي كل الناس... إنتِ جميلة أوي يا نجلاء. ابتسمت نجلاء ونامت على كتفه وكانت ترتاح من المعركة التي خاضتها... تستند عليه وترتاح به... _شكرًا إنك جيت... أنا كنت محتاجاك فعلاً... أمسكت يده وقبلتها وهي تقول: _وجودك بيخلي الدنيا حلوة أوي... ظل مصطفى مبتسمًا وهو لا يرد. فنظرت إليه وقالت: _شكلك متضايق من حاجة. _مش قادر أتكلم يا حبيبتي والله... أنا هقوم بقى وأقعد في العربية لحد ما تخلصي ونروح ناخد مريم سوا. _تمام... يا حبيبي. اقتربت وأعطته قبلة عميقة كانت بمثابة مهدئ خارق بالنسبة له... بعدما قبلته ابتسم وشعر براحة حقيقية... في كل مرة يكون مصطفى منزعجًا وهي فقط بلمسة منها، يتحول حاله للأفضل. يستوعب أن وجود الأنثى في حياة الذكر مهم بشكل خارق... فهو لا يستطيع أن يتخيل كيف سيتم تهدئه قلبه وعقله بدون نجلاء. أعطته المفتاح وقام وفتح الباب وخرج. كاد أن يخرج من المستشفى ولكنه توقف وسأل عن مكان طبيب التخدير ودلّوه على المكان. ذهب إلى غرفته ووجده جالسًا لا يفعل شيئًا. _السلام عليكم. _وعليكم السلام. _حضرتك فاضي؟ _لحد دلوقتي آه فاضي... عايز حاجة حضرتك؟ _غريبة... اتقالي إنك شخص اجتماعي وبتحب الكلام... شايفك قاعد لوحدك يعني. _لا خالص، والله أنا مبستحملش الكلام والرغي، يادوبك أعمل شغلي وأرتاح مع نفسي. _والله؟ أومال مش سايب الدكتورة نجلاء في حالها ليه بقى؟ _نعم؟ اقترب مصطفى منه وهو يقول بعينان متجمدتين عليه وبنظره مهيبة وابتسامة مرعبة تختلف عن ابتسامته اللطيفة المعتادة: _بص يا دكتور... أنا زمان قبل ما أتوب... كنت بقطع الناس زي ما بقطع البهايم... أنا مش بفتخر بدا على فكرة أعوذ بالله،... أنا بس بحاول أفهمك إني قادر أقطع لسانك ده حتة حتة لو سمعتها بتشتكي منك تاني، أتمنى متكررهاش لو بتخاف على نفسك... تمام؟ شعر الطبيب بهالة مخيفة وقال وهو مرتبك: _إنت مصطفى جوزها؟ _أيوة، أنا مصطفى جوزها... يلا سلام. خرج مصطفى من المستشفى وعاد إلى سيارته، وحين شعر ان رأسه سينفجر من شده التفكير ومحاوله التأقلم على ما حدث له، أخرج مصحفه وبدأ يقرأ بعض الآيات لطمأنة قلبه. اثناء ذلك لاحظ صوت مواء قطة حاد جدًا وصغير جدًا، وكأنه مواء قطة صغيرة. خرج من السيارة وظل يتتبع الصوت إلى أن وصل إلى شجرة بالقرب من مكان هادئ. اتجه إلى الشجرة ووجد القطة بين الأوراق المتساقطة غير واضحة من حجمها الصغير ولونها برتقالي كلون الاوراق. كانت قطة تبدو حديثة الولادة، تموء وتحاول أن تنجو. حملها مصطفى بسرعة برفق وهو قلق بشدة عليها وقال: _سبحان الله، من سخرني ليكي يا حبيبتي. أخذها بسرعة وقرر أن يرضعها. وضعها في سيارته وذهب لأقرب صيدلية، ابتاع حقنة وحليبًا خاليًا من اللاكتوز. عاد إلى سيارته وأخرج زجاجة المياه الخاصة به، التي كانت دافئة بسبب وضعها في الشمس لفترة طويلة. شرب جزءًا كبيرًا وترك كمية معينة من الماء، وضع فيها الحليب وأغلق الزجاجة ورجها بشدة حتى أصبح الحليب جاهزًا. عبأ الحليب في الحقنة ورفع القطة ليرضعها. كانت القطة في قمة جوعها، وانتهت من الحليب في الحقنة، فعبأ مصطفى من جديد حتى شبعت تمامًا والتصقت به وغطت في نوم عميق وهي تخبئ رأسها في ملابسه. كانت لطيفة للغاية ومصطفى سعيد بها سعادة شديدة، يبدو ان الله ارسلها له لتهون عليه ذلك اليوم وليكتسب منها اجر صبره وتفويض امره لله. ******* قرابة المغرب، كان نوح أمام متجر الألعاب الذي تعمل فيه غادة. دخل نوح، وكان المتجر كبيرًا جدًا وله بعض الأقسام بثلاثة أدوار. كان يتجول وهو يبحث عنها وكان ينظر للألعاب من باب التسلية. وصل إلى الدور الثالث وكان فارغًا، ووجدها في زاوية ما جالسة وحدها. _الحلو قاعد لوحده ليه؟ التفتت غادة له وتحولت ملامحها تمامًا من سعادتها، ونهضت بسرعة وأتت إليه. _نوح، إيه المفاجأة دي؟ _جيتلك عشان نجيب فستانك وبدلتي. ضحكت غادة وهي سعيدة ومتحمسة بشدة. _بجد والله، بالسرعة دي؟ _آه طبعًا... أنا كلمت أبوكي وقالي عن القاعة اللي هو جهزها، وعن الميكاب ارتيست اللي هتهتم بيكي، وعن الفندق اللي هنجهز فيه... ده الراجل عامل شغل عالي. _معقول بابا عمل كل ده عشاني؟ أكيد في حاجة غلط. _متفكريش كتير، وسيبيه يعمل اللي يعمله. إنتِ هتخلصي إمتى؟ _لسه نص ساعة. _طيب، أنا هطلع أستناكي في العربية، ماشي؟ _ماشي. حين انتهت غادة وذهبت مع نوح، بدأا يتسوقان ويبحثان عن الفستان المناسب لها. كان يعجبها الكثير من الفساتين، ولكن نوح كان يرفضها جميعًا. _ضيّق أوي. _مكشوف أوي. _قصير أوي. _أوفر أوي. كانت هذه أسباب رفض نوح لمعظم الفساتين التي اختارتها غادة. وأثناء سيرهما وهما مستمران في البحث، قالت له: _نوح، أنا تعبت، مكانش فستان يعني. _معلش... أنا هسيبك تنقيلي البدلة بتاعتي برضو. _طب ما نجيب بدلتك الأول عشان زهقت من كتر البص على الفساتين. هنا توقف نوح وهو ينظر لفستان معين، كان ساترًا ولطيفًا للغاية ورقيقًا تماما مغادة، ليقول لها: _إيه رأيك في ده؟ _هو حلو بصراحة... بس المحل ده غالي أوي. _مش مهم، المهم لقينا الفستان المناسب. ابتاعا الفستان، ثم بدأا في البحث عن سترة، ولم يدم الأمر طويلاً ليجدا السترة المناسبة له بالطبع. حين انتهى وأوصلها نوح إلى المنزل، توقف وقال لها قبل أن تخرج: _استني يا غادة، امسكي. أعطاها ظرفًا فيه مال، فقالت له: _إيه ده؟ _دول عشرين ألف جنيه، خديهم، جيبي بيهم اللي إنتِ عايزاه في الجواز: بيجامات، لانجريهات، ميكياج، أي حاجة أنتي عايزاها، خديها. ظلت غادة تحدق في المال ثم نظرت إليه وهي مستغربة. _إيه ده يا نوح؟ أنا مبحبش كده. _نعم؟ _ملهاش لازمة يعني تستعرض فلوسك عليا... هو أنت من نوع الرجالة دي ولا إيه؟ فاكرني هعجب بيك أكتر كده يعني؟ _استعرض إيه يا بنتي؟ أنتي عندك حاجات للجواز؟ _بصراحة لا. _خلاص يا حبيبتي، خدي دول، جيبي بيهم، ولو مكفوش قوليلي أجيبلك كمان. _ليه يعني بتعمل كده؟ _هو يعني مش أي بنت بتتجوز بتجيب الحاجات دي؟ أنتي متجيبيش ليه بقا؟ ناقصك إيد ولا رجل؟ _ماشي، أجيب بفلوسي. _حبيبتي، فلوسك مش هتكفي حاجة... خدي الفلوس، ولو عايزة أكتر، قوليلي. أنا خلاص بقيت جوزك. ظلت غادة تنظر إلى المال وقالت وهي منزعجة: _يا نوح، أنا كده هحس بالذنب... ده كتير أوي. _غادة، متجننيش... ذنب إيه؟ هو إنتِ بتسرقي مني؟ _آه، أنا شايفاها سرقة. _ماشي يا ستي، أنا راضي. عادت غادة لصمتها ثم قالت: _أنا هطلع البيت بالفلوس دي إزاي؟ دول يسرقوني يا نوح. _ميقدروش، ولو عملوها رني عليا والله، لانزلهم في وش الفجر وأبهدلهم. ضحكت غادة، ليبتسم نوح على ضحكتها، ثم اخذت المال وهي تقول: _ماشي يا نوح... شكراً.. سلام بقى. _طب... إيه، مفيش بوسة كده ولا كده؟ نظرت إليه ثم قالت وهي مبتسمة: _لا، مفيش بوسة... ولا أنت مديني الفلوس عشان بوسة؟ _لا، مش عشان البوسة. _خلاص... سلام. وسلمت عليه وخرجت، وظل يتبعها بابتسامة عريضة على وجهه.
ROMISAA