٦٢ في فجر اليوم التالي، في منطقة دارين، فتحت فريدة جفونها بألم في قلبها لا يزول، بعدما استيقظت من حلم جميل للتو، حيث كانت بصحبة سليم في جلسة جميلة هادئة بلا نصب أو غصة أو غمة، كانت تريح رأسها على منكب العريض في سكون وراحة، صدرها منشرح من لين دقات قلبها المريحة، تشم رائحته وتلمس يديه، وتسمع صوته وهو يطمئنها. ولكن سرعان ما استيقظت، وعادت روحها للانكماش بشجب وحسرة من واقعها الحالي. نهضت جالسة بأعين حاقدة وأنفاس متسارعة وجسد يتصبب عرقًا، بين ظلمة الغرفة الصخرية صاحبة الهواء المكتوم، وأصوات الأجراس المعلنة عن بدء العمل التي زادت من آلام قلبها، ذلك الألم الملازم لقلبها منذ دخولها هذا المكان. لم يكن ألمًا عابرًا، بل ألمًا تشعر به في كل ضخة من ضغاط قلبها، تشعر بألم الضغطات وضرباته، وتشعر بألم حرارة الدماء التي تتغلغل في جوف أوردة جسدها. وضعت كفيها على عينيها من شدة الإجهاد الساحب للروح، جائعة، تشعر بإعياء ودوار مستمر من نقص الغذاء، صداع مؤلم يطرق في عقلها بضربات قوية، جسد يرتجف دائمًا من شدة السقيع ومن هلعها الدائم الذي تكتمه بداخلها بسبب التجبر والظلم والمعاملة غير الإنسانية التي تواجهها. سب دائم، ضرب دائم، إهانة دائمة. لقد ضاقت بالأمر ذرعًا ولا تطيق الخروج من هذا المكان الأشبه بكابوس من عالم آخر. أثناء ذلك، كان إبراهيم يقف عند مكتب رئيس الموظفين والمسؤول عنهم ونائب سردار شاهين صاحب هذه المشروعات الضخمة لاستعباد الناس وبيعهم. كان ذلك الرئيس يوبخ إبراهيم بصرامة: _لقد وثقنا بك يا إبراهيم!!! كيف لم تمنعها من نشر صورتكما معًا؟!! أجننت؟؟ رد إبراهيم ببرود وثقة: _أنا لم أمنعها، فليس لي سلطة عليها. أنتم لا تصدقون أنها تحبني بحق، وقررت أن تنشر حبها على الملأ للعالم. كان هذا قرارها الخاص ولم أتدخل فيه أبدًا. _كان من المفترض أن تحذرها على الأقل. _قمت بتحذيرها بالفعل، ولكن احترامًا لها لم أسكن تحذيري بشكل مباشر فهي أميرة. سكت الرئيس، قاطعًا وجهه في ضيق وقال هنا: _الملك ويليام أمرنا بالتخلص منك بشكل كامل. تحولت ملامح إبراهيم الباردة الواثقة لتتبدل إلى عيون مصدومة متسعة ليردف الرئيس: _ولكننا لن نتخلص منك بهذه السرعة. سنستفيد منك أولًا، سيتم نقلك إلى مبنى التجارب للقيام بالتجارب عليك، حتى تلقى مصيرك. فاضت عيون إبراهيم بنظرات القهر والحسرة ليقول بصوت مرتجف: _الموت عندي أرحم من أن أكون هناك. _نحن لا نهتم برغباتك، ولكنك أكثر موظف مفيد لدينا، فسنضعك في مبنى التجارب لنستمر في الاستفادة منك. ظل إبراهيم واقفًا يحدق في الرئيس بأسى وصل إلى عنان السماء، حياته طيلة السنين الماضية التي كان يخطط من خلالها خطة شديدة الدقة، وبعد ذلك القرار تم حرقها وأصبحت رمادًا يتناثر بين الرياح ليختفي وجودها وكأنها لم تكن. كل شيء في هذه الحياة له نهاية، إلا ظلم المستضعفين. كل من في الحياة ينال مراده، إلا المستضعفين، فمن المستحيل أن ينالوا حريتهم. كان إبراهيم يحاول ولكنه فشل من أول خطوة له نحو الحرية. وبعد فشله الذريع، أيقن أن الحرية ليست للمستضعفين أمثاله. أيقن أنه لا يوجد حرية في الدنيا الفانية. أثناء سيره إلى مبنى التجارب الذي سيكون مثواه في الدنيا، بدأ يتذكر إلياس، صديقه. ينظر إلى الساحة حيث تم حرقه فيها، ويتذكر الوعد الذي قطع في تلك اللحظة، ويبدو أنه لن يستطيع الوفاء به بعد الآن. يسير بخطوات بطيئة وهو يحدث أحبابه أتشعر بي يا إلياس؟ أتمنى ألا تكون. أتمنى أن تكون حاليًا مشغولًا بنعيم الجنة في راحة وسكينة تامة دون الانشغال بالحجم الذي أخوضه. ولكن ما يهمني إلا أن تنساني، فأنا لن أنساك ثانية قط، كما لم أنسى نور ثانية قط. كلاكما زرعتم بداخلي الرغبة في العيش والوصول للحرية، أن أحرر نفسي والمستضعفين مثلي لكي لا أحد منا يلقى بنفس مصيركم. ولكن ها أنا ستنتهي حياتي بالنهاية ذاتها، نهاية مغمورة بالظلم والاستبداد. أثناء سيره في مبنى التجارب، مرت من أمامه فريدة بصحبة موظف أعجمي. فور رؤيته فريدة، تذكر غادة، تذكر أخته المسكينة المترقبة قدومه بفارغ الصبر بدون كلل. تذكر غادة التي تنتظره منذ ثلاث عشرة سنة، كيف له أن ينساها من شدة يأسه؟ تذكُر غادة أعاد له الحافز من جديد بعدما احترق رمادًا. سيجد أي طريقة ليتحدث فيها مع فريدة، تلك الفتاة الغامضة، ويتمسك بخطته مع الأميرة شارلوت. صعدوا إلى طابق محدد وساروا حتى توقفوا أمام إحدى الغرف التي فور الوصول إليها زاد الضيق في صدر إبراهيم وقال لهم: _ليه بتعملوا فيا كدة؟ قال الموظف الأعجمي هازئًا: _لما العبوس؟ أليست هذه غرفة حبيبتك؟ سردار أمر أن تظل فارغة ولكنه سمح بمكوثك فيها. هيا، ادخل ولن تخرج أبدًا إلا إن نشاء. دفعه الأعجمي داخل الغرفة، ودخل إبراهيم الغرفة مكرهًا، ثم أغلق الباب الحديد الصلب، وتركه إبراهيم في تلك الغرفة هو... ودماء دماد المتجلطة منذ سنتين. ظل إبراهيم يحدق في دمائها، بأعين منهكة سئمت من البكاء وتلقي الصدمات. اقترب وجلس متقرفصًا وبدأ يلمس تلك الدماء المتحجرة بأطراف أنامله المرتجفة، وهو يستحضر المشهد المرعب الذي رآه فور دخوله تلك الغرفة وهي جالسة أرضًا، بطنها ممزقة، يخرج منها جنين، وهي جثة هامدة. كانت نور فتاة لطيفة بريئة لا تستحق كل هذا العناء، كانت حقًا بريئة. يتذكر إبراهيم حديثها المتقطع وصوتها المرتجف وتحركات جسدها حين كانت تعبر عن حبها له. يتذكر عيونها الناعسة رغم براءتها، إلا أن خلفها جهدًا وعذابًا طويل الأمد. وجلس إبراهيم بجانب بقعة دمائها في سكوت وهدوء تام منتظرًا مصيره المجهول. وهنا تكمل فريدة سيرها بصحبة موظف أعجمي وموظفة مثلها تونسية الجنسية، ممسكين بطفل في عمر العشر سنوات تقريبًا، يصرخ من شدة آلام معدته ويتقيأ سائلًا أسود اللون وبه تكتلات مجهولة ماهيتها. أخذوه إلى تلك الغرفة الكبيرة التي كانت أشبه بالمختبر والعيادة في الوقت ذاته، وتظهر هنا تلك الفتاة المصرية التي حقنت إبراهيم بالمادة المعالجة منذ ثلاثة عشر عامًا. يبدو أنها طبيبة مبنى التجارب ومن تكشف على أعراض من به. حين دخلوا قال الأعجمي لها: _هذا الطفل يستفرغ مادة غريبة الشكل. أريدك أن تحلليها وتكشفي على حالته الصحية. كان الطفل يصيح من آلام بطنه ويعول بحرقة شديدة، وفريدة تنظر إليه بشفقة حاولت أن تخفيها. عاد الطفل للتقيؤ، فتمسك الطبيبة بوعاء وتضعه تحته ليستفرغ فيه. وهنا قال الأعجمي: _سأذهب وأعود لكم مجددًا. أنتما ابقيا هنا. تركهم الأعجمي، بعدها قالت الطبيبة لهم: _شيلوه وحطوه على السرير دا. تقدمت فريدة والفتاة التونسية وحملاه ووضعوه فوق السرير، والطفل يصرخ ويترجاهم: _الألم عم ينهش ببطني، ما بقدر أتحمل، الله يخليكم اقتلوني، ما بدي أعيش، الله يخليكم، الله يخليكم، ما بقدر على هالعذاب. كان الطفل أردني الجنسية، وتقدمت فريدة وهي تواسيه: _ماتقولش كدة، هي هتعالجك والوجع هيروح بس استحمل يا حبيبي استحمل. قالت التونسية: _يظهر عليكي جديدة، المكان هذا ما ينجمش يصلح للمواساة. هنا تقدمت الطبيبة المصرية بحقنة فارغة وهي تقول للطفل: _اوعدني إنك لما تقف قدام ربنا تقوله إنك مسامحني ماشي؟ قال الطفل وهو يومأ برأسه: _والله لاسامحك والله، بس اقتليني. _حاضر. قالت فريدة عاقدة حاجبيها بصدمة: _حاضر؟! وبالفعل، قتلته الطبيبة بفعل حقنة الهواء، وسكن جسده تماما وتوقف عن الصراخ وأغمض عينيه في سكينة وراحة أخيراً، كما لو كان يعود لنوم عميق بعد تعب وعذاب مستمر، قالت فريدة بأعين جاحظتان مصدومتان: _انتِ قتلتيه؟!! نظرت الطبيبة لها وهي تقول ببرود: _آه، عايزاني اسيبه يتعذب كدة؟ عايزاني اعالجه عشان يرجع يعذبوا فيه تاني؟ نظرت فريدة بتعجب شديد للطبيبة ثم نظرت إلى الفتاة التونسية لتجدها متفقة مع الطبيبة وهي تقول: _أنا كنت كيفك كي جيت هوني أول مرة، أما صدقيني، الموت هو أرحم حاجة بش تشوفيها هوني، وهي أجمل هدية تنجم تعطيها لكل واحد في هذا المكان. التزمت فريدة الصمت وهي تنظر للطفل بحسرة شديدة وهي كظيمة، كادت أن يتفجر جسدها من ضخامة الغصة في صدرها، والطبيبة عادت لتحلل تلك المادة التي استفرغها الطفل، لتردف التونسية بسؤالها: _شنو اسمك؟ _فريدة... _وانا هند، وهيكك تتسمى بندى، كيفاش جيتي لهنا؟ نظرت فريدة لهند وهي تقول: _إيه؟ _يعني كيف جيتي هنا، يعني تم بيعك؟ كنتي لاجئة؟ كنتي محكومة عليكي بالإعدام أو المؤبد؟ قالت فريدة وهي تنفي بتحركات رأسها: _لا لا... أنا بيعت نفسي. التفتت الطبيبة ندى لفريدة وهي تقول باستغراب: _جيتي هنا بنفسك؟ حرفيا اللي إنتِ أغبى خلق الله، إنتوا واللاجئين، معرفش إزاي الشخص يسيب وطنه وأرضه لأجل المال. نظرت فريدة لندى بأعينها المتسعتين وقالت لها بنبرة ظهر عليها الغضب وهي تتحدث بسرعة كما لو كانت تنفجر في وجه ندى من شدة الضغط: _وطنه وأرضه؟ هو إنتِ من النوع اللي بيصدق الأساطير والكلام الفارغ ده؟ مفيش حاجة اسمها وطن، دي كلمة خرافية بيقعدوا يقولوهالك عشان تستحملي الجحيم اللي إنتِ عايشة فيه. ابنك مات من الجوع، استحمل عشان الوطن، أمك ماتت عشان مش لاقية تمن علاجها، استحمل عشان الوطن، كرامتك بتتهان كل يوم من اللي معاهم فلوس، معلش استحمل عشان الوطن، أهلك بيتقتلوا من شوية عصابات وسخة، معلش استحمل عشان الوطن، معندكش هدوم تلبسيها، ما عندكش بيت تستري نفسك فيه، معلش استحمل عشان الوطن، مش عارف تاخد حقوقك العادية، معلش استحمل عشان الوطن. إنتِ بتسمي الزريبة دي وطن؟ إنتِ حابة إنك تنتمي للزريبة دي وتحبها أوي كده؟ لو شايفة الزريبة دي وطن، فيلعن أبو وطنك!! حين انتهت فريدة من حديثها المنفعل السريع، سكتت وهدأت، وظلت ندى تحدق فيها ببرود، وحين تأكدت أن فريدة انتهت قالت ندى لها: _ما عنديش مانع تطلعي ضغطك وطاقتك السلبية عليا.. أتمنى تكوني مرتاحة دلوقتي ولو بنسبة بسيطة. _أنا آسفة... _ولا يهمك، أنا مش هنكر كلامك في كل الأحوال، حاسة بيكي. نظرت فريدة لهند وهي تقول لها: _وأنتِ؟ جيتي هنا إزاي؟ تنهدت هند بهم وقالت: _هيّا حكاية طويلة برشا. قالت فريدة: _قوليها.. إدينا قاعدين مش هنخرج إلا بإذن أبو وش أحمر ده، بس ياريت توضحي كلامك، إنتِ عارفة... صعب علينا نفهمكم مع احترامي يعني. ابتسمت هند وبعد صمت طال قالت محاولة تبسيط لهجتها لها: _في الحقيقة، حتى توا ما نعرفش السبب اللي جبني لهنا. كنت مرأة لراجل مصري وواجهنا مشكلة في الإنجاب لخمس سنين، لحد ما جابني لمصر باش يعالجني. وبالفعل، بعد شوية، حملت وجبت بنت جميلة، عيونها زرقا كيما عيون جدتي وسمّيتها سعدية كيما اسمها. اسم غريب، أما زوجي ما اعترضش. أما وقت اللي ولّيتها، يعني لما أنجبتها، المصايب بدأت تطيح علينا من كل ناحية. كل ما تكبر، تحس كانو ثمّة حد يطاردها ويحاول يخطفها. لحد ما وصلنا لسنها الخمسة عشرة، وجاتنا عصابة مجهولة، قتلوا راجلي وخطفوني أنا وبنتي. ومن وقتها بعثونا لهالمكان الملعون. لكن لحسن الحظ، بنتي قدرت تهرب لمصر بطريقة ما وأنا كملت معاهم. نعرف إنهم ما زالوا يدوروا عليها، أما لحد هسا ما شفتهاش هنا، وهذا يعني إنهم ما مسكوش فيها بعد. قالت فريدة بتعجب: _غريبة، ليه في عصابة كانت بتطاردك؟ رفعت هند منكبيها بيأس وهي لا تعلم، بعدها نظرت فريدة لندى التي كانت ما زالت تحلل في تلك المادة. _وأنتِ؟ جيتي إزاي؟ ظلت ندى صامتة برهة إلى أن بدأت في الحديث، ولكن سرعان ما توقفت فور دخول موظفين آخرين وهم يحملون رجلاً في منتصف العمر يئن متألمًا بإنهاك، ووضعوه على إحدى الأسرة. وفور أن سمعت فريدة صوته، ورأت وجهه، شعرت أن قلبها ينسدل من بين رئتيها ويرتطم بين قدميها من الصدمة التي لم تشعر بمثلها فور قدومها إلى هنا، صدمة جعلتها تفقد القدرة على الحراك أو التنفس حتى، تيبست تمامًا كما تيبس شعر جسدها ورأسها مما رأته. فذلك الرجل كان أبيها. ******** بعد انتهاء نوح وغادة من صلاة الفجر في غرفتهم في منزل عمر، صلاة الفجر التي