٧٩ _بسم الله الرحمن الرحيم. ربنا عز وجل قال في سورة البقرة الآية ٢١٦ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، ربنا عز وجل أوضح لنا أن القتال مكروه بشكل عام، ويعتبر من أكثر الفروض المكروهة بين المسلمين بسبب أنها قد تكون في شكلها العام سلبياتها أكتر من إيجابياتها، ولكن كراهتها لا تثبت أنه شر ليكم بالعكس بل هي خير ليكم بسبب ثوابها العظيم دينيًا، وبسبب الرضا النفسي اللي بييجي للمنطورين في النصر وهزيمة الأعداء اللي بينشروا الظلم والفساد وقتل الناس الأبرياء، ودعم الغريزة الذكورية برضو. عند آخر كلمة نظر الجنود لبعضهم في حيرة ليبتسم مصطفى وهو يردف: _مقصدي في دعم الغريزة او الفطرة الذكورية في ان، الذكر خلق بطبيعته في انه يحمي ويخدم ويدافع ويتعب ويناضل ويواجه، والذكر اللي مبيعملش كل دا بيحصله خلل، اكيد تعرفوا المناظر دي من الرجالة، يكون متدلع في بيت اهله وفي شغله ومبيعملش اي مجهود يذكر بيبان من شخصيته إن فيه حاجة غلط، واللي منهم لما يمسكوا سلطة بقا ويكونوا قوامين على فئة معينة بيظلموهم ويعذبوهم لان الكسل والخدمة المستمرة ليهم وعدم مواجهتهم لمسؤولية تدريجيا بينموا جواهم شعور بالكبرياء والنرجسية اللي بيتؤدي لظلم كل حد هما قوامين عليهم، بالتالي انا بشوف الجهاد من مميزاته اللي محدش كتير بيذكرها إنها بتنمي المسؤولية اللي جوا الذكر في إخراج طاقته في القتال والإهتمام بالناس والتفكر والتدبر والحماية والمقاومة. أكمل مصطفى شرحه عن أساسيات الجهاد وثوابه ودرجة الشهادة وثوابها بالتفصيل حتى مرت ساعة ونصف، وعندما قال كل المفروض قوله أنهى حديثه بقوله: _عايزكم تبقوا جاهزين للموت في أي لحظة من غير خوف أو تردد، المؤمن لا يجوز إنه يكون متمسك بالحياة التي لا تساوي جناح بعوضة ويشوفها أهم من نصر الله. عايزكم تبقوا خالصين نيتكم لله عز وجل وتجتهدوا في أنكم تتبعوا العقيدة الصحيحة بسنن رسول الله، لأن الجهاد أمر حساس جدًا في الدين لا يفتي فيه إلا خواص العلماء وأنا طبعًا مش منهم. عشان كده كل واحد فيكم ياخد باله من كل نفس بيطلعه، هل النفس دي خالصة نيته لله ومناسبة لسنة الرسول ولا لا؟ ولو مش كده يا تتعاقب يا تتأدب. إحنا مش عايزين دلع هنا، مش هيبقى فيه تليفونات، مش هيبقى فيه أي وسيلة ترفيه، مش هيبقى فيه أجازات إلا في حالات خاصة، الفروض تتعمل في وقتها، واللي هيتخنق من المجهود والمشقة اللي هيواجهها من التدريبات وتعليم العقيدة الدينية الصحيحة والروتين الصارم اللي هنعمله له يتفضل يمشي من دلوقتي عشان مينسحبش من الحرب ووقتها يكون عمل كبيرة من الكبائر. بعدما أنهى محاضرته سلم عليهم ودعا لهم وأمر جمال بأن يبدأ معهم التدريبات، بعدها اتجه للساحة ليشاهدهم، وكانت تلك هوايته المفضلة. كان مصطفى يقف الآن على مرتفع عالٍ ليشاهد كل ساحات التدريب ويرى الآلاف من الجنود وهم يتدربون. كان يقف شامخًا كالطود العظيم وهو يتأمل جنوده وهم يتبارون في ساحات التدريب، كالليوث التي تتهيأ للانقضاض على فريستها. عيناه تومضان بالفخر والاعتزاز، ليس فقط لقوة أجسادهم ومهاراتهم الحربية، بل لإخلاصهم الذي يرفعونه كراية في سماء الإيمان، فهم لا يتدربون من أجل مجدٍ زائل، بل من أجل رضا الله وخدمة دينهم. يشعر مصطفى بأن قلبه يترع بالطمأنينة، فهو يعلم أن هؤلاء الجنود هم سياج الأمة وحماة العقيدة، يسيرون على درب الشهادة بقلوبٍ عامرة بالإيمان، وأرواحٍ مشبعة بالوفاء. هذا الفخر الذي يغمره ليس فخرًا دنيويًا، بل هو فخر ينبع من إدراكه أن هؤلاء الرجال هم جنود الله، يقاتلون في سبيله، ويقدمون أرواحهم قربانًا للحق والعدل. أثناء وقوفه ومشاهدته كان إسماعيل بجانبه يسرد له الجنود المتفوقين الذين قتلوا أكبر عدد من جنود الميليشيات. كان إسماعيل في المركز الرابع، وجمال في المركز الثالث، أما في المركز الأول فكان إسماعيل يقول عنه: _بسم الله ما شاء الله، اللهم بارك، دا قاتل حداشر ألف جندي خلال الخمس شهور دول، وفي حرب أسيوط قتل ألف تقريبًا. قال مصطفى مبتسمًا بفخر: _جدع، مفيش أحسن من أنك تشحن انتقامك وضغينتك وتخرجها بالطريقة الحلال، انت بعتله ييجي؟ _أه هو جايلك في الطريق. المركز التاني بقى هو أزرق، دا برضه أنا مصدوم من قوته الجسدية ومهارته في القنص، اللهم بارك مش طبيعي، رغم إنه سبعتاشر سنة بس ومتدربش كتير يعني. _مكنتش مصدق في حوار الجينات دي بس شكلها طلعت حقيقة. وبعدين ما تبطلوا تقولوا عليه أزرق مش عاجبني اللقب دا. _هو اللي قالنا نقوله كده والله، أصل يعني فيه مليون واحد اسمه أحمد هنا وهو مش حابب ننطق لقب أبوه، قال لنا سموني أزرق. في تلك اللحظة أتى خلهم الجندي صاحب المرتبة الأولى، التدريبات القاسية تظهر على جسده الرشيق الذي برز فيه العضلات التي لم تكن موجودة من الأساس. أتى الجندي وسلم عليهم ليلتفت مصطفى ويقول بابتسامة تتشرب بالسرور: _تعالى يا يامن، تعالى يا بطل. ابتسم يامن وأتى لمصطفى ليردف مصطفى: _تكتفي بحداشر ألف ولا عايز كمان؟ قال يامن بنبرة ثابتة واثقة: _لا طبعا عايز كمان. _طب بص، انت تستحق إجازة أسبوع أو عشر أيام لأنك تعبت معانا كتير في الخمس شهور دول. وكمان إحنا ممكن نقعد شهر من غير أي معركة حاليًا لأن الأجواء خطر بسبب كمية الجواسيس اللي ظهروا هنا. فإبقى ريح المدة دي. بعدما أنهى مصطفى حديثه قال إسماعيل: _صحيح، جمال بعت رسالة لأخت حضرتك، فهي اقترحت تجيب هالة معاها عشاني وكده. فإيه رأيك؟ أتت انتفاضة طفيفة في جسد يامن فور سماع اسم علا وقدومها هنا ونظر لإسماعيل باندهاش غير ملحوظ في ملامحه ليجيب مصطفى: _لو هالة عايزة تيجي وتشوفك مش مشكلة، وابقى روح الليلة دي هاتهم سوا وتعالى. ابتسم إسماعيل حتى بدت نواجذه من شدة سروره واشتياقه العظيم لزوجته والتي سيراها أخيرًا. وشعر مصطفى من تحركات جسده أنه سيقفز مبتهجًا ليضحك وهو يقول: _يلا جهز نفسك. _من عينيا. وسار إسماعيل بخطوات سريعة طائرة، بعدها قال يامن لمصطفى: _ما تخلي الدكتورة تيجي معاهم، حاسس إن حضرتك مشوفتهاش من مدة طويلة. قال مصطفى بنبرة استياء لم تخفِ ابتسامته المتفائلة: _للاسف يا يامن، لو جت مش هتلاقيني، لأن النهاردة هروح سوهاج مع أحمد عشان نعمل الأنفاق اللي تسهلنا الوصول ليها في الحرب الجاية. غير كده هي حامل مش هتستحمل السفر الصعب دا، لا مش هعمل معاها كده. أومأ يامن برأسه وهو يتفهم الأمر، بعدها استأذن مصطفى وسلم عليه واتجه لمكتبه ليتجهز للذهاب إلى سوهاج. دخل مصطفى وجلس على مكتبه في هدوء وهو يحدق في الفراغ يحاول الاستمتاع ببضع ثوانٍ من الراحة ليسمع هنا طرق الباب فسمح بالدخول. دخل موريس وبدأت على نظراته هموم وقلق ليقول مصطفى: _خير؟ _وليد بعت إن الميليشيات وصلهم ١٢٠ مسيرة، قال إن في تفاصيل اتكلموا فيها بس دا اللي بعتهولي مقدرش يبعت أكتر من كده. رغم تحفظ ملامح مصطفى الباردة إلا أنه شعر برجفة في قلبه إثر القلق الذي شعر به: _أنا عارف إيه التفاصيل اللي اتكلموا فيها، أنا فاهم دماغ نور، احتمال كبير يقصف القاهرة والمحافظات التانية البعيدة عننا... كنوع من تخويفنا وتخويف الشعب وابتزازنا في إننا نوقف الحرب. سكت موريس في قلق وتشتت ليقول مصطفى له: _مش عايزك تقلق، لسه هيبقى فيه وقت هو ورفعت يتخانقوا فيه شوية لأنهم مبيتفقوش أبدا، يعني هياخد لهم أسبوعين كده. ابتسم موريس ابتسامة خفيفة وما زال مصطفى يلاحظ على عينيه وجود شيء يرغب في التفوه به، ليقول مصطفى: _في حاجة تانية عايز تقولهالي؟ _لا بس... أنت واحشني وحابب أدردش معاك شوية، بس أنت لسة هتروح لسوهاج مش عايز أصدعك. _لا ياعم، اقعد دردش، أنا لسة كمان نص ساعة وهقوم. تعالى. جلس موريس وبعدما صمت برهة، سأل مصطفى سؤالًا: _بقولك يا مصطفى، هو إنتوا معندكوش حاجة في الدين متسمية بالوطن؟ مبتعترفوش بالكلمة دي يعني؟ _لا مفيش حاجة في الدين نقدر ننتمي ليها إلا الدين، لا بلد ولا عرق ولا أي حاجة. فيه بيؤمنوا بوجود الوطن ودي حاجة مش حرام، بس منطقيًا أنا مبشوفش إن فيه حاجة اسمها وطن، شكلك اتكلمت مع جمال تاني في الموضوع دا. أومأ موريس برأسه وهو يقول: _أنا بس مش قادر أفهم... يعني البلد اللي اتولدت فيها وذكرياتك كلها فيها ومنتمي لجنسيتها، ليه رافض تقول عليها وطنك؟ ابتسم مصطفى ثم أجاب: _الوطن الحقيقي هو اللي تقدر تاخد حريتك فيه، فاللي مش شايف إن مصر وطنه دا يدل ببساطة إنه مش واخد حريته فيها. تعجب موريس قليلًا وهو يقول: _عندي فضول أعرف إيه مفهوم الحرية ليك، بما أنك متدين يعني... أنا أسف مش قصدي حاجة بس، المتدينين إذا كانوا مسيحيين أو مسلمين بيبقى عندهم حدود كتيرة أوي. _الحرية ملهاش علاقة بكسر الحدود. في العموم، الحرية مفهوم حساس كل شخص بيفهمه بطريقته الخاصة، فلو الشخص دا خبيث النفس هياخد الحرية بمنظور خبيث، هيطالب بيها لإشباع رغباته الحيوانية وهيمنع فيها الحدود. أو اللي عكسه هيطالب بإنهاء وجودها لظنه إنها وسيلة بتفسد الناس وهيحط حدود وهمية لم ينزل الله