٤٥ يفتح نور الصاوي باب فيلته ويدخل سليم وديميت وهما يتبعانه، حيث أصر على أخذهما لمنزله لأمر في غاية الأهمية. رحب نور بهما بشدة، فقال سليم والحيرة تعتليه: _مكنتش عارف إنك راجل غني كده، بس جايبنا ليه برضو؟ _حبيت نحتفل سوا بمناسبة خطوبتك بحاجة تفرح وتفرح أمك الجميلة دي. _وأيه هي الحاجة؟ _إنها تقف على رجليها تاني. قال سليم بدهشة متلهفًا: _إيه ده؟ تقدر تعالجها؟؟؟ _أيوة طبعًا، تعالوا ورايا. اتجه نور لباب معين اعتقدوا أنه باب لغرفة، ولكنه باب لقبو. ولكن فور نزولهم، كانت كلمة "قبو" حقيرة بجانب ما رأوه، فكان مختبر كبير وعملاق ممتد تحت الأرض، مختبر بصالة كبيرة مليئة بالأجهزة والمستلزمات العلمية الحديثة، وبه غرف وأبواب مختلفة، بالطبع كل غرفة بها وظيفة خاصة. برق بصر سليم بإعجاب خارق وهو يقول بفم مفتوح: _الله! إيه اللاب الخطير ده، كل الأجهزة فيه حرفيًا، ولا كأنك أكبر بروفيسور في العالم. ابتسم نور دون رد واتجه لإحدى الغرف، وبعدما فتح بابها قال: _إنت هتفضل هنا يا سليم، مش هتخش... تقدر تدخل أي أوضة إنت حاببها إلا دي. قالت ديميت: _ليه مش هيخش؟ _لأني عايز كده. لم يوافق سليم بالطبع، ورغبته كانت عكس تصرفه الذي كان طاعة لنور دون أي اعتراضات. أمسك نور بكرسي ديميت وأدخلها الغرفة وهي تشعر بالقلق الطفيف، ولكنها امرأة ذات قوة نفسية وانفعالية، لم تظهر ذلك على ملامحها كثيرًا. جلس نور مقرفصًا أمامها وهو يتأمل ملامحها الجميلة وعينيها الخضراوين، وقال وهو يزيح شعرها الأسود من أمام إحدى عينيها بأنامله: _قوليلي بقى، إيه سبب الإصابة؟ ابتسمت ديميت لتظهر أنها غير مبالية: _رغم إنك مخبي عينيك بالنضارة دي، بس أقدر أشوف كويس نظراتك ليا عاملة إزاي، وأنصحك متسرحش أوي لأني قد والدتك. _ والدتي معندهاش ٤٢ سنة، هي أكبر منك بكتير. _ بس أنا أكون والدة أخوك الكبير... فيعتبر قد والدتك. قال نور وهو يومئ برأسه: _عندك حق، سيبك مني بس دلوقتي وقوليلي سبب الإصابة عشان أعرف أعالجك. _جوزي وقعني من السلم وهو كان بيضربني. _ده اللي سليم خرج أحشائه وهو حي؟ _هو حكالك عن الموضوع ده؟ _أيوة. وقف نور واتجه لإحدى الخزانات وأخرج ما يقارب الثلاث مكونات، اثنان منهم شفافين والثالث كان عبارة عن... مادة أشبه بالرمال الأجوائية. بعدها أخرج من إحدى الأدراج قطعة إنديوم من إحدى الأكياس البلاستيكية الصغيرة وألقاها في فمه وبدأ يمضغها. بدأ يعير كل مكون منهم وخلطهم سويا في كوب عياري ليتحول سائل علاجي لونه أرجواني لامع. _تعرفي المادة دي؟ حركت رأسها نافية، ليقول مندهشًا رافعًا حاجبيه: _متعرفيهاش؟ غريبة! مش إنتِ بنت العالم سردار شاهين برضو؟ _أيوة... قال نور وهو يتأمل في تلك المادة: _سردار شاهين، يوسف إمام، وليلى عبد الرازق، أعظم تلات علماء في القرن الواحد والعشرين، تلاتة شياطين بسبب عبقريتهم وساديتهم اللي طلعوها على الناس الغلابة. المادة دي من أكبر اكتشافاتهم واختراعاتهم، مادة تقدر تحسن أي حاجة في جسم الإنسان، تعالج جراحه، تشفي سرطانه، وتصلح عضمه المتكسر، توحد لونه، وتصلح شلله، مادة اترفضت من منظمة الصحة العالمية. عارفة اترفضت ليه؟ _ليه؟ أجابها نور وهو يضع ميلي ميترات في حقنة كبيرة الحجم نوعًا ما، بعدها نظر إليها وهو يحدثها: _عشان مادة لا تتماشى مع الرأسمالية. إنتِ عارفة بقى، كل ما الإنسان بيبقى كويس وكل ما بيبقى عنده صحة، وكل ما بيحب نفسه، كل ما الفلوس تقل... فلازم الإنسان يفضل عيان وتعبان وكاره نفسه ونفسيته زي الزفت... عشان يبقى فيه منتجات أكتر... وفلوس أكتر. اقترب نور منها بخطوات بطيئة زادت من توترها، وهو يقول: _التلات علماء دول ابتكروا حاجات كتير سوا، وكانوا زملاء في المجال، بس نهايتهم كانت مشتتة جدًا. واحدة منهم تابت من شغلانتها بعد ما خلفت أول عيل ليها، والتاني اختار طريق الخير في مجاله، بس في واحد منعرفش عنه حاجة واختفى بشكل غريب... ألا وهو فين أبوكي يا ديميت؟ ما تطمنينا عليه، أصل العصفورة قالتلي... إن في عالم مجنون هو اللي قتل كل أمهات عيال داغر وبيجري وراهم بميلشيات أدهم، وإن رئيس العصابة العدوة لعصابة أدهم واللي بتتحكم في حكومات العالم يكون عالم برضو... فلو ليلى ماتت، ويوسف اختار طريق الخير، فمفيش غير سردار... مش كده؟ ظل نور يحدق في عيني ديميت ليترقب رد فعلها، وأجابته بعدما ابتلعت لعابها: _لما كنت مع أدهم اتبعتلي خبر موته. _لا لا الحوارات دي متمشيش عليا، أتمنى تقوليلي الحقيقة يا ديميت... فين سردار شاهين؟ _معرفش.... _ابنك أهم ولا أبوكي؟ _ابني طبعًا... صدقني لو كنت أعرف والدي فين كنت قولتلك، بس أنا بجد معرفش. _طب أنا هحقنك بالمادة دي... هتتوجعي شوية شويتين تلاتة أربعة خمسة، بس بعديها يكون عندك مهمة واحدة، إنك تدوري على أبوكي عشان تنقذي ابنك من أي شر.. اتفقنا؟ أومأت ديميت برأسها ليحملها نور ويضعها على أريكة كانت بالغرفة، وجلس خلفها وهو يقول: _بما إن الشلل جه من وقعة، يبقى الإصابة في العمود الفقري. تمنيت لو كنت أديلك الحقنة في العضل بصراحة... بس يلا مش مهم. رفع ثيابها عن ظهرها وطهر المكان الذي سيحقنها فيه ثم غرز الإبرة بها. وتأملت ديميت، وحين سمعت أنينها قال: _لا امسكي نفسك، إحنا لسة في الأول. حين حقنها بتلك المادة، وضع يده أمامها وهو يقول: _عضي. قالت ديميت باستغراب: _ليه؟ _عشان الوجع اللي هتحسي بيه عمرك ما حسيتي بيه في حياتك. مرت دقيقة تقريبًا وبدأت بالفعل تشعر ديميت بألم يتسرب في جسدها، تحديدًا في عمودها الفقري وساقيها، وبدأت تتململ وتتوجع بشدة وتعض على يد نور بقوة، وتحاول أن تمنع نفسها من الصراخ، ونور ممسك بجسدها لكي لا تزيد حركتها ويفسد العلاج. ومن شدة الألم، فقدت ديميت وعيها، ووضع نور رأسها برفق على فخذيه. قرر أن ينتهز فرصة خلوتهم وبدأ يحسس على شعرها ويتأمل وجهها الجميل: _والله كل نسوانك حلوين يا أدهم... مر بإبهامه على شفتيها ثم وجنتيها ثم قال: _انا اقتلها الاول بعدين اغتصبها احسن. ونهض نور بالفعل دون أي تردد، متجهًا لإحدى الأدراج، وأخرج حقنة فارغة ليقتلها بحقنة الهواء، ولكنه استوقفه صوت أتى من الخارج. كان سليم يتجول في المختبر أثناء ذلك، إلى أن وصل لغرفة جذبت بابها أنظاره، فقد كان حديديًا. وحين فتحه، أصدر صوتًا مميزًا أوقف نور عما كان يفعله. دخل سليم الغرفة بترقب، وأنارها لتجحظ عينان مما رآه، والذي لم يكن يتوقعه أبدًا. غرفة كبيرة بها عشرات خزانات العرض، والتي لم تكن خزانات عرض عادية، بل بها أسلاك موصلة بالشيء المعروض فيها، والذي كان الروبوتات. كانوا واقعيين لحد كبير، لا يستطيع سليم التفرقة بينهم وبين الإنسان العادي. واقعية تلك الروبوتات تخطت واقعية التماثيل الشمعية، كما لو كان يحدق في إنسان حقيقي في واجهة عرض. بدأ يسير ببطء وهو يتأملهم ويقرأ أرقام النماذج: نموذج-586839 نموذج-586840 نموذج-586841 نموذج-586842 نموذج-586843 خمس نماذج استوقفوا سليم من شدة صدمته وحيرته، فأولئك الخمس روبوتات... هم نفسهم الخمس شباب الذي قتلهم في الكلية لسبهم أمه. ظل سليم يحدق فيهم دون طرفة عين بسيطة، وعقله يفيض بالتساؤلات: هل يعني هذا أن كل الروبوتات التي تم تصنيعها هم في الأساس أصحاب هويات حقيقية وأشخاص قد ماتوا بالفعل؟ ظل سليم يسير وهو ينظر لكل نموذج، ولكل إنسان آلي، والذي كان منهم أطفال، وبدأ يستوعب أن كل ما يراه هم نسخ مميكنة من أشخاص لم يعودوا موجودين في الحياة أبدًا. تعمق سليم في السير حتى وصل إلى... نموذج-1 كانت خزانة العرض لهذا النموذج مغطاة بستائر من الداخل. ازداد فضول سليم حقًا في أن يعلم من هو أول إنسان آلي؟ أو بمعنى أدق، من هو الضحية الأولى لهذا المشروع. ما زاد حيرة سليم وشكوكه وقبضة قلبه، أنه معروف صاحب اختراع الأندرويدز أو الروبوتات هو يوسف إمام، فلماذا هذا موجود في منزل نور الصاوي؟ _حلوة الفسحة؟ التفت سليم لمصدر الصوت، ويجد نور ليقول له: _البيت ده مش بيتك، مش كده؟ _هو بيتي ومش بيتي في نفس الوقت، أنا يعتبر الابن الروحي ليوسف إمام... فهو مخليني أعيش في بيته لأنه هو اللي مربيني أصلاً. تحجرت عينا سليم على نور وهو عاقد حاجبيه من دهشته وحيرته: _أنت بتتكلم بجد؟ إزاي تخبي علينا حاجة زي كده؟ أنا حرفيًا جوا بيت البروفيسور يوسف بذاته؟ _أيوة يا حبيبي، فيها إيه؟ _إنت بجد عشت معاه واتربيت تحت إيده؟! _إنت ليه مش مصدقني؟ _أصل ده البروفيسور يوسف إمام... مش أي حد يعني. _وإحنا ولاد مين يعني؟ عم عبده العجلاتي؟ ما إحنا ولاد أدهم اللي هو مش أي حد برضو. يلا نطلع من الأوضة دي لأنه حذرني مخشهاش.. ومش عايز أقعد فيها أكتر. يلا. سار نور ونظر سليم نظرة أخيرة لذلك النموذج الأول، ثم خرج متتبعًا نور. وفور خروجهما من الغرفة، وجد ديميت تخرج من الغرفة الأخرى تسير مترنحة، ليشهق سليم ويقهقه ببهجة وفرح عارم بسيرها على قدميها أخيرًا. نظرت ديميت إليه بابتسامتها البسيطة، وهي مندهشة من وقوفها على قدميها، ليركض سليم ويعانقها وهو يصيح فرحًا ويدور بها وهي في حضنه لتبادله الضحكات السعيدة أيضًا. ونور يشاهدهم بابتسامة خفيفة صفراء على وجهه بكل صمت. ********* المعجزات لهي من أكثر الأمنيات طلبًا للعبد من ربه، فماذا يفعل الإنسان حين يستجيب ربه ويعطيه المعجزات بالفعل؟ قوى خارقة؟ روح قوة؟ كائن من كوكب آخر؟ هيئة أخرى مختلفة عن الروح؟ ما كل هذا الهراء؟ لم يعش مصطفى في حياته أبدًا لحظات تشتت وحيرة كمان هو يعيش حاليًا. فقبل ساعات قال نوح له كل شيء وختم بقوله: _لو مش مصدقني ابقى بص في المراية. مصطفى الآن على سريره يفكر بينما يتأمل وجه نجلاء النائم بعدما قضوا ليلة جميلة سويًا، كان يريد أن يحدثها عن الأمر ولكن بدا عليها الإجهاد فتركها تنام. قام مصطفى وارتدى سرواله، وهنا سمع صوت طرق المرآة مجددًا، التفت إليها ناظرًا بتردد شديد حتى تشجع وقرر أن ينظر إليها. وقف مصطفى أمامها مسندًا بيديه على التسريحة وظل يترقب ما في المرآة. ~بص في عينك. انتفض بشكل خفيف من ذلك الصوت مجددًا ولكنه تمالك نفسه ونظر لعينيه، وبدأ يحدق بشدة. وبعد دقيقة تقريبًا تبدل المكان فجأة وأدى ذلك لسقوطه أرضًا بسبب اختفاء ما كان يحمل جسده عليه. اعتدل مصطفى ووثب وهو ينظر حوله بتشتت وحيرة وقلق. مكان لا ملامح له، داكن به لمحة لون أرجوانية. وأثناء التفاته وجد أمامه ذلك الكائن الذي قال نوح عنه، ولكن المختلف فيه أنه بلا جناحين، ونسخة من مصطفى أرجوانية صاحبة عيون صفراء ولحية وشعر قصير، فضي لونهما مثل. ظل مصطفى يحدق إليه وهو يذكر الله ويستعيذ، ليقول ذلك الكائن الذي سماه مايا بإلسيوم: ~قولتلك قبل كده أنا مش شيطان... فدا مش هيأثر فيا. _أومال أنت إيه؟ صمت السيوم مدة وكأنه يفكر في الإجابة ليقول: ~تصدق السؤال دا إجابته صعبة... والصعب فيها أنك جاهل بوجودنا، فلو قولتلك أنا إيه مش هتعرف برضو. _إنت كائن من كوكب الأرض؟ ~لا. قال مصطفى مصدومًا: _كوكب تاني؟! ~أيوة. _مستحيل. ~ليه؟ _ربنا مش خالق غير الإنس والجن على الأرض. ~أيوة، ما أنا قولتلك أنا مش من الأرض. _فضائي يعني؟ ~لا، بالله عليك متقوليش المصطلح التعبان دا، قولي أي حاجة إلا فضائي، أنا مبحبش عبط البني آدمين دا. _ط.. طيب، أنتوا مؤمنين بوجود إله واحد صح؟ ابتسم السيوم وقال هازئًا: ~إيه؟ مش واثق في وجود ربك؟ قال مصطفى بنبرة ثابتة وثقة شديدة تظهر قوة إيمانه: _لا طبعًا واثق، أنا بسألك كده عشان لو مش مؤمن... أخليك مؤمن. وقف السيوم واقترب من مصطفى لينقبض قلبه من طوله الشاهق، ولكنه ظل ثابتًا. وحدثه السيوم قائلًا: ~بص، إحنا بنؤمن بإله واحد، بس نظامنا في خلقتنا غير نظامكم في خلقتكم. إحنا المفروض نكون كائنات غير عاقلة زي الحيوانات كده، عشان كده ربنا وهبنا القوى الغريبة دي اللي تخليينا نعرف نحكم شعبنا، لأن من غيرهم... مكناش هنعرف نفكر نحكمهم إزاي. _تحكموا شعبكم؟ ~ أيوة، واضح أن مايا مقالش كده لنوح، فأنا هقولك. بص، إحنا سبع ملوك على كوكبنا، كل ملك عنده قدرة خاصة، وطبعًا عوام الشعب معندهمش. وقوتنا دي هي اللي تخليينا نعرف نعيشهم، وبيجي علينا وقت قوتنا دي بتضعف ولكنها بتتشحن تاني بالعبادة لله، فنظامنا غير نظامكم. ظل مصطفى يحدق فيه باستنكار شديد وهو صامت، ليقول السيوم: ~شكلك مش مصدقني. _بحاول أصدقك بس الموضوع أصعب مما تتخيل. ~افتكر كويس يا مصطفى، العالم دا فيه اللي عمرك ما هتتخيله. ظل مصطفى صامتًا ورأى السيوم يتنهد وهو يقول: ~إحنا مكانش عندنا أي حاجة من اللي عندكم، حتى شكلنا مكانش كده، ولا كنا بنعرف نتكلم أصلًا، بس إحنا اتكونا بالشكل دا عشان نعرف نتأقلم جواكم، وخليني اقولك، انتوا فعلا اجمل واذكى كائنات ربنا خلقهم. _طيب إيه اللي جابكم هنا، أنا مش فاهم؟ ~الأمريكان مش سايبين حد في حالة حتى لو في كوكب تاني. المهم، إنت دلوقتي بقى عندك قوة هيبقى صعب تتحكم فيها في الأول، بس مش عايزك تقلق، أنا هبقى معاك. فجأة عاد مصطفى للواقع فور سماعه صوت منبه هاتفه للفجر، استفاق مصطفى وهو متعجب بشدة، فقد كان منتصف الليل منذ دقائق. استيقظت نجلاء وأغلقت منبهه وهي تقول بصوت وهن وهي تحك عينيها: _مالك يا حبيبي واقف كده ليه؟ نظر مصطفى إليها ملتزمًا صمتًا قويًا من شدة حيرته بالأمر، وكل ما استطاع قوله: _مفيش.. مفيش حاجة. ********* في الوقت نفسه، كان نوح جالسًا في غرفة المعيشة، لم يذهب إلى دروسه من إجهاده النفسي. لولا وجود غادة معه، كان سيجن. فقد كانت غادة طوال تلك الأيام تواسيه وتحاول التخفيف من حدة مشاعره السلبية بكل الطرق الممكنة. كلما لمسته بغرض المواساة، كلما تضخمت مكانتها في قلبه، ويزداد حبه لها لأنه أيقن بأنها بالفعل مهتمة به وبحالته النفسية. ولكن رغم ذلك، فإن نوح لا يستطيع أن يعود كما كان، لا يستطيع التأقلم مع هذا الجنون. حين أن ما يحدث له هو الواقع بالفعل وليست هلاوس منه يزداد همًا ونغصًا. أصبح يتمنى أن تعود هلاوسه التي تختفي قور ابتلاعه قرص بحجم عقله الأصبع، أما هذا الواقع... فكيف يختفي؟ حتى إن مات، فلن يختفي. غادة الآن في غرفتها تتجهز للذهاب إلى عملها، وهذا ما لا يعلمه نوح، فوقت ذهابها لعملها يكون في دروسه بالفعل، وحين يعود تكون هي قد عادت قبله. هنا وجدها مرتدية ملابسها ومستعدة للخروج، فعقد ما بين حاجبيه مستغربًا وهو يقول لها: _رايحة فين؟ _رايحة الشغل يا حبيبي، عايز حاجة أجيبهالك وأنا جاية؟ _شغل؟ هو أنا مش قولتلك تسيبيه وتركزي في كليتك؟ قالت غادة بابتسامتها اللطيفة مازحة: _أه، بس بصراحة أنا أخدت كلامك من هنا وطلعته من هنا. يبدو أن حالة نوح النفسية لم تكن مهيئة للمزاح، فقال لها بنبرة يظهر فيها غضبه: _إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟ _إيه يا نوح بهزر؟ _لا، إنتِ بتستخفّي بيا. _لا يا نوح، مستخفتش، سلام بقى عشان هتأخر. اتهجت للباب وفتحته، لينهض نوح مسرعًا مستشيطًا ويضرب الباب بعنف ويقف أمام غادة، فإنقبض قلبها من تصرفه العنيف لتقول له: _في إيه يا نوح؟ مالك؟ _احنا اتفقنا إن مفيش شغل تروحيه؟ مش إحنا اتفقنا؟ _لا، متفقناش، وبعدين أنا مينفعش مروحش الشغل... دا شغلي. _لا يا حبيبتي، مش شغلك، دا كان شغل مؤقت لحد ما تلاقي الراجل اللي يصرف عليكي، واديكي لقيتيه، متنيلة مكملة ليه؟ _متنيلة مكملة لأن دي الحاجة الوحيدة اللي خليتني أعرف أعيش... وصعب أسيبها بالسهولة دي. _لا إله إلا الله، هو مش أنا بصرف عليكي؟ هو أنا قصرت معاكب في أي حاجة؟ _لا يا نوح، مقصرتش... بس مش هسيب شغلي برضو، عشان لو حصل أي ظرف أكون قادرة أسند نفسي. _تسندي نفسك إيه بالألفين جنيه اللي إنتِ بتقبضيهم؟ وبعدين، هو إيه الظرف اللي هيحصل؟ أنتِ مش واثقة فيّ يعني؟ يعني هو أنتوا لما أصرف عليكم تزعلوا، ولا مصرفش عليكم بتزعلوا؟ _أنتوا مين؟ وعليكم مين؟ بتكلم مين يا نوح؟ أنا واحدة بس قدامك. زفر نوح محتدماً وصاح في وجهها: _بقولك إيه يا بت، اسمعي الكلام وخشي، مفيش شغل هتنزليه تاني. فزعت غادة من رد فعله الصادم، والذي جعلها تغضب هي الأخرى، وصرخت مدافعة عن نفسها وهي تلوح بيدها: _إنت بزعقل ليه؟؟؟ إنت بقالك كام يوم بتعاملني بالأسلوب المقرف ده ليه؟ أنا تعبت منك، وانت مش هتمشي كلامك عليا بالغصب. أمسك بيدها التي كانت تلوح بها بقوة لدرجة جعلتها تصرخ متألمة: _إنتِ كمان بتشوحي في وشي؟ لو مش محترمة إني جوزك، احترمي على الأقل فرق السن بيننا، وأنا امشي كلامي عليكي غصب، هو أنا مش بصرف عليكي؟ هو أنا مش معيشك في بيتي؟ تبقي تسمعي كلامي وتحطي جزمة في بقك، واللي أعمله يتنفذ. تحجرت عيناها الجاحظتان عليه، ونظراتها تفيض بالقهر والصدمة الشديدة، وقالت بنبرة مرتجفة مليئة بالحسرة: _إنت طلعت زيهم يا نوح، معقول من أول مشكلة تقول نفس اللي هما بيقولوه؟ إت مفرقتش حاجة عنهم. انفجرت مستشيطة، وبدأت تضرب صدره لكي يبتعد عنها ويترك يدها وتصرخ: _إنت طلعت زيهم، إنت طلعت زيهم، إنت كدبت عليا، كدبت عليا. ازداد نوح حنقًا وجذب يدها بعنف جعلها تصرخ متألمة، وسار بها إلى الغرفة ودفعها بقوة ليرتطم جسدها أرضًا وهو يصيح قائلًا: _مش شوية نسوان اللي يفضلوا يقللوا مني ويستهزأوا بيا، أنا تعبت منكوا، وانت لو هتطلعي زيهم، أنا هأدبك وهربيكي كويس ومش هبقى زي ما كنت زمان. أغلق الباب بضربة عنيفة جعلت قلبها يتقفقف من شدة الفزع، وثوت بمكانها على الأرض، أنفاسها متثاقلة، أعينها متحجرتان لا تطرف من أثر الصدمة، تسمع وقع أقدام نوح القوية وهو يسير ذهابًا وإيابًا في كل أنحاء المنزل، كما لو كان يبحث عن مخرج لجنونه، أو يهرب من ذلك الكائن الماكث بداخل روحه ولا يكف عن الكلام بداخل عقله. _بس بقا، بس بقا، اسكت، اسكت. كانت تسمعه وهو يحدث نفسه بتلك الطريقة الهيستيرية، بعدها انتفضت بقوة فور سماعها لصوت كسر متتالٍ بالخارج. غادة متجمدة مكانها، فور أن تيقنت أن نوح لم يختلف كثيرًا عنهم، بل هو يستفحلهم جنونًا، في عقلها أسئلة لا حصر لها، فهي لا تريد أن تصدق أن نوح مثلهم، لقد أحبته حقًا. لم تحب غادة أحدًا في حياتها كما أحبت لنوح من بعد أخيها إبراهيم. إبراهيم، نعم، يبدو أن هذا هو الشخص الوحيد الذي أحبها بصدق خالص، رغم ذلك فهو لم يعد له وجود الآن، كم هذا مؤسف. كان المأمول من غادة في هذه اللحظة أن تصرخ، وتبكي، ثم يأتي نوح ليواسيها، ثم ينتهي الأمر، ولكن هذا لم يحدث، ولن يحدث لأن غادة ستنهي الأمر كما وعدت نفسها. لن تواجه الذل والنم والاهانة بكرامتها بعد الآن، وستذهب لمن يحبها حقًا. قامت غادة واتجهت لحقيبتها حيث قنينة السم. فتحت الحقيبة، التقطت القنينة، فتحتها، ثم اجترعتها كلها إلى آخر نقطة. وسرعان ما تتثاقل أنفاسها، وتتزايد ضربات قلبها، واصطكت ركبتيها وقدميها وفقدت الأعصاب فيهما لتسقط أرضًا وهي تصارع في استنشاق أي نسيم طفيف، إحساس الإعياء يتصاعد، أضواء مشعة تضرب عينيها بشكل متتالي، صداع بالرأس وألم في المعدة. تتسارع ضربات قلبها بعد كل ثانية إلى أن توقفت. لتتوقف غادة عن مقاومتها، ويسكن جسدها، وتغمض عينيها، ويتمدد جسدها بالأرض معلنًا عن إنهاء مهنة كل عضو بداخله. وعن إنهاء حياة غادة. ********** . . . . . _غادة مجدي الجرايحي. رفعت الطفلة يدها الصغيرة بين الطالبات وهي تهتف: _أنا. عقدت المعلمة حاجبيها وسألتها بنبرة لينة مليئة بالحيرة: _إيه يا غادة اللي أنت لابساه ده؟ دبت رعشة طفيفة في جسدها وقالت بصوتها اللطيف الصغير وهي تعقد أصابعها بتوتر: _هما قالولي البس كده عشان هما كمان هيلبسوه وهنبقى صحاب وكده... انفجر طلاب الروضة بالقهقهة على غادة، لتصيح المعلمة فيهم: _بس يالا إنت وهو متضحكوش عليها! ثم نظرت لغادة مردفة: _مين يا حبيبتي اللي قالت لك كده؟ أشارت غادة على مجموعة من الطفلات لتقول إحداهن: _إحنا مقولناش حاجة يا ميس والله. امتعضت غادة وقالت: _بتكدبي ليه؟ إنت قولتيلي كلكوا هتلبسوا كده عشان نبقى شلة، وملبستوش ليه؟ أسكتتهم المعلمة ثم قالت لغادة: _خلاص يا غادة، لبسك حلو بس متجيش بيه تاني يا حبيبتي عشان مش مناسب للحضانة، ممكن تلبسيه في أي حفلة نعملها، ماشي يا حبيبتي؟ _ماشي. ما كانت ترتديه غادة هي بذلة تنكرية عبارة عن خيارة. فمن بداية دخولها للروضة وهي تريد أن تكون صداقات بشدة، واجهت صعوبة في ذلك. إلى أن أتت لها طفلة تسمح لها بأن تكون صديقتهن بعد شهر من وحدتها في الروضة، وحين قالت لها ذلك، سرت غادة للغاية، ولكن الطفلة شرطت: _بس تعالي المرة الجاية البسي خيارة عشان كلنا هنلبس خيار، عشان نبان إننا صحاب وشلة وكده. ووافقت غادة على الفور وعادت لمنزلها وهي تنوح بإرادتها لبذلة خيارة على الفور. ومع إلحاحها وصياحها المبالغ فيه، أجبروا على أن يأتوا لها بتلك البذلة، تكفل إبراهيم بالبحث عنها. وحين عاد بها دخل منزله وهو يقول لأخته: _بصي يا غدغود، جيبتلك الخيارة اللي عايزاها وهتبقى على مقاسك بالضبط. أتت غادة إليه وهي تقفز مبتهجة وتمسك بالحقيبة وهي تقهقه سعيدة، وإبراهيم صاحب الأربعة عشر عامًا يحدق فيها بابتسامة عريضة وهو يعد برؤية أخته بتلك السعادة. _ودي جيبتها بكام بقى؟ اختفت ابتسامته بنغص فور سماع صوت أبيه، والتفت ناظرا إليه: _بـ ٧٠٠ جنيه. ضربت أمه صدرها وهي تشهق: _يا نهارك أسود يا إبراهيم؟ جايب لها القرف ده بـ ٧٠٠ جنيه، أنت اتجننت؟ _المهم تبقى فرحانة، في إيه مالكوا أنتم مستخسرين فرحة البت؟ ازداد أبيه احتدامًا من رد ابنه لينهض ويسحب الحقيبة من يد غادة الصغيرة ويزجر ابنه: _واحنا هنفلس عشان فرحة سيادتها؟ أنا هرجعها وهرجع الـ ٧٠٠ جنيه دول، أنا مش همسكك فلوس تاني، أقسم بالله. كانت غادة بينهم رافعة رأسها وهي تنظر لهما بذعر وقلق شديد، فأمسك إبراهيم بالحقيبة وهو يقول: _هو في إيه؟ إنتوا مشوفتوش هي فرحت بيها إزاي؟ أنا أول مرة أشوفها فرحانة كده من أول ما اتولدت. وبعدين إنت محموق أوي على الـ ٧٠٠ جنيه ليه كده؟ ده إنت بتعمل ملايين ومتجوز واحدة تانية وبتصرف عليها قد كده كمان جت على الـ ٧٠٠ جنيه دول؟ فور أن قال إبراهيم ذلك، استقبل صفعة قوية من والده جعلت غادة تصرخ وتبكي وتبتعد عنه. أما الأم فأتت لمجدي وهي تبعده وتصيح في وجهه: _إنت اتجننت؟؟ بتضرب الولد اللي حليتنا ليه حرام عليك؟ ثم نظرت لابنتها وهي تقول: _كله بسببك إنتِ يا فقر، أخوكي اتضرب بسببك. غضب إبراهيم من جملتها، ناسيًا كف والده الذي ارتطم بوجهه، وقال وهو ممسك بالحقيبة ويصرخ في وجههما: _ما تسيبوا البت في حالها بقى؟ دي لسة مطلعلهاش سنان وبتعاملوها المعاملة دي، أومال لما تكبر هتعملوا فيها إيه؟ هتقتلوها؟ أقسم بالله إنتوا اتجننتوا. حمل غادة على كتفه واتجه مسرعًا لغرفته، ومجدي يصيح فيه لكي يعود ولكنه تجاهله. كانت تلك المشاجرات تتكرر بشكل مستمر في ذلك البيت المشتت عائلته، الأب بخيل، الأم ضعيفة الشخصية، كلاهما يفضلان إبراهيم عن غادة، وكلاهما يعاملان غادة معاملة الغير مرغوب بها، وهذه هي الحقيقة. ولكن إبراهيم يختلف عنهم، إبراهيم يحب أخته حقًا ومستعد للقيام بأي شيء فقط لإرضائها وإسعادها. ولكنها عادت في ذلك العبوس يفيض في ملامحها. وحين دخلت المنزل مع والدها، لم يهتم بها أحد سوى إبراهيم: _إيه يا حبيبتي، احكيلي عملت إيه بالطقم الجامد ده؟ نظرت إليه بتجهم ولم تجبه، واتجهت مباشرةً لغرفته، والتي كانت غرفة مشتركة بينهما. خلعت السترة بغضب، والتقطت قلمًا وبدأت تقطع السترة احتدامًا والدموع في عينيها. _لا طبعًا مش هتبقي صاحبتنا، إنتِ خايبة أوي، والفصل كله ضحك عليك. تلك الجملة التي قالتها الطفلة لها بعد ذلك اليوم، لذلك فالطفلة المسكينة مجروح قلبها من أول موقف خاضته في حياتها يندمها على الثقة بأحدهم، وما زاد الأمر عسرًا على قلب غادة المجروح أن أمها دخلت وهي تراها تقطع السترة لتشهق وتصرخ بعنف وتصفعها بقوة: _يا حمارة يا بنت الكلب، بتقطعي الهدية اللي جابهالك أخوكي ليه؟؟ هي فلوس بتطير عالفاضي يا جزمة؟ ظلت تضربها إلى أن أتى إبراهيم ودفع أمه وهو يصيح في وجهها مستشيطًا، ودار بينهما جدال قوي وتقول أمّه: _البت بتقطع البدلة اللي دفعت فيها ٧٠٠ جنيه بحالهم، عايزني أسكت؟؟ _تقوم تضربيها الضرب ده؟! دي لو ضرتك مش هتضربيها كده يا شيخة، حرام عليك. استمر جدالهما لبرهة ثم قررت الأم إنهاءه وخرجت من الغرفة، لينظر إبراهيم لأخته المسكينة وهي لا تكف عن البكاء، ليجلس أمامها على الأرض وهو يربت عليها: _معلش يا حبيبتي، معلش حقك عليا، حقك عليا، وجعتك؟ _آه، أوي. _معلش، معلش أنا آسف، معلش يا حبيبتي. نظر للسترة وقال لها: _قطعتيها ليه؟ معجبتكيش؟ _قعدوا يضحكوا عليا وصاحبتي مبقتش عايزة تصاحبني تاني. _حقك عليا، مش عايزك تقلقي، أنا صاحبك، وهفضل معاك دائمًا. وتستمر حياة غادة على هذه الوتيرة، وكلما تكبر، كلما تستوعب حقًا كيف هم يفضلون إبراهيم عنها. بدايةً من تقسيم الطعام، حيث هو يأخذ الفخذ التي تحبه غادة وهي تعطيها الجناحين، ثم المعاملة، إن أخطأ إبراهيم يتم نصحه بلين، وإن أخطأت هي يتم معاقبتها وزجرها بقوة، إن تمنى شيء تعطيه أمه له بمالها إن لم يوافق عليه مجدي، أما إذا تمنت غادة شيئًا، فستظل تتمناه بقية عمرها لأن لن يأتي به أحد. يقومون بالاحتفال بعيد ميلاده وجلب الهدايا له، ولا يقومون بنفس الشيء مع غادة في عيد ميلادها، له غرفة خاصة بسرير خاص، وهي ليس لها غرفة ولا حتى سرير وتنام بجانبه دائمًا. مرت السنين إلى أن وصلت غادة لسن التاسعة، وصلت لسن التاسعة وهي تشعر أنها غير مرغوب بها من كل الاتجاهات، غير مرغوب بها في عائلتها، غير مرغوب بها في مدرستها، حتى بدأت تشعر أن دخولها لمكان جديد هو غير مرغوب به بحد ذاته. لا أحد يؤنسها في وحدتها تلك سوى أخيها إبراهيم، والتي كانت تغار منه دائمًا، ولكن هذا لم يمنع حبه لها. ولكن يبدو أن تلك السنة ستكون الأجمل لغادة، فقد تعرفت على خمس صديقات لطيفات، وأصبحت بسببهن تتحمس للذهاب إلى المدرسة. أخيرًا، تغير شعورها تجاه ذاتها ولم تعد تحتقرها الآن كما كانت تفعل، ولكنها كانت هي البادئة في كل الأمور، وكطفلة فهي لم تلاحظ سلبية هذا الأمر. يأتي إبراهيم صاحب التسع عشرة عامًا لأمه، وهو يقول لها: _الوالد بقاله شهرين مجاش عندنا... _هو مبقاش حابب البيت ده، بسبب قلة أدبك معاه ووقوفك في صف أختك دائمًا. _صف إيه وهبل إيه اللي بتتكلموا عليه؟ دي طفلة... واخدينها عدوتكم ليه كده؟ ما تخفي شوية يا ماما، البت بدأت تلاحظ إنك بتكرهيها. _خليها تلاحظ، أعملها إيه يعني؟ _نعم؟ _إحنا أصلاً مكناش عايزينها يا إبراهيم. عقد ما بين حاجبيه مستنفرًا من تلك الجملة، وهو يقول: _يعني إيه؟ يعني إيه اللي بتقوليه ده؟ تنهدت أمه كما لو كانت نادمة على ما قالته، لكنها اضطرت أن توضح له: _أبوك اتجوزني غصب، وكان عايز يخلف من ولد واحد بس، ولو خلفت قبل الولد بنت هيبيعها. بس الحمد لله خلفتك أنت الأول، ومكناش مخططين نخلف تاني. وأول ما أمه ماتت قرر يتجوز البنت اللي بيحبها عليا، ولما كان بيجي لي في مرة من المرات حملت منه، كان عايزني أجهضها، بس أنا مقدرتش، وأهي اتدبست معانا بقى. ظل إبراهيم يرمق أمه بتقزز وغضب شديد ثم قال لها: _وده مبرر في معاملتكم معاها يعني؟ _نعاملها بقى ولا منعاملهاش، ربنا يصبرني الكام سنة دول لحد ما تتم ستاشر ونجوزها، لأن مصاريفها كترت بجد. _نجوزها إيه وهي ستاشر سنة؟ لا طبعًا، أنا بدور على شغلانة كمان. _أنت بتشتغل شغلانتين يا إبراهيم، هتموت نفسك عشان المفعوصة دي؟ _وهو ليه جوزك ميبعتلناش فلوس؟؟ أنا بشوفه على الإنستجرام مدلع مراته وعياله وبيوديهم أماكن أقسم بالله أول مرة أعرف إنها موجودة، ده بيطلعلنا العشرة آلاف جنيه لما نتذلل له وهو بيصرف عليهم ملايين كل يوم. _يوووه، خلاص بقى يا إبراهيم، هنعمل إيه؟ _لو فضلنا على الحال ده، أنا ههاجر وأشتغل بره. _إنت بتقول إيه؟ _زي ما سمعتيني. هنا أتت غادة وهي تقول: _ماما، ينفع أخرج مع البنات النهاردة؟ _مش وقتك يا غادة. قال إبراهيم مبتسمًا له بلين: _ينفع يا حبيبتي، تحبي أوصلك؟ قالت غادة في حماس: _ماشي. نظر إبراهيم لأمه نظرًا كما لو يقول لها إن يكملا حديثهما في وقت لاحق. وصلت غادة لمكان لقائهن، تجمعن كلهن إلا واحدة اتصلت بهن وقالت إن مكان اللقاء يصعب الوصول إليه لتتطوع غادة في توصيلها بما أنها تعرف عنوان منزلها من ذي قبل. وبالفعل ذهبت غادة لمنزل صديقتها، وحين طرقت الباب وفتحت أمها قالت: _أيوة يا حبيبتي، إنتِ صاحبة منة؟ _أه يا طنط، جاية أخدها أوصلها للمكان اللي هنتقابل فيه. _بس، منة راحتلهم خلاص يا حبيبتي. _بجد؟ ط.. طيب يا طنط، شكرًا، هروح الحقهم. بدأت غادة في الركض السريع لتلحق بهن، وحين وصلت لمكان اللقاء لم تجدهن، فقررت أن تلحق بهن للمكان الذي سيذهبن إليه بعد. وحين ذهبت إليه لم تجدهن أيضًا. تعبت غادة من البحث عنهن، كانت شمس الظهيرة حارقة، وظلت تنتظرهم في هذا المكان لعلهن تأخرن، ولكن لم يظهر أحد. أخرجت هاتفها واتصلت على إبراهيم ليُوصلها للمنزل. حاولت غادة إحسان الظن، ولكن أصابها الغم بقوة مما فعلوه بها. وفي اليوم التالي حين سألتهن، قالت إحداهن: _ آه صحيح، معلش والله، هي جت وروحنا على طول ونسيناكي. حتى سارة قعدت تزعق فينا وتقولنا إزاي تنسوها كده... معلش، متزعليش مننا. الشعور الذي شعرت به غادة بعدما أنهت تلك الطفلة قولها شعور لن يفارقها طيلة حياتها، كيف لهم أن ينسوني؟ هل من السهل نسياني لهذا الحد؟ ما حدث لها زاد يقينها في كونها نكرة لا أحد يرغب بها وسهل نسيانها بعد، عادت غادة من ذلك اليوم مكسورة الخاطر كارهة لذاتها، موقنة أن لا أحد يحبها ولن يحبها أحد. تمنت لو تعلم سبب ذلك، ما الخطأ الذي اقترفته، أن يتركها والدها، وتبغضها أمها وتفضل إبراهيم عنها، وأن ترفضها الفتيات كصديقة لهن بذلك الأسلوب الخبيث. ليلة هذا اليوم كانت عويصة على قلبها وعقلها الصغيرين، كانت تبكي بدموع غزيرة رغم أن صوتها كان خافتًا ولم تغفُ أبدًا. في اللحظة ذاتها كان إبراهيم في الصالة مع والدته يتهامسان، كان همسهم عنيفًا كما لو كانا يتشاجران. _صدقني يا إبراهيم، لو بيعناها هيبقى أحسن لينا كلنا والله، إنت هتبطل تشتغل ثلاث شغلانات، وأنا وأنت هنعرف نعيش ونخلص من مصاريفها. _يا ستي، بطلي غباء بقى، نبيع مين؟ إنتِ مستوعبة اللي بتقوليه؟ هندي بنتنا لناس غريبة ولمكان غريب ما نعرفوش؟ أنا مستحيل أعمل فيها كده، أنا بشتغل عشانها وههاجر عشانها، وعشان تعرفوا تعيشوا من غير ما نتذلل لابن الوسخة جوزك. _لا يا إبراهيم، مش هتسافر على جثتي إنك تسافر. _ خلاص بقى، روحي انتحري، لأني خلاص بيعت معظم الحاجات بتاعتي وحجزت المركب، وكلها كام يوم وهغور من أم البلد دي، وبعد كام شهر هتلاقوني باعتلكم فلوس تعيشكم زي الفل. _ابوس إيدك، متمشيش، مش هتبقى إنت وأبوك يا إبراهيم. _ هبقى أجيلك في الإجازة، بس أهم حاجة تعاملي غادة كويس في غيابي، ماشي؟ نهض ودخل غرفته ليجد أخته جالسة تبكي بهدوء لينفطر قلبه عليها. أتى بجانبها لتعانقه وهي تبكي، قال وهو يحسس على شعرها: _ متزعليش يا غادة، كل ده هينتهي قريب، كل ده هينتهي وهعيشك أحسن عيشة، مش عايزك تزعلي. . . . . . ترى غادة نفسها في قارب صغير في غور المحيط، الليل دامس والهدوء صارخ، يقطع هذا السكون أصوات الأمواج وهي تتضارب ببعضها. تنظر غادة حولها لتجد شبابًا يظهر على وجوههم العبوس والإنهاك، منتظرين لملاقاة مصيرهم المجهول الذي سيحدده هذا القارب المتهالك. نظرت ليديها لتجد عبارة يد رجل وكأنها شخصية اخرى. في تلك اللحظة، تظهر سفينة كبيرة يخرج منها إنجليز يهجمون على ذلك القارب ويقبضون على كل من به. ثم يتبدل المشهد لترى أنها في زنزانة بين هؤلاء الشباب، والذعر يعتليهم، الأصفاد في أيديهم وأرجلهم، وموصلين ببعضهم بكل شخص. بعدها دخل عليهم أحد يحدثهم بالإنجليزية الأمريكية ويجعلهم ينهضون ووجههم للذهاب إلى غرفة أخرى. ساروا على هيئة صف إلى أن دخلوا قاعة بها الكثير من الشباب المصفدين ارجلهم وايديهم. ظلوا واقفين على الجهتين، وكل مجموعة مصفدة ببعضهم يدخلون غرفة معينة، إلى أن دخلت المجموعة التي ترى غادة نفسها بها، والذي اتضح أنه شاب مثلهم، ولكن لسبب ما غادة ترى في عينيه. ظل يسأل كل أحد منهم عن اسمه بلهجة عربية أعجمية إلى أن أتى إليه: _ ما اسمك؟ _ إبراهيم مجدي الجرايحي.
ROMISAA