كانت مليئة بالبكاء المكتوم من نوح والتي كانت تسمعها غادة، لبِثَ نوح في مكانه على الأرض، وهو يحدق في الفراغ بصمت تام، لتتقدم غادة وتجلس بجانبه، وتمسح دموعه بإبهامها وأصابعها، وهو سارح تمامًا لا ينظر إليها. لا تعلم ما الذي حدث له بعدما تم خطفه من الميليشيات، ولكن تلك النظرة التي على عينيه، تلك النظرة الجاحظة وتلك العيون التي لا تطرف، تحملان رعبًا وهرعًا لا يوصف، يحملان صدمة قاتلة. بعدما مسحت دموعه، ظلت تحسس على شعره الطويل الذي كان يصل إلى منكبيه من شدة طوله، تحك فروة رأسه وتمر بخصلات شعره بين أصابعها. تحاول تهدئته دون التفوه بأي كلمة ظنًا منها أن كلامها سيزعجه، ولكنه قال لها هنا: _مبتتكلميش ليه؟ _حاسّة إنك مش مستحمل تسمع كلام أي حد. _لا اتكلمي، إنتِ بالذات صوتك بيطمني، اتكلمي. صمتت غادة قليلًا في تردد ثم قالت: _أول ما صحيت كنت مبسوط... بس لما افتكرت اللي حصلك فضلت على الحال ده، والحال اللي إنت فيه ده عمري ما شوفته عليك... حتى بعد ما رجعت من روسيا مكنتش كده، إنت شوفت إيه مع الميليشيات؟ عملوا فيك إيه؟ ظل نوح صامتًا إلى أن قال لها سبب خطف الميليشيات له، وسرد لها ما حدث ولم يذكر تفاصيل التعذيب، كان يتحدث بصوت ضعيف مرتجف منهك، يظهر حجم الأهوال التي رآها، وكلما تزداد الأهوال، يزداد ارتجاف صوته، بعدها أنهى حديثه بقوله وهو يحدق في يديه التي لم تكف عن الارتعاد: _أنا كنت بصرخ وبقولهم يوقفوا بس مكانوش بيقفوا، كل ما أترجاهم كل ما يضحكوا عليا ويستهزقوا بيا رغم إني كنت بتألم وكنت بعيط... إيه المضحك في إني بتألم؟ ليه حاجة زي دي تبسطهم وتخليهم يضحكوا؟ جحوظ عينيه من شدة الحسرة والاحتدام لم تهدأ، وحين سأل هذا السؤال ازداد قطابه وجهه ونظراته الحادة، فبدأت غادة تحسس على ظهره وهي تكظم بكاءها وقهرتها. _ناس كتير بيشوفوا أوجاع الناس مادة للسخرية، للأسف. _ليه...؟ رفعت منكبيها في يأس وهي تقول: _عشان هم ناس وسخة، معرفش، مفيش أي مبرر لتصرفات الناس... وأسوأ حاجة إننا نحاول ندور لأننا مش هنلاقي. سكت نوح قليلًا وهو يحاول حل هذا اللغز، أن يؤذي الإنسان إنسانًا مثله وهو في حالة عارمة من المتعة والرضا، لهو أمر جنوني وملغز وعجيب. لطالما كان يتساءل نوح هذا السؤال، رغم أنه ليس رجلًا محبًا للسلام ولا يمتاز برحمة خارقة يوزعها على الناس، ولكنه لا يفهم مضمون الأذى غير المبرر، ولكنه تدريجيًا بدأ يفهم: _بيعملوا كده عشان في إيديهم قوة، اللي في إيده قوة دايمًا بلاقيه كده، حتى لو كانت قوة بسيطة، لازم يستغلها بالشكل ده. عمري ما شوفت حد عنده قوة نفسية أو جسدية أو مادية أو مجتمعية إلا ولقيته كده... إلا لو لقيته طاغي ومستبد، حتى لو قوته تافهة، حتى لو هو حثالة ومعندوش أي قوة، هيحس إن عنده قوة في الحيوانات وهيطلع قوته فيهم بالشكل ده. السر هي القوة، القوة هي اللي بتخليهم كده. _وهي القوة ممكن تستخدم في إيه غير في الظلم؟ نظر نوح إليها مصدومًا من ردها وهو يقول: _متقوليش كده يا غادة... القوة مش مخلوقة عشان ظلم الناس ولا لتعذيبهم. _أومال عشان إيه؟ _القوة مش حاجة روتينية، القوة بتطلع وقت الحاجة، القوة ردّة فعل ومش فعل. سكتت غادة قليلًا ثم قالت بيأس: _بس الضعف يختلف، الضعف حاجة روتينية وفعل بالنسبة لنا الغلابة. جملتها أسكتت نوح حين شعر أن بها ما هو صواب، وبعد صمت دار بينهما، سمع مايا يقول له: ~الموضوع مثير للسخرية نوعًا ما وأنا عارف إن اللي بيتكلم ده بيمتلك أقوى قوة في العالم، ومتضايق من الناس اللي عندهم قوة عبيطة. التفت نوح للمرآة ليرى مايا، ليردف: ~مش محتاج أفكرك إن بموتك القوة دي هتتفعل، ووقتها تقدر تغير نظام العالم للي إنت شايفه عادل بالنسبة لك، يعني ميولك الانتحارية ورغبتك في الموت الدائمة دي هتجيب بفائدة كبيرة. _الرغبة دي راحت من عندي... قالت غادة: _رغبة إيه؟ _لا ولا حاجة، كنت بكلم مايا. تحولت نظراتها تمامًا وعقدت حاجبيها في صدمة وقالت بصوت عالٍ في غضب: _نعم؟؟؟!!! مايا مين دي؟؟؟ انتفض نوح واستوعب ما قاله لينظر لها وهو يقول بسرعة: _لا لا لا مش مايا واحدة لا د... دي... دي القوة اللي جوايا... هو اسمه كده هو واحد مش واحدة والله أنا مش بخونك والله. عادت نظرات الحيرة في عينيها وهي تقول: _نوح، أنا مش فاهمة حاجة. سكت نوح وشعر أنه حان الوقت لتعلم أسراره، وقال بعدما تنهد: _غادة، إنتِ لازم تعرفي سر العيلة دي، لازم أفهمك الدنيا كويس، بس إنتِ هتصدقيني؟ قالت غادة في ربكة وحيرة: _ه... هصدقك. _أنا هبدأ معاكي زي ما أمي بدأت معايا، وهحكيلك عن السبع إخوات والثريا... ********* مع انبلاج عَبُ الشمس كانت علا جالسة عند حديقة منزلها على الأرض ومتّكئة على شجرة. هي أيضًا تحاول أن تستوعب الفاجعة التي مرت بها، رغم أنه لم يغتصبها أحد منهم، إلا أن ما حدث ما زال يؤلم قلبها كالدبوس الحاد الذي يغرز فيه في كل مرة تتذكر ما حدث. بجانبها مجموعة من القطط نائمين بجانبها يحاولون أخذ حرارة جسدها ليتدفؤوا منها. أثناء جلوسها، كانت تتصفح صفحة جمال الشخصية، وبدا عليه من صفحته أنه متواضع إلى حد كبير. لا يضع صوره كثيرًا، منشوراته كانت إيجابية ودينية، ودائمًا ما يقول الحق ويبدأ برأيه. لا يسخر ولا يضع النكات، ولاحظت من تعليقاته أنه لا يحبذ استخدام السخرية وينصح بلين دائمًا. بعدها وصلت لصورة من صوره وظلت تتأمل في وجهه. في تلك اللحظة أتى إليها هيثم حاملًا صينية بها كوبان من الشاي الدافئ. فور أن قدم عليه ابتسمت تلقائيًا ووضعت هاتفها جانبًا وجلس أمامها وهو يقول: _عملتلك شاي بالورق اللورا زي ما بتحبي. ابتسمت علا ابتسامتها الفاتنة وهي تقول: _شكرًا يا حبيبي. _هتزوري يامن النهاردة؟ أومأت برأسها ليردف: _طب خديني معاكي، أنا أه مش بطيقه، بس برضو الواد تعب واتدشمل عشان يدافع عنكِ. ظلت علا صامته، وهيثم يحدق فيها بقلق فهو لا يعلم أنهم كانوا يريدون اغتصابها. هي لم تسرد لهم هذا الأمر أبدًا، ولكن من حالتها النفسية شعر أن الأمر أكثر من كونه محاولة اختطاف كما قالت لهم. _علا، هما معملولكيش حاجة صح؟ _لا، لا يا حبيبي معملوش، متقلقش معملوش حاجة، أنا سليمة قدامك إهو. _أنتِ سليمة جسديًا... بس نفسيًا أنا مش شايف دا، بس حقك برضو، أنتِ كنتِ في مكان خطر... في تلك اللحظة أتت عينا هيثم على هاتفها ليرى أنها كانت تشاهد صورة جمال. تمالك هيثم مشاعره وقال بنبرة طبيعية: _مين دا؟ نظرت علا للهاتف ثم قالت وقد عرضت ابتسامتها: _دا... صاحب أخويا ومتقدملّي وكده، فبشوفه وبشوف أكوَنتُه وكده. اتكلمت معاه مرة بس واخدت رقمه ونفسي أتكلّم معاه أكتر وأتعرّف عليه، بس هو بيرفض. _بيرفض ليه؟ هو مش متقدملّك؟ _مهو مش عايزنا نتكلم كده لوحدنا... عشان حرام. سكت هيثم قليلًا ثم قال: _طب... وإيه رأيك فيه؟ ملاحظ من طريقة كلامك إنك متقبلاه. ظلت علا مبتسمة في صمت إلى أن قالت: _بصراحة يعني أه، بس أنا عايزة اتحكم في مشاعري دي لحد ما اتكلم معاه بجد، لأن... ممكن يكون فيه بيننا حاجات مختلفة متكملش الموضوع. أومأ هيثم برأسه وأثناء ما كانا يشربان الشاي تحجرت علا مكانها فور أن رأت أن هناك فتاة واقفة عن شرفة غرفتها، مطموسة الملامح لا يظهر سوى عينيها الصفراوتين المنيرتين. _هيثم، أنت شايف دا؟ التفت هيثم لما تشير إليه علا ليقول بحيرة: _شايف إيه؟ مش شايف حاجة. سرعان ما اختفت تلك الفتاة ليزداد فضول علا وتضطر أن تنهض لتذهب إليها. _معلش يا هيثم استناني ورجعالك. دخلت علا المنزل وصعدت لغرفتها بسرعة ودخلتها، وجدت ليزا قطتها تحدق في مرآة الغرفة بوضعية الدفاع وهي خائفة، منتصب شعرها تمامًا. _ليزا؟ في إيه؟ شوفتي إيه؟ ظلت القطة تحدق في المرآة برعب لتقترب علا من المرآة وهي متحيرة، وأثناء ما كانت تنظر للمرآة بطبيعتها كأنثى، فظلت تحدق في ملامحها بشكل تلقائي، ولكنها شعرت أنها ظلت تحدق بشكل مبالغ فيه ولا تستطيع أن تشيح بنظرها. وظلت تحدق إلى أن تبدل المكان تمامًا، لتجد نفسها في مكان روح قوتها. فزعت علا وظلت تنظر حولها بسرعة وذعر مكتوم متهيعة لا تفهم شيء، إلى أن استوقفها جسد نائم على الأرض. كانت فتاة ضخمة الجسد الأرجواني، طولها يزيد عن ثلاثمائة متر، وشعرها الأبيض يطول عن خمسمائة متر، نائمة على جنب على الأرض، وشعرها المسترسل منسدل حول وجهها. ظلت علا متيبسة مكانها تحدق بأعين لا تطرف على هذا الجسد وهي تمتم بالقرآن، بعدها تحركت تلك الفتاة وهي تمطط جسدها وتتثائب بصوت عالٍ بكسل شديد. بعدها جلست وأزاحت شعرها من على وجهها لتظهر ملامح علا فيها وهي تقول: ~أهلا... عقدت علا حاجبيها في صدمة وحيرة قوية من تحدث هذا الكائن: _أهلا؟! قالت تاچيتي بصوت كسول وملامح كسولة باردة: ~هما مقالولكيش عني؟ هما مين؟ زفرت تاچيتي أنفاسها بصوت مصاحب بالأنين بسبب إستياها وضجرها الشديد، وهي تقول: ~يعني أنا هقولك كل دا تاني؟؟ _هو أنا بحلم ولا إيه؟! هنا بدأت تاچيتي تسرد لها كل شيء يخصهم وكل شيء يعلمه نوح ومصطفى من روح قوتهما. كان أسلوب حديث تاچيتي مضجرًا وكسولًا إلى حد كبير، كانت تنام تارة أثناء حديثها وتجلس تارة أخرى، ويغلب على صوتها الكسل القاتل. وحين انتهت، تنهدت وعادت للنوم وهي تقول: ~بس كده كفاية خلاص عايزة أنام مش قادرة. قالت علا وهي في حالة شديدة من التعجب والدهشة: _ي... يعني أنا عمري ما نمت في حياتي عشان سيادتك كنتِ نايمة؟ ~آه، إلا أمبارح، صحيت عشان أقتل ولاد الكلب دول. _ ش... شكرًا، ب... بس أنا عايزة أنام يعني، ممكن تقعدي يوم صاحية عشان أنام فيه؟ ~لا لا لا صعب أوي، عايزة أنام. _طب قومي طيب كده اتكلمي معايا في حاجات عايزة أعرفها. نفخت تاچيتي بقوة وهي تجلس وتقول: ~هاااا، اتفضلي قولي عايزة إيه؟ _ه... هو إيه كوكبكم بالظبط؟ سكتت تاچيتي قليلًا وهي تفكر إلى أن قالت: ~والله أفتكر مايا قالي أنتوا مسمينه إيه، مسميينه Gliese 12b باين، ابقي دوري عليه بقى. _طب أنا مفهمتش إيه هي قوتنا، يعني إيه الكاذنات الحية يعني هنعمل بيهم إيه؟ ~الإنسان هتقدري تقرأي أفكاره، والحيوانات هتقدري تفهمي لغتهم، حتى النمل هتسمعيه وتفهمي لغته. ابتسمت علا بشكل تدريجي وهي تقول: _طب والله مش بطال، قوة حلوة، بس مش مفيدة يعني. قالت تاچيتي بنبرة ساخرة: ~آه لما تقعدي مع عدوك وتعرفي أسراره كلها وخططه من تفكيره من غير ما ينطق، دا كده مش مفيد فعلاً. _طب على فكرة عندك حق، أنتِ ذكية على فكرة. ~طيب طيب، المهم لقائنا دا هو اللي بيفعل قوتك، فبعد ما ترجعي لدنيتك هتبقي قادرة تفهمي الحيوانات وتقرأي أفكار الناس. _طب هو دا دايمًا ولا لما أحتاج؟ ~لما تحتاجي طبعًا، أكيد مش هتسمعي أفكار كل الناس اللي حواليك كده هتتجني. أنتِ بس بمجرد ما تبصي للشخص وتختاري إنك تسمعيه بنيتك وبرغبتك هتلاقيكي سمعتيه، ونفس الموضوع مع الحيوانات. أومأت علا برأسها دلالة على فهمها للأمر، ثم سألت: _طب إزاي هستخدم قوتي وإنتِ نايمة؟ مش المفروض تكوني صاحية؟ ~لا عادي هكون واعية، لأننا عندنا عقلين وثلاث قلوب، وأنا بنام بعقل وببقى واعية معاكي بعقل، وقلبنا الأولاني مات خلاص، ومنها العلماء حولونا لأرواح قوى بعد ما موتونا أول مرة عشان نعيش بالقلب التاني جواكم، وكفاية لحد كده عشان عايزة أنام. _ط.. طب.... كادت أن تتحدث، ولكن تبدل المكان فجأة وعادت إلى غرفتها. تنهدت علا وهي منزعجة، وظلت واقفة برهة تحاول استيعاب ما قالته لها تاچيتي، لتقرر أن تستخدم قوتها على هيثم كتجربة. خرجت علا إلى الحديقة، ولكنها لم تجده، فعادت للداخل وصعدت إلى غرفته وطرقت بابها، ليسمح لها بالدخول، وفور أن دخلت قالت له: _إيه يا هيثم؟ مش قولتلك تستناني؟ _ما أنا استنيتك يا حبيبتي، وقعدت ساعتين، وقولتي أنتِ نمتي بقى ولا حاجة، فرجعت الأوضة. قالت علا مندهشة: _أنا قعدت ساعتين؟! _آه والله، وأكتر كمان. سكتت علا قليلاً وظلت تحدق فيه حتى قالت: _ط.. طب مقولتليش إيه رأيك في جمال اللي متقدملي؟ _حلو، لو شايفاه مناسب مش مشكلة، أنا مش شايف إن فيه حاجة... ༼يارب يكون فيه مشكلة والموضوع ميكملش༽. صدمت علا مما قاله في أفكاره بعدما انتهى من الحديث، وحين لاحظت نظراتها المستغربة والمتفاجئة، قال لها في حيرة: _مالك يا علا؟ أنا قولت حاجة غلط؟ _ل.. لا، مفيش حاجة. وخرجت من غرفته تاركة إياه. ********** عيد البعث، وهذا عيد اخترعه نور الديب وأتباعه بمناسبة عودته من الموت، والذي كان في نظرهم معجزة بالطبع. احتفالهم بهذا العيد سيستمر لمدة أسبوع كأقصى حد، وسيحتفل به نور بسيره مع جمهوره بين الشوارع لنشر بركاته المزيفة لهم والتحدث معهم والتواصل معهم. وفي الهاجرة، كانت هاجر تسير مع مريم بعدما انتهت من المدرسة لتوصلها إلى المنزل، وأثناء سيرهما قالت مريم لهاجر: _هتحلي معايا واجب الماث النهاردة؟ _إشمعنى؟ _أصل المرة اللي فاتت لما حليتي معايا جيبتي درجات حلوة أوي، شكلك شاطرة فيه. _أنا شاطرة في كل حاجة. وصلوا إلى المنزل وصعدوا ودخلوا، فقد عادتا نجلاء ومريم إلى منزلها بعدما سمح مصطفى لها في المكالمة الأخيرة، وقررت هاجر أن تجلس معهن بسبب حبها لنجلاء وريهام ومنار أيضًا، وقرروا المكوث معها سويًا. دخلت هاجر وسلمت على ريهام، وبعدها قالت هاجر: _نجلاء لسة نايمة؟ _أه، الحمد لله، كويس إنها ما صحيتش وانتِ مش موجودة. _هي في العادي بتنام لبعد الظهر كده؟ _لا، بس اليومين دول بتطول في نومها ونومها تقيل، متفهميش ليه. سكتت هاجر قليلاً ثم أردفت بسؤالها: _منار لسة مرجعتش؟ _لا، لسة يا حبيبتي، اقعدي ارتاحي هي شوية وهتيجي. قالت مريم هنا لريهام: _أنا هروح أصحي ماما عشان تلحق تصلي الظهر. ابتسمت ريهام ابتسامة فخر وهي تقول: _ماشي يا حبيبتي، روحي. كانت ريهام جالسة على طاولة السفرة تقوم بتقطيع الخضراوات إلى أن تأتي منار ببقية المكونات. قررت أن تشارك هاجر ورحبت ريهام بالأمر بشدة. كم تعشق هاجر تلك الجلسات البسيطة التي تجعلها تشعر بالانتماء والدفء الأسري الذي طالما كانت تتمناه. تجلس مع ريهام وتقطع الخضراوات معها وهي تحدثها عن حال البلاد وحال الناس. ورغم أنها قد تكون أشياء عادية ومضجرة للغالبية، إلا أنه بالنسبة لهاجر فهذه الأشياء البسيطة المضجرة كالجنة على الأرض من شدة النعيم والسكينة التي تشعر بها حين تقوم بها. _يا خبر، أنا نسيت أقول لمنار تجيب توابل، معلش يا هاجر يا حبيبتي، ينفع تقومي تجيبي من العطار اللي جنبنا ده؟ _حاضر، بس قولي لمريم بقى متصحيش نجلاء على ما أجي. نهضت هاجر وغسلت يديها وأخذت المال من ريهام بعدما علمت التوابل المحددة، ثم خرجت متجهة إلى العطار، ذلك المتجر الخاص بوالد إسماعيل والذي يعمل فيه إسماعيل أحيانًا حين يحتاج والده لمساعدته. فعمل إسماعيل الأساسي هو عمل حر وليس في متجر العطارة. وصلت هاجر للمتجر وسلمت على إسماعيل، وبينما هي تطلب التوابل المعينة دخل جمال في اللحظة ذاتها وهو يسلم على إسماعيل صديقه. فمن عادة جمال أن ينتهي من عمله ويأتي لإسماعيل إذا رآه في المتجر. بينما كان إسماعيل يخرج لهاجر التوابل التي طلبتها وهو يحدث جمال، توقف جمال عن التحدث فجأة فور أن وقعت عيناه على وجه هاجر، لم يستطع أن يزيح بصره من شدة ملامحها المألوفة ومن تفاجئه بوجودها، فهي فتاة تشبه "آنية" إلى هذا الحد. حين لاحظ إسماعيل أن جمال يحدق في وجه هاجر بشدة ضربه على رأسه ليستفيق ويغض بصره بسرعة. بعدها أعطى إسماعيل لهاجر التوابل وأعطته المال ثم خرجت. وفور أن خرجت، وبخه إسماعيل بقوله: _إيه يا جمال، إنت اتجننت؟! كنت مبحلقلها بالشكل ده ليه كده؟ _يا إسماعيل مش قصدي، هو إنت مفكرني هعمل كده بمزاجي؟ هي بس كانت شبه واحدة أعرفها زمان فكنت ببص من غير قصدي عشان أتأكد هي ولا لا. سكت إسماعيل ليُنهي الأمر، وبعد قليل بدأوا يسمعون ضجة تقترب إليهم، ضجة تجتمع بصوت ناس يهتفون، صوت دق دفوف وطبول، ووقع مئات من الأقدام. وفور سماعهم بذلك قال إسماعيل: _هما الصوفيين بيحتفلوا بمولد النبي تاني ولا إيه؟ قال جمال: _أتمنى ده ميبقاش ليه علاقة بعيد البعث اللي عمله المختل نور، لأني كنت شوفت عالنت فيديوهات ليه وهو بيمشي في الشوارع وحواليه ناس كده بيحتفلوا بيه. وبالفعل مع اقتراب ذلك التجمهر من شارعهم ظهر ماهيته، مجموعة من الرجال يرتدون زيًّا غريبًا ملونًا وأقنعة خشبية غريبة الشكل يضربون بالدفوف والطبول، ومجموعة أخرى منهم يحملون على أكتافهم عرشًا يجلس عليه نور. وكان يلقي جرامات الذهب في الحشود التي تسير حوله ويلقي رزمًا من المال، ينثر المال وجرامات الذهب على الأرض طوال سيرهم احتفالًا برجوعه للحياة. والحشود من حوله التي تعدت المئات يهتفون باسمه ويدعون له ويمجدونه تمجيدًا خارقًا. والعقلاء من شارع مصطفى واقفون يحدقون فيه بنظرات استهزاء وتعجب منهم جمال وإسماعيل. ومن كان في البيوت بدأ يطل النظر من شرفته كما فعلت نجلاء وهاجر وريهام ومريم. وفور اقتراب نور تحت شرفة نجلاء أمرهم بالتوقف. توقفوا رجاله حاملين عرشه والتفتوا باتجاه الذي أتوا منه وتوقفوا في هذه الوضعية. ومن كان يدق الدفوف وقف أمام العرش في صف كالسور للحراسة، وأمامهم الحشود يهتفون باسمه ولم يسكتوا إلا بعد أن أشار نور لهم بالصمت. وكل من في الشارع من الرجال خرجوا من متاجرهم ومن خرجوا من المسجد، ومن خرجوا من المقاهي ومن كان يسير في طريقه ولكنه توقف ليرى هذا المشهد العجيب. كان عرش نور محاطًا بمكبرات صوتية لكي يسمعه أكبر عدد ممكن. وفور أن توقف به رجاله وهدأت الحشود، بدأ في التحدث: _في ظل الظروف الصعبة دي، ربنا أظهر رحمته بيكم في إنه يرجعني للحياة، يرجعني للحياة عشان أنقذكم من الحرب والجوع والفقر، وعشان أوزع عليكم بركاتي اللي هتدخل النعيم في حياتكم وعشان... قاطعه جمال بصوت عالٍ وعظيم: _ارجع مطرح ما جيت يا كافر، إحنا مش محتاجينك في حاجة، يكفينا ربنا وبس، يلا امشي من هنا!! كاد الحشود أن يجمّعوا حول جمال ليفتكوا به ولكن منعهم نور بقوله: _سيبوه، سيبوه، مهو النبي لازم يواجه جهل قومه، فكل الأنبياء قومهم كانوا بيقولوا عليهم سخره ودجالين زي ما بيحصلي دلوقتي من مصطفى وأتباعه. قال إسماعيل وقد ازداد غضبه: _نبي مين يا عم إنت متخلف؟ _شوفتوا؟ هما دول أتباع مصطفى بتاع ربنا والأخلاق، مصطفى الإرهابي اللي حاول يقتلني. هما دول أتباعه. اسمعوا يا أهالي وعرفوا غيركم، الميلشيات بعد ما استوطنوا صعيد مصر قرروا ييجوا للقرى الريفية والمدن، وأنا بقولكم إنهم هيهجموا على القرية دي الأسبوع الجاي في نفس اليوم ده بنفس الساعة. أنا بأمركم تهربوا في أسرع وقت قبل ما يحصل هدر للأرواح. هنا بدأ بعض رجال الحي الذين كانوا يشاهدون يضحكون ساخرين منه، ومن ثم قال أحدهم: _وأنت عايزنا نصدقك يعني؟ قال رجل آخر: _إنت مفكرنا أغبيا عشان نسيب شغلنا وبيوتنا؟ مفكرنا أغبيا دي أتباعك عشان نسيب حياتنا ونصدقك دجلك ده؟ قال رجل ثالث: _لو بتعلم الغيب وعندك قوة كونية وتقدر تعمل أي حاجة زي ما بتبين لنا، وقف الميلشيات يا أخويا ومتخليهمش ييجوا، أو اخفيهم من على وجه الأرض لو تقدر. ازدادت أنفاس نور من احتدامه وقال بصرامة من شدة غضبه: _إنتوا هتعملوا زي ما مصطفى بيعمل؟ لو مصدقتونيش ومعملتوش اللي بقولكم عليه هتندموا ندم شديد. قال جمال: _امشي يلا يا عبيط من هنا ومترجعش تاني، يلا متفكرش إننا أغبيا زي قطيعك. هنا بدأ رجال الشارع في الهتاف ضد نور وطرده. ليجز نور على أسنانه من شدة حنقه وغيظه العارم، وحين شعر أنه سيبكي من الإحراج وأنه سيفضح نفسه بالطفل الذي بداخله، قرر أن يذهب ويتركهم، وتوعدهم أن ما سيحدث لهم في المستقبل سيكون جحيمًا. ولكن أثناء ذلك، لفتت نظره وهي واقفة تشاهد بقلق، ممسكة بحقائب بها مستلزمات المنزل. كانت منار، جذبت انتباهه بشكل كبير ليقرر أنه لن يخرج من تلك القرية إلا وهو يملك تذكارًا منها. رفع نور ذراعه لرجاله وهو يشير إلى منار قائلًا: _هاتوها.
ROMISAA