بها من سلطان. ولكن في نظري فالحرية زي ما قالها الرسول ﷺ في حديثه "من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا"، فالشخص اللي الرسول ﷺ وصفه هو إنسان حر تمامًا مبتكبحوش ظروف قاسية تجبره على أفعال منفرة ومتعبة زي المرض أو الحروب أو حتى فساد النفس أو الاعتقال. والحر برضه اللي بتكبحوش العادات والتقاليد الجاهلية من أقوال الناس وما إلى ذلك وبيكتفي بقواعد دينه وبس. ببساطة الحر هو الإنسان المستقر اللي عنده مبادئ وقواعد منطقية، والظروف اللي بتدمر له كل دا بتفسد حريته ببساطة. سكت موريس برهة ثم قال: _فاهمك، بس... برضو تحس إن في معنى تاني للحرية بحيث الشخص ميكونش ليه قواعد منهكة تحبسه، بس ميكونش قليل الأدب برضو فاهمني، حاجة كده زي حرية الحيوانات، حريتهم بتعجبني جدا، حريتهم في تنقلهم لأي مكان ولأي بلد، في هجرتها المستمرة لأي أرض هي حباها، في جريها في طيرها، زي الحصان البري والطير اللي بيطير في السماء. _دي حقيقة، حرية الحيوانات مغرية نوعًا ما بس لو فكرت فيها شوية مش هتلاقيهم بالحرية اللي إحنا متوقعينها. فكل حيوان بيتحرك حسب غريزة بقائه... في حيوان بيهرب من التاني عشان يعيش وميتاكلش، والتاني بيدور على الحيوان دا عشان ياكل ويعيش، والاتنين غرضهم هو بقائهم. وفكرة إن مفيش استقرار في حياتهم نوعًا ما مرعبة. يعني في الآخر هما حرين بس تحت حكم قواعد غريزتهم وغريزة بقائهم. _يعني قصدك إن الحرية أساسها الاستقرار زي ما قال الرسول..... عليه الصلاة والسلام أومأ مصطفى برأسه بالإيجاب، وهنا شعر موريس أن مصطفى أنهك، ليقف ويستأذنه للذهاب، ليستوقفه مصطفى بقوله: _لو عايز تعرف معنى الوطن فعلاً، روح لياسر. ياسر أكتر واحد وطني عقلاني شوفته، شخص وفيّ لبلده وعنده معتقدات مفيهاش عيب. تقدر تتكلم معاه في الموضوع دا. ابتسم موريس لمصطفى وهو يومئ برأسه ثم يخرج من المكتب. وهنا في إحدى المهاجع، يقف أحمد الملقب بالأزرق أو أحمد الأزرق. قد يبدو لقبه مهيناً إلى حد ما، ولكنه عرض عليهم هذا اللقب لكونه لا يفضل أن يتم مناداته بلقب والده عصام بسبب بغضه له. ورأى الجنود أن من المقنع مناداته بالأزرق نظرًا لأعينه الزرقاء، ولبرود مشاعره في صغر سنه، أو لمهارته الفائقة في القنص والصيد التي تثلج صدور المؤمنين وتجمد دماء الكفار الأعداء في عروقهم إلى حد الزرقة. فأحمد، رغم سنه، إلا أنه أمهر قناص بين قناصي ذود كلهم. بينما كان يقف أحمد في المهجع، أخرج من جيب قميصه صورة مصغرة لسعدية أخته، وظل يتأملها بأعين تنصهر لوعة وهو يبتغي رؤيتها إلى حد الموت. وأثناء ذلك، يدخل جندي المهجع وهو يقول: _يلا يا أزرق، اجهز مصطفى طالبك. ************* وصل كل من نوح وعمر إلى العاصمة الإدارية الجديدة عند المنزل الذي حدده له رفعت. وصلا والتهيع يعتليهما، حيث لا وجود للمليشيات، لا وجود لحراس، لا وجود لأي أحد. _شكله هيطلع فخ يا نوح. قال عمر ذلك ليجيبه نوح بحذر وحيرة: _مش عارف، وأصلاً رفعت مبيطلعش من القصر الجمهوري، ففي حاجة مش مظبوطة. ترجلا من السيارة ودخلا ساحة المنزل التي كانت بوابتها مفتوحة، بعدها اتجها لباب المنزل وطرقه نوح. وحين طرقه انفتح من تلقاء نفسه ليتضح أنه لم يكن منغلقًا من الأساس. تبادلا كلاهما النظرات المتحيرة، بعدها دخلا ونوح ينادي: _رفعت؟؟ كان المنزل مظلمًا وسكونه صارخًا مقلقًا. دخل الاثنان المنزل، يلف السكون الفضاء كغطاء ثقيل، لا يُسمع سوى همسات أنفاسهما المتلاحقة. الظلام يبتلع التفاصيل، والهدوء يخيِّم ويُضخِّم كل حركة بسيطة، كأن الجدران نفسها تترقب خطواتهما بقلق. فجأة سمعا صوت شهقة قصيرة وصوت تراطم قوي لجسدين في الطابق العلوي، ليندثر الهدوء وتنتفض ضلوعهما ويتجمدا في مكمنهما. ولكن بنظراتهما المتبادلة، عزموا على الصعود للطابق العلوي، وبالفعل بخطوات سريعة صعدا. يقابلهما غرفة مفتوحة بابها على مصراعيه، وفور أن وصلا لمدخلها، وجدا مشهدًا لم يكن في الحسبان البتة. يندفع ضوء الغروب الباهت داخل تلك الغرفة المظلمة، معلنًا عن إظهار جسد أسود واقف. كانت امرأة طويلة القامة، ممسكة بسيف الكاتانا الياباني، شعرها قصير للغاية، قصته صبيانية. رغم رسمة جسدها الأنثوية، إلا أن العضلات الطبيعية بارزة فيه. ترتدي قميصًا مكشوف الذراعين، تزدحم في ذراع منها وشوم مميزة خاصة بشوم الياكوزا اليابانية، والذي كان يدل على أنها كانت فردًا منهم سابقًا. التفت لتنظر لهما بأعينها الحادة ووجهها الذي مُيّز بندبة كبيرة في وجنتها. وأمامها، جثة رفعت مقطوعة لنصفين، ويبدو أن صوت ارتطام الجسمين الذي سمعاه كان ارتطام كل نصف منهنا بالأرض. وما يدل على ذلك أن تلك المرأة كانت كاجويا، الجناح الثاني لعصابة أدهم، والتي خضعت عصابات الياكوزا اليابانية تحت قيادة أدهم، والمسؤولة عن جانب الدعارة في عصابته. مظهرها كان مهيبًا جعلهما في حالة شلل كالتماثيل المنحوتة على وضعية معينة. عمر عيناه جاحظتان شاخصتان، تتنقل حدقتاه بين الجثة وبين كاجويا، ونوح كان يحدق في كاجويا فقط. أما هي، فابتسمت لهما ابتسامة خبيثة، أدخلت سيفها في حافظته التي كانت متصلة بحزامها، ثم اتجهت للنافذة وفتحتها، والتفتت لهما. أخرجت من حزامها كوناي، سلاح خاص بالنينجا يشبه الخنجر في طوله، حاد الرأس والحواف، وغالبًا ما يربطه حبل في نهايته. ذلك الكوناي أخرجته كاجويا بحركة سريعة، وأطلقته بيدها القوية ليندفع بقوة في كتف نوح كالرصاصة، ليصرخ صرخة قصيرة متألمًا، أما هي فقهقهت وهي تقفز من النافذة وتهرب. _نوح انت كويس؟؟ نزع نوح الكوناي من كتفه وهو يتألم ليكتشف أن ربطة الحبل متصل به رسالة ورقية مكتوب فيها بخط غريب، نظرًا لأنها لا تجيد الكتابة بالعربية بمهارة، وحول تلك الكتابة قلوب ورسمة لقُبلة: <ابقى عرف عصام حبيب قلبي أني جاياله> في تلك اللحظة سمعوا وقع أقدام متعددة وصوت رجال يتحدثون الفارسية والهندية. واتضح من صوتهم العالي أنهم ساخطون. ليقول عمر في هلع: _المليشيات جم؟! إمتى ظهروا فجأة؟ فور أن سمعوا خطواتهم تقترب من الغرفة، أمسك نوح بيد عمر وهرعا إلى النافذة ذاتها وقفزا منها. ارتطم جسدهما بالارض بقوة بعدها نهضا في عجالة ثم وجدا فجوة في سور ساحة المنزل، بدا وكأن كاجويا أحدثتها لتساعدهما. خرجا من تلك الفجوة ليقابلهما عربات المليشيات وجنودهم، فينطلقان راكضين بأقصى سرعة ممكنة. وخلفهما المليشيات مندفعين بسياراتهم وجنودهم، كان كلاهما يهرع بكل طاقته. لذلك كان نوح يسبقه بأمتار، وعمر يصيح في فزع واحتدام له بأن يتمهل وألا يتركه وحده. المليشيات تقترب، والهلع يخترق قلوبهما أكثر فأكثر، تحديدًا عمر، إلا أن وبحركة غير متوقعة أثناء ركض نوح، انسدلت جفونه وأغمض عينيه، وسقط وارتطم جسده بعنفٍ بالأرض، ليزداد هلع عمر ظنًا بأنه أحد المليشيات أطلق رصاصة عليه. لم يتركه عمر واتجه إليه، وحاول حمله ليفر به، ولكن فات الأوان. أتت سيارات المليشيات حولهم ليفتكوا بهم، أو هذا ما ظنه عمر. ففور أن وصلت سيارات المليشيات إليهم، مروا بجانبهم وكأن أصابهم العمى أو أن عمر ونوح ارتدا عباءة التخفي فجأة. ظل عمر يحملق في سياراتهم وهي تبتعد عنهم في تهيع عظيم، وجهه مكفهر ويلهث بقوة لا يفهم ما الذي جرى فجأة. عاد ونظر لنوح ليجده نائمًا بسلام. قال عمر بتهكم وهو يلهث وقد فهم ما جرى: _نام يا عم، نام...نام. هنا لمح بضوء سيارة خلفهم يقترب. فالتفت بحركة سريعة قَلِقة، ووجدها سيارة نوح. توقفت السيارة أمامهم، وترجل منها شخص ما لم يتعامل معه عمر شخصيًا، ولكنه رآه في الأخبار ومواقع الإنترنت. فذلك الشخص كان يوسف إمام. ************* يقف عصام في حالة من الصدمة والسخط المشحون، بيده مسدسه، وأمامه تقف ياسمين، ياسمين التي كانت بداية طريق انحرافه، التي بدأ بها حياته الرِّجسَة، التي خان أَباه بسببها. مرور عشرين سنة لم يؤثر على وجهها الجميل البريء المخادع، كانت تقف ويظهر في عينيها الشاحبتان قلق شديد حياله. أما عصام فكانت عيونه مستشيطة مغرورقة. اندفع إليها في حركة سريعة وبخطوات مستشيطة وهو يوجه المسدس لرأسها. _أنتِ!! أنتِ ليكِ عين توريني وشك؟! ليكِ عين تظهري قدامي بعد ما ضيعتيني؟؟!! اندفاعه السريع بالمسدس أمام وجهها لم يجعلها تتحرك سنتي واحد، ولم تنبس ببنت شفة. كانت نظرتها باردة منهكة وهي تحدق فيه بتحسر عظيم، لم يفهم عصام حالتها تلك. اشتدت قطابه وجهه وهو يقول: _ إيه البصة اللي في وشك دي؟ قالت ياسمين بصوت واهن يظهر المعارك المفجعة التي مرت بها طيلة تلك العشرين سنة: _مش أنت الوحيد اللي مستني الموت، مش أنت الوحيد اللي ضميرك بقى يعذبك بعد توبتك. لانت نظراته لها، وأنزل مسدسه وهو يحدق فيها في حيرة ثم قال بصوت أهدأ: _بقالك قد إيه تايبة؟ _بعد ليلتك بشهرين... رفع عصام حاجبيه في دهشة ساخرة وعرضت ابتسامته المقهورة، وضحك ضحكة تظهر احتدامه العظيم: _بعد ليلتي بشهرين؟؟! يعني أنتِ بوظتيني وتوبتي أنتِ بعديها بشوية؟ اكفهر وجه ياسمين من حديث عصام وهي تقول: _بوظتك؟ يعني خلاص شيلتني مسؤولية كل وساختك اللي عملتها طول حياتك؟ سكت عصام باستياء، وشعر أنه لم يعد يتحمل حتى النفس الذي يتنفسه، فجلس على الرصيف وهو يضع يديه على رأسه بتحسر ويقول ودموعه تهمع: _ أنا دمرت كل حاجة في حياتي يا ياسمين، مراتي انتحرت، ابني سابني وهرب، سمعتي بقت في الأرض، عذبت شباب زي الورد ودمرت حياتهم، اغتصبت واحدة عندها خمستاشر سنة وانتحرت هي وأبوها وأمها، إخواتي قطعوا علاقتهم بيا، بقيت مشوه ومعاق، أبويا جاله زهايمر من كتر قهره على نفسه، كل حاجة راحت، كل حاجة راحت في حياتي، وعشان إيه؟ عشان إيه بجد؟ كنت بعمل كل دا عشان إيه؟ إيه الحاجة اللي كانت أغلى عندي من كل دول؟؟؟ أنا مش مصدق أنا كنت إزاي كده؟ حاسس إني كنت في غيبوبة طويلة أوي أوي أوي مفوقتش منها غير دلوقتي. بعدما استمعت ياسمين لكل هذا قالت بنبرة هادئة يظهر عليها التهكم: _وفي الآخر بتشيلني مسؤولية كل دا؟ كان عصام ينحب بحرقة عظيمة كالأطفال، وهي كانت تنظر إليه بنظرة اعتياد كما لو أنها رأت هذا المشهد من قبل، رأته في نفسها منذ زمن طويل. كل الندم والتحسر العظيم، لقد ذاقت منهما من قبل. تقدمت إليه وجلست بجانبه على الرصيف، وهنا في ظلال الغروب الخافتة، حيث تلامس آخر أشعة الشمس حافة الأفق، جلسا على الرصيفٍ المهجور، تفصل بينهما مسافة قصيرة، كغريبين التقيا مصادفة، لكنهما لم يكونا غريبين عن بعضهما ولا عن تلك الذكريات التي تسكن بين ضلوعهما كجمر تحت رماد السنوات. كان الجو حولهما ثقيلًا، كما لو كان الهواء نفسه يحمل أنفاس الماضي. عصام، الذي حمل على كاهله أثقال الذنوب، كان مستمرًا في البكاء وهو يحدق إلى الأرض بتحسر، بينما كانت ياسمين تحدق في الأفق البعيد، كأنها تبحث عن شيءٍ ضاع منذ زمن. وبعد صمت قليل قالت: _ممكن تكون عملت حاجات أسوأ مني عشان كده حصلك حاجات أسوأ من اللي حصلي... بس أقدر أقول إني حاسة بحرقة قلبك دي أكتر من أي حد تاني. هدأ بكاؤه تدريجيًا ونظر إليها لتردف بملامح شاحبة تظهر إنهاكها الشديد: _أبويا كان بالنسبالي كل حاجة في حياتي، كان أجمل أب في الدنيا وأنا بقول دا وأنا متأكدة، مفيش أب زيه في حنيته وحبه لبنته وفي اهتمامه بيها وتضحيته عشانها، بس الحاجات الوحيدة اللي كانت بتعذبني هو إنه كانت شغلته صعبة وبشوفه بيتهزق من المعلم اللي بيشغله دايمًا... كان بيتعب أوي مقابل فلوس قليلة، مش هقول إن دا اللي دخلني عالم الدعارة بس... أنا كنت بضحك على نفسي بالسبب دا، كدبت عليه وقولت إني لقيت شغل بشهادتي، وكنت بجيبله فلوس وبدلعه ميعرفش إنها فلوس حرام. سكتت ياسمين قليلًا حين تضخمت الغصة في حلقها ثم أردفت بتهدج: _معرفش أنا عملت في نفسي كده ليه، معرفش ليه متعبتش شوية وشوفت شغلانة عادية... بعد ما قضيت ليلة معاك وصحابك في الشغل شافوني، بدأ الكلام عني ينتشر لحد ما وصل لأبويا... ولما عرفت بكده... الصدمة كانت كبيرة عليه أوي يا حبيبي... وجاتله سكتة قلبية ومات، ومن بعدها مبقيتش بشوف غير جحيم، قعدت السنين دي كلها بهرب من عيون الناس وكلامهم، توبتي مغيرتش نظرتهم ليا، لحد ما أخدتني ست اشتغلت خدامة عندها... كلاهما كانت ملامحهما تحكي قصةً طويلة من الضياع، أعينها تسرد أكثر ما يسرد لسانها، سنوات عديدة قضاها كل منهما في متاهات الخطيئة، يجرّان خلفهما أثقالًا من الذنوب التي تركت ندوبًا عميقة في قلوبهما. لكن اليوم، كان هناك شيء مختلف بينهما، لقد عادا إلى هذا المكان، ليس كمن يعيدان إحياء الماضي، بل كمن يريدان أن يغلقا فصلًا طويلًا من حياتهما. نظرت ياسمين إليه وهي تقول: _التوبة مخليتناش ضعاف يا عصام، التائب عمره ما بيكون ضعيف كده، الفكرة إن... إن شخص يتأذى بسببك دي مرعبة أوي... خصوصًا لو بتحبه وبتموت فيه. صمت عصام برهة بعدما استمع إليها، بينما كان جالسًا، يراقب أطراف أصابعه، متجنبًا النظر في عينيها طويلاً. كانت يده ترتجف قليلاً، ليست رهبة منها، بل من نفسه، من ذلك الصدى البعيد للخطيئة التي كانت تجمعهما، ثم سألها: _وعاجبك حياتك دلوقتي؟ _أكيد لا... أنا بتهان من اللي بخدمها دايمًا، وأهلها بيعاملوني معاملة حيوانات... بس أنا صابرة لأن مفيش غير البيت دا اللي أقعد فيه، بعد ما أبويا مات صاحب البيت أخده وطردني منه بسبب سمعتي، وطبعا محدش هيحب يتجوزني، والحمد لله أديني عايشة. عاد عصام لصمته بعدها وقال: _لو كنت سَليم كنت هتجوزك وأنقذك من اللي أنتِ فيه دا... ومنها تنقذيني من جنوني ووحدتي. ابتسمت ياسمين ابتسامة خفيفة بسبب اهتمامه بها ثم قالت: _ يعني إيه لو كنت سَليم؟ نظر عصام لها ولأعينها ليكتشف أن مشاعره تجاهها منذ تلك السنين تجددت مجددًا، ارتبك قليلاً واشاح ببصره وهو يقول لها عن الحادثة التي حدثت له، وتدريجيًا أصبح كل منهما يحدث الآخر بكل شفافية ووضوح، يتحدث كل منهما بإرتياح دون الخوف من أن يحكم عليه الآخر في شيء، فكلاهما خطائان مذنبان، كلاهما تابا ويحاولان التأقلم بعسر شديد في ظروف حياتهما الجديدة بتلك التوبة. كانا يتشاركان نظراتٍ عميقة بين الحين والآخر، كأنهما يقرآن في أعماق بعضهما البعض. كانا يسردان تفاصيل رحلتهما نحو التوبة، كيف كانت البداية صعبةً وكيف وجدا في الإيمان ملاذًا من عواصف الحياة. كان كل منهما يتحدث بصدقٍ وشفافية، وكأنهما يعترفان أمام مرآة الروح. كانت التوبة قد غسلت قلوبهما، لكنها تركت وراءها أثرًا من القهر والحسرة والندم على السنوات التي ضاعت في الظلام وعلى الأبرياء الذين حتمًا سيحاسبون على أذيتهم لهم. كانا نادمين ندمًا عظيمًا، في محاولة منهما أن لا يكون ندمًا يجرّ إلى اليأس، بل ندمًا يضيء، ندمًا يشبه الشموع التي توضع على قبور الذكريات، ليس لإحيائها، بل لتوديعها بنور خافت، لا يحرق، لكنه لا يسمح للعتمة بالعودة. ومع ذلك، كان هناك شعورٌ غريب بالسكينة، سكينة تأتي من معرفة أنهما قد وجدا الطريق أخيرًا. كانا يعرفان أن الماضي لن يعود، وأن ما فات لن يُعوّض، لكنهما كانا يعيشان في سلامٍ جديد، سلامٌ جاء بعد عاصفةٍ طويلة. لقد وجدا في التوبة ملاذًا، وفي الرضا سلامًا، وفي الذكريات درسًا لن ينسياه أبدًا. _لما قولتلي إنك اغتصبت واحدة كنت هخلص كلام معاك وأبلغ الشرطة... بس بعد ما حكيت لي حصل فيه إيه بعدها رجعت في كلامي. ابتسم عصام ابتسامة حزينة واهنة طفيفة في صمت ثم قال: _لسة بشوفها قدامي، مبطلش أدعيلها ولا أدعي لرحمة، ولحد دلوقتي مستني إشارة من ربنا تثبتلي أنهم سامحوني.... _أنا برضو لسة مستنية الإشارة دي من ربنا على أن أبويا يكون مسامحني بس... لسة. نظرت ياسمين لعصام وهي تقول في رغبة منها أن يتزوجها ويهربا من هذا كله: _لعلمك أنا بحب الحب الأفلاطوني. نظر إليها بتعجب وتهكم وهو يقول لها: _لا يا شيخة؟ هتتجوزي واحد مش راجل عشان أنتِ بتحبي الحب الأفلاطوني. _يعني إيه مش راجل؟ ما أنت راجل أهو، إيه معنى الرجولة في نظرك يعني؟ سكت عصام مدة طويلة وهو يتأمل عن معنى الرجولة حقًا بنظرات حسرة تفيض من عينيه وبعد برهة قال لها بنبرة تحمل غصة: _كنت شوفت فيديو لمصطفى وهو بيشرح معنى الرجولة في الدين ومن صفات الرسول ﷺ، واكتشفت إني مكنتش راجل خالص قبل ما يحصلي كده...، أما دلوقتي فبحاول أكون راجل بالطرق اللي وصفها مصطفى عشان أعوض النقص اللي عندي بس.. في الحالتين أنا راجل ناقص برضو.. ومظنش إن هييجي اليوم اللي أكون فيه راجل كامل. قالت ياسمين بنبرة يائسة: _وهل هو بيشرح معنى الأنوثة برضو؟ _أعتقد. صمتت برهة ثم قالت بالنبرة التي تحمل الغصة ذاتها: _أنا برضو زيك، كنت فاهمة الأنوثة بشكل غلط، استغليت أنوثتي بشكل غلط، وأنا واثقة إن لما أعرف معناها الجوهري هكتشف إنها أنقى وأبسط من اللي عملته في نفسي بكتير، واضح إن بنزين نارنا كان فهمنا الغلط لطبيعة نفسنا. عادا لصمتهما الطويل، صمت يحمل الكثير من المعاني التي لا تنطق باللسان، صمت يحمل مشاعر عظيمة يتشاركانها سويًا بالصمت التام، انقطع هذا السكوت بقول ياسمين: _كنت بزور عم رجب بين الفترة والتانية، عايزة أقولك يا عصام بالله عليك متروحش من غير ما تاخده معاك، خده عيّشه معاك واهتم بيه كويس في آخر أيامه، حتى لو مش هيفتكرك مش مشكلة، بس أنا متأكدة إنه هيسامحك يوم الحساب. نظر عصام لها والدموع متحجرة على مقلتيه وأومأ برأسه وهو عازم على العودة للدار وأخذ رجب معه لمنزله، بعدها قال: _أنا كمان مش هسيبك يا ياسمين، هاخد رقمك واتواصل معاك لحد ما نشوف الوقت المناسب اللي هنتجوز فيه، مستحيل أسيبك كده. ************* من شهرة نور العظيمة كان يُقام له خصيصًا مهرجان ومناسبة عامة كل فترة زمنية محددة عند كل دولة عربية، حيث يتجمع فيها معظم فناني العالم وهو يجلس على مسرح راقٍ ليستمع له الحاضرون ويستضيفه فنان قدير مشهور في تلك البلد. كانت تلك المناسبة التي ذهب إليها نور في السعودية، حيث يستضيفونه في قاعة ومسرح عملاق كان يتم فيه من الأساس تتويج للفنانين بالجوائز. تبدأ تلك المناسبة بسلام الملوك وعائلته وأتباعه لنور عن طريق الانحناء لحد الركوع وتقبيل يده ووضعها على جبينهم من خضوعهم الشديد إليه. بعدها يصعد نور للمسرح في قاعة فسيحة تلمع تحت أضواء الذهب، يجلس نور على عرش مرصع بالجواهر هدية مخصصة من الدولة له. يحيط به هالة من الغموض، بينما يجلس أمامه، الملوك والأمراء وأصحاب السلطات، في وجوههم مزيج من الخشوع والفضول. يحدقون فيه وكأنه نبي جاء من عالم بعيد، يحمل في يديه مفاتيح المستقبل. يرفع نور أثناء حديثه يده ببطء بأصابعه النحيلة، فيسود الصمت في القاعة، كما لو أن الزمن قد توقف تحت وطأة الكلمات التي تساقطت من فم نور كنبوءات لا تحتمل الشك. عيناه، المتوهجتان ببريق نار الخداع، تجول بين الجموع التي غاصت في سرابه العميق. يتنبأ بالمستقبل، يسرد الأحداث كأنه يقرأ من كتاب مفتوح، يروي عن حروبٍ قادمة، وانتصاراتٍ مبهرة، وثرواتٍ لا تحصى. كلماته تنساب كسيلٍ جارف، تملأ القاعة بالرهبة والإعجاب. الملوك يتبادلون نظراتٍ مليئة بالخشوع ويحركون رؤوسهم موافقين؛ فقد أُسروا أُخضعوا بسحر كلماته. بينما هو يجلس متعالياً، والقاعة تتنفس بالرهبة، وكأن كل نفس يُسحب فيها هو تقديس لإدعائه. كانت الأعين شاخصة نحوه، متسعة كأنها قد رأت ملكوتًا مجهولًا، والأنفاس متلاحقة بين الترقب والرهبة. الملوك الذين اعتادوا أن تأتمر الأرض بأمرهم، صاروا كالأطفال يبتلعون الخوف قبل الكلمات، يتبادلون النظرات المرتعشة كلما لوّح بيده في الهواء، معتقدين أن حركة أصابعه كالخيوط تحرك مصائرهم. النبلاء، أولئك الذين كانوا بالأمس سادة المجالس، جلسوا في أماكنهم كتماثيل منحوتة من الخنوع، يزحفون بأرواحهم نحو صوته، ينشدون منه خلاصًا لا يعرفون إن كان رحمةً أم لعنة. كل جملة ينطق بها كانت كالسهم، تصيب قلوبهم بالرهبة، فتتقلص ملامحهم، يعبسون حين يتحدث عن غضب السماء، ويبتسمون حين يعدهم بالخلود. أما العلماء والحكماء، الذين كان ينبغي أن يكونوا درع الحقيقة، فقد انحنت رؤوسهم، وجفت شفاههم، كأن عقولهم قد استسلمت أمام المد الجارف لهذا السراب. لم يكن بينهم من تجرأ على الشك، فالشك في حضرته لم يكن إلا خيانةً لصوت القدر الزائف الذي صدح به. كان الجميع أسرى، ليس بالسلاسل، ولكن بوهمٍ أحكم قبضته على أرواحهم. كانوا يتنفسون كلماته، ويتغذون على نبوءاته، حتى بات الفرق بين الحقيقة والوهم مجرد سراب يتراءى لهم، ثم يختفي عند قدميه. حين مرت ما يقارب الثلاث ساعات من حديث نور وترهاته المستمر عن المستقبل وقدراته وكتبه والوحي وما إلى ذلك، سأله من يستضيفه عن مصطفى عبدالباقي ليبتسم نور ابتسامة عريضة خبيثة وهو يقول بنبرته الواثقة الخادعة: _عايز أقولك إن مصطفى عبدالباقي دا شيطان على الأرض، بيخدع الناس بابتسامته الحلوة ورموشه الطوال وبشاشته، بس صدقني ما هو إلا إرهابي بيحاربني وبيحارب كل ما هو مفيد، عامل لك فرقة جهاد إسلامية والناس مصدقين إنه بيدافع عن بلده وهو أبعد ما يكون عن كده، عايز يحكم مصر بالشريعة الإرهابية القديمة مش بالشريعة بتاعتي وبتاعت كتابي، من أول ما عمل الجيش بتاعه الموضوع بقى أسوأ في مصر للأسف والشعب مش مقتنع بكده، بس أنا واثق في يوم من الأيام الحقيقة هتظهر وهبين للعالم خبث الراجل دا وشره. بعدما انتهت المناسبة، قال نور إن كل من سيقبل يده سيتم رزقه رزقًا واسعًا في عمله وشهرته، لذلك ظل نور واقفًا يسلم على الفنانين والنبلاء والملوك وأصحاب السلطة والعلماء والحكماء وأتباعهم وذويهم. كل فرد منهم كان يركع لنور ويقبل يده ويذهب، وكان نور واقفًا ممددًا يده لا ينزلها. أما منار فكانت تقف بجانبه وتومئ برأسها لهما بطريقة السلام. أثناء ذلك رن هاتف نور الذي كانت منار ممسكة به، فأرته لنور، فمسكه نور بيده الأخرى وفتح الخط. وهنا سمع خبر موت رفعت الذي جعل وجه نور يشع حبورًا وابتسامته تتمدد بمكر وشماتة عظيمة، كما لو أنه أخذ حريته أخيرًا في تحكمه بالميليشيات. وأصبح هو القائد الوحيد للميليشيات، وهذا سيكون تحولًا في غاية العنف لتلك الحرب، والذي لن يكون في صالح مصطفى وجيشه أبدًا. ************ _يعني يا نوح، هو في حد يشوف رفعت بيقوله تعالى ويقوم رايح له؟! جلس كل من نوح وعمر في منزل يوسف، كان يقف أمامهم يوبخهم بينما كانا مطأطئي الرأس كالطفلين المستسلمين لغضب وليهم. نظر يوسف إلى عمر وقال له: _وأنت ليه تروح معاه؟ إنت كمان إيه دخلك في كل دا؟ كنت هتودي نفسك في داهية. رفع عمر منكبيه بلا مبالاة وقال ببرود مع اضطراب طفيف: _اللي شوفته مكانش أسوأ من اللي مريت بيه مع أدهم، كده كده. هدأ يوسف محاولًا إخماد نار غضبه وخوفه على نوح، ثم قال: _طب احكولي شفتوا إيه بالظبط؟ مين قتل رفعت؟ ودخلتوا إزاي والميلشيات موجودة؟ سرد نوح له كل ما رأوه وما حدث، ويوسف كان يستمع له بانتباه حتى انتهى نوح ليقول يوسف: _إشمعنى أدهم قرر يقتل رفعت دلوقتي؟ كأنه بيسيب المجال لنور لسبب معين. سأله نوح هنا وهو يلتفت حوله: _صحيح. هو نور فين؟ _نور مين؟ _لا، مش الديب أكيد، قصدي تلميذك نور الصاوي. هو قال إنه بيقعد هنا دايمًا. عايز أشوفه أكلمه في موضوع كده. ظل يوسف يحملق في نوح بنظرات مستاءة، فتحير نوح من تلك النظرات وقال يوسف بنبرة تظهر تبرمه الشديد: _واضح إنه ضحك عليكم كلكم مش كده؟ قطب جبين نوح متعجبًا وقال: _هو مين دا اللي ضحك علينا كلنا؟ _معرفش مين يا نوح، أنا بجد معرفش مين نور اللي بتتكلموا عنه كتير دا. أنا قولت سليم اللي مضحوك عليه، بس معقولة كلكم مضحوك عليكم؟! اتسعت عينا نوح في صدمة وقال بوجه مكفهر: _يعني إيه مضحوك علينا يعني إيه؟ هو دا مش أخونا؟ أنت متعرفوش؟ _لا يا نوح، معرفوش. بس فكرة إنه أخوك معرفهاش برضه. نهض نوح واقفًا معترضًا، وظهر الامتعاض الشديد في صوته: _هو إيه؟ أنت كل حاجة معرفش؟ أنت متعرفش حاجة خالص؟ أومال تعرف إيه؟ لو دا مش أخونا يبقى مين نور؟ مين أخونا الأخير؟ وقف عمر ليهدئ من انفعال نوح الذي قد يؤدي إلى انهيار عصبي. فوقف يوسف هو الآخر، وهو يتحدث بنبرة هادئة لكي لا يحتد احتدام نوح: _نوح، أنا مش بتكلم في فكرة إنه ميبقاش أخوكم ولا لا، بتكلم في فكرة إنه يكون تلميذي وعايش معايا. قال نوح وهو يحدق في عيني يوسف: _لا، أنت كده بتلف وتدور، وأنا مبحبش كده. قولي مين نور الحقيقي يا يوسف. قولي مين أنت أكيد عارف. أنا شوفتك مع أمي، أنت كنت بتعمل نفسك أبويا زمان، كنت بتمثل على إنك أبويا. وأكيد كنت بتشوف سردار اللي كان معاه طفلة صغيرة. هي دي نور صح؟ هي دي الطفلة الصغيرة صح؟! شخص يوسف ببصره في صدمة وقال بنبرة خافتة يظهر عليها الارتجاف الطفيف: _إزاي عرفت كل دا؟ جحظت عينا نوح في سخط، وأمسك بثياب يوسف بقوة وهو يصيح في وجهه: _عرفت إزاي؟! عرفت إزاي؟! هو مكانش المفروض أعرف؟! أنتوا اللي مسحتوا ذاكرتي؟! أنت تحكيلي حالًا وتفهمني الموضوع ولا أقسم بالله أقطع لحمك دلوقتي حالًا!! أمسك عمر بيد نوح وحاول أن يبعده عن يوسف ويهدئه. وحين ابتعد، ووقف أمامه، قال يوسف وهو يهذب ملابسه: _أنت ضحية لسردار يا نوح، لا أنا ولا أمك شاركنا في حاجة، بالعكس. إحنا كنا بنحاول ننقذك. وكل اللي أقدر أقولهولك إننا انقذناك فعلاً... بس مقدرناش ننقذ نور. ظل نوح يلهث من تزاحم مشاعر الصدمة والقهر في قلبه، والتي أحرقته وهو يحدق في يوسف بحسرة ويأس. ليردف يوسف قائلاً: _هتعرف الحقيقة في يوم من الأيام. هتعرف الحقيقة لما تقدر تتحكم في نفسك وعقلك. هتعرف الحقيقة لما تبقى موزون نفسيًا. إنما بالحالة دي... مستحيل تقدر تتحمل الحقيقة، ومستحيل تقدر تتعايش بيها. نسيانك لماضيك نعمة... لو عايز تفتكره، عالج نفسك عشان تقدر تستحمله. أما كوني بقول إني معرفش نور الصاوي أخوكم ولا لأ، دا لأن أدهم مستحيل يكتفي بسبع عيال بس... طبيعي جدًا يخلف أكتر من كده... ولو ليلى قالتلك إنه هيخلف سبعة بس دا عشان كان مضحوك عليها. محدش بيتوقع أدهم، وأدهم مبيمشيش بقواعد. ظل نوح يحملق في يوسف في صمت، انفاسه متسارعة وهو يعيد ما سمعه في ذهنه، كما لو ان كل كلمة خرجت من فم يوسف كانت طعنة في قلبه، تمزق بقايا إيمانه بحقيقة من حوله. كان في كل لحظة يكتشف جزءًا جديدًا من ماضيه المشوه، ليغرق في حيرة لا متناهية، وتدور في رأسه أسئلة لا إجابات لها. وسأله هنا بتهدج: _مين أم نور؟ مين أم البنت؟ _معرفش هويتها، لأنها الوحيدة اللي كانت من عوام الشعب، عكس أمهاتكم التانيين اللي كانوا من عصابته او قريبين من عصابته. كل اللي أعرفه عنها إنها مصرية مسيحية، واحتمال كبير تكون ماتت أصلاً. إن نوح قلبه مشدود بين الماضي الذي يكاد ينهار أمامه والحاضر الذي يلفه الغموض، وكأن الأرض زلزلت تحت قدميه، ولم يعد يعرف أين يقف. مشاعره مختلطة بين الصدمة والقهر، والشعور بالخيانة يتسرب إلى أعماقه كالغزاة، يتركه محطماً، لا يعرف إن كان يهرب من الحقيقة أم يواجهها بمرارة لا تحتمل. وكان الرد من نوح على حديث يوسف هو أنه التفت واتجه بخطوات سريعة مستشيطة إلى باب المنزل، وخرج تاركًا إياه ليتبعه عمر خشيًة عليه من أن يؤذي نفسه. _____ (حال مضطرب ٣، لاحقًا)
ROMISAA